اطبع هذه الصفحة


سيرٌ مُختَصرةٌ لعبرٍ مُزدَهرة ..(٩)..!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


المدخل
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد :
فتظلُّ الكلمات المزهرةُ، مزهرةً عبر التاريخ، تُنخل من السير، وتُقطف من القصص، وتُستحضر لتكون شاهدا على سير عطرة، وأخبار أئمة مهرة، أفادوا ونصحوا وجددوا، ورسموا في تاريخ العلم والمعرفة والاقتداء، لوحات حسن وضياء، لم تذبل مع طول المُدد، ولا خملت مع بون التاريخ ، بل ما زالت متجددة حيةً، ثريةً وقادة، تسطع وتظهر من حين لآخر .
ولما كانت ثريةً متدفقةً ، ولا زالت تمد موائدها ، وتنير منائرها ، أكملنا مسيرتها، والتزمنا بثها والعناية بها، حتى نُريَ الأجيال ميراث الآباء، وقلائد الأجداد ، وأنهم كانوا شكلا آخر من حسن التدين، وقوة الإيمان، وعمق الإخلاص ، الذي أنتجَ ما أنتج من تلكم السير، وروائع الحكم، ولطائف الكلم، حتى خُلِّدت ورُويت ودُرست، وأصبحت كالحجج المروية ، والقلائد المرعية ، تحتفي بها الكتب، ويستشهد بها الأعلام، وتزين بها المجالس ، وذلك من فضل الله وتوفيقه .
والله المأمول أن ينفعنا بها، ويصلح حالنا ومآلنا ، إنه واسع المن والفضل، وهو أكرم الأكرمين ....

١٤٤١/٩/٧هـ

عائشةُ أم المؤمنين وقلة الذنوب : قالت رضي الله عنها :( أقِلوا الذنوب؛ فإنكم لن تلقوا الله عز وجل بشيء أفضلَ من قلة الذنوب ). لأنها إذا قلت تحسن السلوك، وهاجت النفس للطاعات، واستعد خيرها وصلاحها .

الشاطبي وغايةُ اتباع السنة: قال رحمه الله:( فالمتّبعُ للسنة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم ، فهو من الفرقة الناجية ).لأن السنة حاضة على القرآن والعمل به .

لقمانُ ومجالس الذكر: قال رحمه الله لابنه : ( يا بُني، إذا رَأيتَ قَومًا يَذكُرون الله فاجلِس معهم، فإنك إنْ تَكُ عالِمًا يَنفعك عِلمُك، وإنْ تَكُ جاهِلًا عَلَّمُوك، ولعل الله تعالى يَطَّلِع عليهم برَحمتِه، فتُصِيبك معهم ). لأنها أنفس لذائذ الحياة، ولا انفكاك من بركاتها علماً ونورا وصلاحًا .

الشافعي وكيفية السلامة من الناس: قال رحمه الله:( ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحُك فالْزمْه ). حيث لا يزالون بك ضرًا ونبزا وانتقادًا ، والحكمة عدم الانشغال بهم، والمضي في نفع الروح .

القرطبي وأشرفُ الأمور : قال رحمه الله : ( فلو كان شيء أشرفَ من العلم ، لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه ، كما أمر أن يستزيده من العلم ) . يقصد قوله:( وقل رب زدني علما ) سورة طه. فنبوته لم تحل دون طلب الزيادة، والبحث عن فضل العائدة ، فهو في اتساع فسيح، وامتداد لا حد له .

ابنُ القيم وفضل الذكر باختصار : قال رحمه الله :( ما ذُكر اللهُ على صعبٍ إلا هان، و لا على مشقةٍ إلا خَـفَّت ، و لا على شدةٍ إلا زالت ، و لا كُربة إلا انفرجت ). وهذا من أنفس التوصيفات لمقام الذكر وفضله، وضخامة أثره، فالهج كثيرا، ورطب لسانك بذكر الحي القيوم .

أبو الدرداء وثلاثية الحياة : قال رضي الله عنه: ( لولا ثلاثٌ ما أحببت أن أعيشَ يوماً واحداً: الظمأ لله بالهواجر ، والسجود في جوف الليل ، ومجالسة قوم ينتقون من خيار الكلام ، كما ينتقى أطايب التمر ). وهذا من علو همته، أنه حريص على معالي الأمور، سباق بالخيرات، مستغرق للأوقات رضي الله عنه .

مالك والأربعة المحظورون : قال رحمه الله :( لا يُؤخذ العلمُ عن أربعة : سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس ، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه ، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث ، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به ). لأن العلم دين مقتفى، فالأول سفيه ، والثاني صاحب هوى، والثالث عُرف بالكذب ، والرابع غير حافظٍ لعلمه .

القاسمُ بن محمد والتنقير عن العلم : قال رحمه الله:( إِنَّكُمْ لَتَسْأَلُونَا عَنْ أَشْيَاءَ مَا كُنَّا نَسْأَلُ عَنْهَا، وَتُنَقِّرُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مَا كُنَّا نُنَقِّرُ عَنْهَا، وَتَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَوْ عَلِمْنَاهَا مَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمُوهَا ). وهذا نوع من أدب السؤال، ويفتقده بعض الطلاب، والأحكم أن لا يسأل إلا عن المحتاج اليه، الواقع الملامس لشؤوننا .

الأوزاعي وخطورة الصحف والكتب : قال رحمه الله :( مَا زَالَ هَذَا الْعِلْمُ عَزِيزًا يَتَلَقَّاهُ الرِّجَالُ حَتَّى وَقَعَ فِي الصُّحُفِ، فَحَمَلَهُ - أَوْ : دَخَلَ فِيهِ - غَيْرُ أَهْلِه ). وصدق رحمه الله، لأنها مدعاة لترك الحفظ والفهم، والاكتفاء بالقلم والتقييد، والنقل المجرد عن إتقان العلم وضبطه والرسوخ فيه . ونظيره في عصرنا بحار النت والفقه الإلكتروني ، ثم ينبري بعضهم مجهلا لفضلاء، وناقدا لحكماء، لم يضارعهم أو يبلغ منزلتهم ...!!

أبو سعيد ومذاكرة الحديث : قال رضي الله عنه : ( تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَهِيجُ الْحَدِيثَ ). لأن المذاكرة ترسخ المدروس، وتفتح المغمور، وتثير المهجور .

علي ومدارسة العلم: قال رضي الله عنه :( تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَتَزَاوَرُوا ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَفْعَلُوا يَدْرُسْ ). لأنها من أبواب الترسيخ والتثبيت ، ومعالجة النسيان والاضطراب العلمي .

مجاهدوتهذيب النية : قال رحمه الله:( طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ كَبِيرُ نِيَّةٍ، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ بَعْدُ فِيهِ النِّيَّةَ ). وهذا من بركات العلم ومنائره الروحية، أنه يقذف الخشية، ويصلح التوجه، ويبارك الله لصاحبه ...!

يحي بن معاذ وطلب الدنيا والآخرة : قال رحمه الله :( في طلب الدنيا ذل النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى، ويترك العز في طلب ما يبقى ). وهذا محسوس مساعد لا ينكره إلا جاهل أو جاحد ..!

الأوزاعي والأغاليط المنهكة : قال رحمه الله:( إذا أراد الله أن يحرم عبده بركةَ العلم ، ألقى على لسانه الأغاليط ). يقصد المسائل الشداد، وصعاب القضايا ، التي تنهك المتحدث وتمل السامع .

الثوري واليقين العميق : قال رحمه الله :( لو أنّ اليقين وقع في القلب كما ينبغي، لطارت القلوب اشتياقًا إلى الجنّة، وخوفًا من النار ). وهذا درس في تعلم اليقين والبحث عنه، وسؤال الأولياء عن مظانه ، وفي القرآن والسنة جواهره ومضامينه .

وكيع وحسنات التحديث : قال رحمه الله:( لولا الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) ما حدّثت ). وهذه بشرى وتحفيز لطلاب الحديث وحملة السنة، وأنهم من أكثر الناس أجرا، وأغزرهم ثوابا .

ابن باديس وتكوين القرآن : قال رحمه الله :( إنّ ⁧‫القرآن‬⁩ الذي كوّن رجال السّلف، لا يكثر عليه أن يكوّن رجال الخلف، لو أُحْسِنَ فهمُه وتدبّرُه، وحُمِلت الأنفسُ على منهاجه ). وهذا من الفقه الدعوي والإصلاحي لمعاني القرآن ورسالته ، أن القرآن لم يتغير، ولكن التغير فينا...!!

ابن القيم والمفاضلة بين آية وختمة : قال رحمه الله:( فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم ، وأنفع للقلب ، وأدعى إلى حصول الإيمان ، وذوق حلاوةالقرآن ). وهذا هو شرف التدبر من كونه يحيي القلب، ويغذي المشاعر، ويرتقي بالإيمان ، فتقلل لتدرك وتبلغ وتنل...!

الفاروق وكيفية رد الشبهات: قال رضي الله عنه: قال عمر رضي الله عنه: ( سيأتي أناسٌ يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ). لأن التحصن والدوران مع النص النبوي الشارح، هو النجاة الحقيقية، ودرب السلامة المقصودة .

ابن القيم وأعظم الفقه : قال رحمه الله:( ‏من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى ). وهذا فقه علمي ونفسي مصدره خشية الله، وهي التي يغرسها العلم المنتفع به ، والذي يقرب إلى الله تعالى .

مكحولٌ ورقّة القلوب : قال رحمه الله: ( أَرَقُّ الناسِ قُلوبًا أَقلُّهم ذُنوبًا ). وذلك بما تحدثه الذنوب من جراحات ونكايات في الأجساد والقلوب، بحيث تورثه القسوة، وتوريه الجفاء، حتى يتصدع عن المواعظ، ويصد عن الفوائد ، ويعيش بعيدا عن الانتفاع ومدارس التزكية ، والله المستعان .

عمر بن عبد العزيز ومقام السُّنة : قال رحمه الله:( لا رأيَ لأحد مع سنة ، سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ). وهذا منطق العلماء الصادقين، والصالحين البررة، أن السنة غالبة، والحديث فوق الرأي ...

أبو يوسف القاضي ومنحةُ السنن : قال رحمه الله :( لو رأى صاحبي ما رأيتُ، لرجع كما رجعتُ) . يقصد ما عاينه من السنن في الحجاز على مشيختها ، وجمعه لها فجدد فقهه، وغير اجتهاده ، وفِي ذلك دليل على عظم الدليل والصدقُ في تعظيمه ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " كان أبو يوسف أعلم أصحابه بالحديث.. لِذلك كانت عامةُ أقواله التي خالف فيها أبا حنيفة، ووافقه محمد بن الحسن أتبعَ للنصوص وأوفق للأقيسة الصحيحة، لأن أبا يوسف رحل للحجاز واستفاد من السنن ".

ابن الجوزي وخطر التقلل من العلم : قال رحمه الله:( أفضل الأشياء التزيّدُ من العلم ، فإنه من اقتصر على ما يعلمه فظنّه كافياً استبد برأيه ، وصار تعظيمه لنفسه، مانعاً من الاستفادة ، والمذاكرة تبين له خطأه ). لأن في سعَة العلم سعة العقل، واكتشاف الصواب، وتجنب الخطأ ، وانتصارا على العناد والاستبداد .

أحمد وفقه المحدثين : قال رحمه الله :( ما أقلَّ الفقهَ في أهل الحديث ما أقلّ الفقه في أهل الحديث ). يقصد من جَمد منهم على النصوص، وتعمق في العلل، ولم يعط فقه النص حقه من النظر والفهم . وفي المقابل قد يقال؛" وما أقل النص في أهل الفقه " وهم الذين جَمدوا على أقوال المذاهب وفككوها وخرجوا عليها ، غير مبالين بالنصوص والآثار ، والموفق من جمع بينهما كفقهاء المحدثين كابن جرير وأحمد والبُخَارِي وابن خزيمة وأبي داود وشبههم رحم الله الجميع .

الدَّستوائي وهضمُ النفس : قال هشام الدَّسْتُوَائِيُّ رحمه الله : ( والله ما أستطيع أن أقول أنِّي ذهبت يومًا قط ، أطلب الحديث أريدُ به وجه الله عز وجل ). وهذا محمول على وجهين: هضمه لحق نفسه، أو مجاهدته لنيته وعدم ارتياحه من مسارها، وما يحمل من أخطار فيها .

الفاروق وصيانة الوقت : قال رضي الله عنه : ( لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبيني لله في التراب ، أو أجالس قومًا يلتقطون طيب القول كما يلتقط طيب الثمر ، لأحببتُ أن أكون لحقت بالله ). وهذا شكلٌ لمعرفة معنى هذه الحياة، وأنها لا تستحق العيش إلا لمقاصد عالية .!

أبو الدرداء وخطورة ترك العمل: قال رضي الله عنه:( ويلٌ للذي لا يعلم مرة، ولو شاء الله علّمه وويلٌ للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات ) . وهنا تحذير لمن علم وما عمل، وطالع المجلدات، وأحرز الشهادات، ورؤي في ضدها والله المستعان .

الثوري وتضييع الأيام : قال رحمه الله:( من لعب بعمره، ضيع أيام حرثه ، ومن ضيع أيام حرثه ندم أيامَ حصاده ). درس في استثمار الوقت، والضن بالساعات، لأن موسم الحصاد قريب دان..!

‏وهبٌ وموضع القوة: ‏قال رحمه الله : ( مَن يَتعبَّد يَزدَد قوة، ومَن يَكسَل يَزدَد فَتْرَة ). لأن فيها زيادة الإيمان والتحرك والانطلاق، وثبات القلب وحيويته، وانتصاره على شهواته .

الشيباني والتركة : قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله:( تركَ أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفًا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفًا على الحديث والفقة ). صيّر المال في العلم والإفادة، والمجد والإصابة، ولم يتفكر في بيت أو متعة أو سياحة وملهاة...!

الأوزاعي وكثرة الجدل : قال رحمه الله :( ‏إذا أراد الله بقومٍ شراً ، فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل ). وهذا شيء شبه محسوس ومشاهد في فئات من الناس ومنهم بعض طلاب العلم، وبعض الباحثين، سلطوا ألسنتهم بالجدال، وحرموا بركة الأعمال ، وروعة المحاسن .

ابن سُريج وذم الكلام : قال رحمه الله :( قلَّ ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح ، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام ). يقصد أن علم الكلام والجدليات العقلية شغلت عن الفقه ومحاسن العلوم، ومن ابتُلي بها لا أفلح في الفقه، ولا بلغ جوهر الكلام، ولا تميز بعبقرية ، والله المستعان ...!





 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية