اطبع هذه الصفحة


هل انتهى دور صندوق النقد والبنك الدوليين؟‍‍‍‍‍!!!
أزمة النظام النقدي العالمي تضع ظلالا كثيفة على مستقبل التوأم الذي أنجبته بريتون وودز

محمد حسن يوسف

 
لم يكن بالطبع يدور في خلد وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية خلال اجتماعهم في هونج كونج في عام 1997 لحضور الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين أن تتطور الأزمة المالية في آسيا والتي كانت في مهدها في ذلك الوقت، وبدت آنذاك وكأنها عقبة محلية بسيطة. إلا أن هذه الأزمة بعد مرور اثني عشر شهرا تفاقمت حدتها واتسع نطاقها بما يجاوز توقعات أي فرد، وأدت إلى انخفاض معدل نمو الاقتصاد العالمي إلى النصف، كما ألقت بظلال كثيفة قاتمة على أداء المؤسسات المالية الدولية.
وفي خضم هذه الأحداث، وجد الاقتصاد الروسي نفسه في حالة من التفكك. وفشل صندوق النقد الدولي في توفير الاستقرار للسوق المالية الروسية من خلال برنامج للإنقاذ بدأ تنفيذه في يوليو 1998، الأمر الذي أدى بعد مرور شهر لقيام روسيا بإعادة هيكلة الديون من جانب واحد، وهو ما أدى بدوره لتقويض ثقة المستثمرين في الأسواق الناشئة في أنحاء العالم. ووضعت الحكومة الروسية يدها على النظام المصرفي، وانهارت قيمة الروبل الروسي، وتواجه روسيا سنوات من الحرمان من الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.
ويعتبر السبب المباشر للازمة الآسيوية هو التقلبات الضخمة التي حدثت في تدفقات رؤوس الأموال الدولية. وحدث ذلك نتيجة لانفتاح الحدود أمام أسواق رؤوس الأموال التي تميزت بسرعة حركنها، والتي لم تجد لها مأوى أفضل من الاقتصادات المتخلفة للأسواق الناشئة. فقامت البنوك الأجنبية بإقراض اقتصادات الأزمة ما يزيد على 100 مليار دولار في عام 1996. ومع وجود التدفقات الداخلة الأخرى، سمحت هذه الأموال لتلك الدول بإنفاق مبالغ أكثر كثيرا من دخولها. ولكن في النصف الثاني من عام 1997، استردت البنوك أكثر من نصف هذه القروض.

وأوضحت هذه الأزمة مدى هشاشة الأسس التي يقوم عليها النظام المالي العالمي، ومدى عدم فعالية المؤسسات الدولية التي تقوم بالإشراف على هذا النظام. وزاد الذعر والاضطراب في جميع الأوساط، وبدأ المسئولون في العالم يخشون من تكرار أزمة الكساد الكبير التي حدثت في الثلاثينات من هذا القرن. وطُرحت العديد من المبادرات التي تهدف للخروج من هذه الأزمة. وكان من أهم هذه المبادرات تلك التي طرحها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في شهر سبتمبر 1998 بهدف تفادي تفاقم الأزمة الحالية، وتتضمن هذه المبادرة المضي في ست خطوات، هي:
التنسيق مع اليابان وأوربا والدول الأخرى لدفع معدلات النمو للزيادة
تكثيف الجهود للسماح لقطاع الأعمال في آسيا بالتخلص من ديونه التي تشل حركته
مطالبة البنك الدولي بمضاعفة دعمه من أجل إقامة شبكة امن اجتماعي في آسيا
مطالبة الدول الصناعية الكبرى بضخ مبلغ يقدر بنحو 15 مليار دولار من الأرصدة المتوافرة ضمن الاتفاقات العامة للاقتراض التي يشرف عليها صندوق النقد الدولي، وذلك بهدف مد يد العون لدول أمريكا اللاتينية
زيادة القروض التي توفرها بنوك التصدير والاستيراد الأمريكية خلال الشهور القادمة
حض الكونجرس الأمريكي على زيادة رأسمال صندوق النقد الدولي
وقد يتمثل أحد الحلول المقترحة لهذه الأزمة الراهنة في تغيير جذري لهذا النظام، كالرجوع للعمل بقاعدة الذهب في ظل أسس جديدة، أو تفعيل دور صندوق النقد الدولي بجعله مقرضا أخيرا للنظام الائتماني الدولي. ولكن إذا نظرنا إلى الأمور نظرة واقعية، فلن يحدث أي من ذلك.

ويوجد منهجان للتعامل مع المشكلات القائمة في ظل النظام المالي الحالي:
أولا: محاولة تقييد تدفقات رؤوس الأموال والعمل على تقليل اندماج النظام المالي. ويدلنا التاريخ على أن هذا المنهج مدمر من الناحية الاقتصادية، ومن المحتمل أن يسفر عن تحقق عزلة كاملة فيما بين اقتصادات الدول وبعضها البعض.
ثانيا: القبول بأن الانفتاح من المحتم أن يجلب المخاطر بالإضافة إلى المنافع، والتأكيد على تقليل فرص حدوث الأزمات لأدنى حد، والحد من الأضرار التي تنجم عنها.
وواجه العالم مهمتين في التعامل مع الضغوط على الاقتصاد العالمي. الأولى هي تصحيح مسار مجموعة السياسات الاقتصادية الكلية في الاقتصادات الكبيرة، ومن ثم جاء تخفيض أسعار الفائدة الأمريكية في شهر سبتمبر 1998. والثانية هي تصحيح الإطار المؤسسي الذي يحكم الاقتصاد العالمي. وهو ما يعني، على وجه الخصوص، إجراء فحص دقيق لأهم مؤسستين تتعاملان مع الأسواق الناشئة والتدفقات المالية الدولية، وهما صندوق النقد والبنك الدوليين.
وليس من المثير للدهشة أن يتحمل صندوق النقد والبنك الدوليين الوطأة العظمى من النقد بسبب علاجهما للأزمة المالية الدولية حتى الآن. حيث كان يُنظر إليهما منذ وقت طويل على أنهما من المؤسسات الدولية الفعالة، التي يقوم بإدارة أعمالها على أسس فكرية مستقرة بدرجة واضحة. ولكن مع انتقال الأزمة من دولة لأخرى، خضع الصندوق والبنك لوابل من الهجوم الشديد. وكان محور الانتقاد أنهما – وبالذات الصندوق – يصفان أدوية قديمة لأنواع جديدة من الأمراض.
وقد أنشئت هاتان المؤسستان لأهداف مختلفة للغاية، وكان بين البنك والصندوق تواصلا عمليا ضئيلا خلال السنوات الثلاثين الأولى من عمرهما. لكن التغيرات في الاقتصاد العالمي أدت لتقارب أنشطتهما كثيرا، وأدت لزيادة مجال الاحتكاك بينهما. وتعتبر الأزمات المالية في آسيا وروسيا هي التغيرات الوحيدة التي حدثت مؤخرا، وتعالت المطالبات حديثا من أجل إعادة اختبار دوريهما.

وتوجد بالتأكيد أسئلة ضخمة بانتظار الإجابة عنها. فهل سيستمر العالم في تحمل عدم وجود مقرض أخير للنظام الائتماني؟ وكيف يمكن التأكيد على قوة النظم المالية المحلية؟ وكيف يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوره في حل الأزمة؟ وهل يجب وضع قيود جديدة على تحركات رؤوس الأموال الدولية؟
لقد ظلت المؤسستان في قلب النظام المالي العالمي، رغم توجيه النقد لهما من اليمين بسبب كثرة التعقيدات الإدارية فيهما، وكذلك من اليسار بسبب تطبيق السياسات الاقتصادية التقليدية بدون تفكير. ولكن تركت الأزمة الآسيوية – التي وقف حيالها الصندوق عاجزا عن وقف الانهيار المالي، والتي وضح خلالها عدم فعالية السياسات الهيكلية التي يطبقها البنك – كلتا المؤسستان في وضع حرج. وتميزت استجابتهما لهذه الانتقادات الحادة بالهدوء. ولفهم السبب وراء ذلك، فمن الضروري إلقاء الضوء على الطريقة التي استجابت هاتين المؤسستين للانتقادات السابقة التي وُجهت للطريقة التي يتفاعلان بها، وبحث ما إذا كانت الأمور قد اختلفت الآن أم لا.
فقد بدأ البنك نشاطه بالإقراض أساسا لتمويل عمليات إعادة إعمار ما دمرته الحرب في الدول الصناعية، بالإضافة إلى مشروعات البنية الأساسية في الدول النامية. كما بدأ الصندوق نشاطه كداعم قوي لنظام أسعار الصرف الثابتة الذي أسفرت عنه اتفاقات بريتون وودز، موجها دعمه للدول التي تعاني من صعوبات مؤقتة في موازين مدفوعاتها للتغلب على القيود التجارية المدمرة. وكان إقراض البنك طويل الأجل وهيكلي، أما الصندوق فكان إقراضه قصير الأجل وعلى المستوى الاقتصادي الكلي.
وبدأ دور المؤسستين في التقارب في منتصف السبعينات، حينما أدت المنافسة فيما بين البنوك التجارية في توفير الأموال اللازمة للاقتراض والالتزام بتطبيق أسعار الصرف الثابتة إلى عدم حاجة الدول الصناعية لمزيد من الاقتراض من الصندوق. وخلال سنوات قليلة اتجه نشاط المؤسستين إلى وجهة أخرى بقيامهما بإقراض الدول النامية التي وقعت في أزمة الديون الدولية.
وعند هذه النقطة كان من الواضح أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي والإصلاح الهيكلي للأسواق والمؤسسات يمثل شيئا متكاملا. ولكن بدلا من التخصص في مجالات الخبرة التي انفردت كل مؤسسة بها، تجاوزت كل منهما مجال اختصاص الأخرى. ووصل الصراع للذروة في عام 1988 حينما أعلن البنك عن توفير قرض للأرجنتين بقيمة 1.25 مليار دولار في الوقت الذي علق فيه الصندوق الدعم المالي لها. وبعد نزاع حاد وتعليمات صارمة من الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى لحفزهما على العمل سويا، توصل البنك والصندوق لمعاهدة سلام بينهما عُرفت باسم " الميثاق ".
وأدى هذا لحدوث انقسام في الوظائف بين المؤسستين، فحصل الصندوق على المسئولية الأساسية " فيما يتعلق بالرقابة وأمور أسعار الصرف وميزان المدفوعات وسياسات التثبيت الموجهة للنمو والأدوات التي تكفل تحقيق ذلك ". وتمثلت المسئولية الأساسية للبنك في " صياغة برامج وأولويات للتنمية وضمان ملاءمتها ".
والمشكلة هي أن الأزمة الآسيوية قد أدت لعدم الالتزام بهذه التسوية. ومع اتساع نطاق وعمق الأزمة المالية العالمية، تعالت المطالبات في بعض الأرجاء من أجل عقد مؤتمر جديد في بريتون وودز لإعادة بناء النظام النقدي العالمي واقتراح أساس جديد للنظام المالي العالمي. ومن المحتم أن توضع علاقة الصندوق مع البنك الدولي تحت مزيد من التدقيق. فقد كان عليهما العمل عن قرب لحل الأزمات الآسيوية. وطُلب من البنك تمويل بعض المساعدات اللازمة لتوفير السيولة قصيرة الأجل التي قد يتوقع من الصندوق أن يتيحها.
وتسببت المؤسستان في حدوث جو من التوتر. واقترح بعض المراقبين دمجا جزئيا للمؤسستين. وتمادت هذه النداءات حتى وصلت إلى المناداة بإلغاء إحدى هاتين المؤسستين. وكاستجابة لذلك، توصل الصندوق والبنك إلى ميثاق معدل سيحاولان الحصول على الموافقة على إبرامه. وفي اجتماع المؤسستين الذي انعقد في أوائل عام 1999 اقترحت المملكة المتحدة إنشاء إدارة مشتركة تكون مسئولة عن الإشراف على القطاعات المالية وإصلاحها.
ويعد الشكل الحالي للبنيان المالي الدولي ناجما عن مصادفات التاريخ، مع إضافة عوامل جديدة بمرور الوقت استجابة للضغوط قصيرة الأجل التي تطرأ على هذا البنيان. ولعل من الأفضل الاعتقاد بإمكانية أن ينقلب النظام الحالي رأسا على عقب ليقام مكانه نظاما أكثر تخطيطا وتلاحما. ويعد هذا هو ما يحب المصرفيون الذين يدعون لعقد مؤتمر ثانٍ في بريتون وودز أن يروه.
ويجب أن يتم تغيير الطريقة التي يتفاعل بها صندوق النقد الدولي مع الأزمات. فلم يكن علاجه التقليدي – الذي يتمثل في حقن محدود للأموال يصاحبه تحديد أهداف اقتصادية صارمة لاستعادة الثقة – ملائما لآسيا، التي كانت مشكلتها بصفة رئيسية هي تزايد ديون القطاع الخاص. وقد تم استخدام الكثير من أموال صندوق النقد الدولي للمساعدة في نجاة الدائنين الأجانب. وساهم تدافع البنوك والشركات الآسيوية على حيازة النقد الأجنبي في حدوث مزيد من تدهور أسعار الصرف، الأمر الذي أدى لزيادة قيمة ديون هذه البنوك والشركات بالإضافة إلى إطالة أمد الدائرة المفرغة التي تدور فيها.
ويجب أن تكون إحدى الأولويات الطارئة المطروحة على أعضاء صندوق النقد الدولي هي إقامة نظام دولي لإعادة هيكلة الديون في أوقات الأزمة، وهو الاقتراح الذي قدمته وزارة المالية الكندية. ويجب على الصندوق أن يقبل بفكرة أن يكون التوقف عن السداد أمرا عاديا في حالة الأزمات، كما يجب أن يكون معدا للقبول بمبدأ التوقف التام عن دفع الديون. وفي هذه الحالة، لابد من توافر إجراء مقبول لجلب الدائنين إلى مائدة المفاوضات.
وأذعن صندوق النقد الدولي للرأي القائل بأن وصف السياسات مبكرا قد يكون أمرا حازما للغاية، ولكنه يجزم بفعالية الدواء الذي يقدمه. وبرر صندوق النقد الدولي إصراره على ضرورة إتباع سياسات كلية صارمة بالإشارة إلى وجوب احتواء انخفاضات العملة في الاقتصادات التي تستورد كثيرا من استهلاكها والتي يكون على البنوك والشركات فيها ديونا كبيرة بالدولار. فيجب أن يكون الهدف المبتغى من السياسة المتبعة هو تهدئة أحوال السوق. ولكن حيث يمكن إرجاع بعض أسباب الأزمة للعوامل الداخلية، فلن تكفي السياسات الاقتصادية الدقيقة في استعادة الثقة في الأسواق.
ويشكل كل ما سبق أساسا قويا للمطالبات الكثيرة بإعادة صياغة دور صندوق النقد الدولي. ذلك أن مصداقية الصندوق تراجعت للخلف كثيرا خلال الأعوام الماضية، لدرجة أن صناع السياسات لديهم الحق في التردد أمام الاقتراحات التي تنادي بزيادة سلطاته وموارده. ويقتنع رئيس الوزراء البريطاني بفكرة إنشاء هيئة مالية عالمية جديدة، من الممكن أن تقوم على نفس أسس بنك التسويات الدولية في بازل، وتقوم بتنسيق النظام المالي، والإشراف على صندوق النقد والبنك الدوليين. ويدافع البعض عن إنشاء بنك مركزي عالمي، يقوم بالإشراف على البنوك والمؤسسات المالية في أنحاء العالم، كما يقوم بضخ الموارد في المؤسسات التي تتعرض للازمات من خطوط الائتمان التي توفرها البنوك المركزية الأخرى. كما يعتقد بعض صانعي السياسات بوجود مبرر لإعادة الروح في حقوق السحب الخاصة، وهي العملة الاصطناعية لصندوق النقد الدولي.
ولكن إذا كان البنيان المالي الدولي بصدد إعادة صياغته، فمن الأكثر احتمالا أن يتضمن ذلك إجراء التغييرات الهيكلية على بعض المؤسسات القائمة بدلا من إقامة صرح جديد فخيم. ويظل صندوق النقد الدولي من أفضل المرشحين للقيام بمهمة الضابط للنظام المالي العالمي والذي يضع الحلول لاختلالاته. ولكن قد يكون عليه أن يدفع ثمنا لذلك بإجراء بعض الإصلاحات الداخلية والتي قد تتضمن تغيير قيادته. ويقوم الصندوق بالفعل بزيادة شفافيته الخاصة – على سبيل المثال عن طريق إلقاء مزيد من الضوء على أعمال مجلسه التنفيذي – ولكن سيطالب المراقبون بالمضي قدما في هذا الاتجاه بأكثر من ذلك.
ومن المحتمل كذلك أن تركز الضغوط من أجل الإصلاح على الطريقة التي يتفاعل بها الصندوق مع المؤسسات الأخرى. وقد أصبح الصندوق خبيرا في توجيه أمواله لتضميد الجراح حينما توجد مشكلات بصدد الحل، مستغلا خبرته في التحرك بسرعة أكبر من أي من نظرائه. وقد حدث هذا – على سبيل المثال – حينما تباطأت لجنة بازل في الاستجابة للمطالبات بوضع معايير دولية جديدة للنظام المصرفي، وحينما تباطأ البنك الدولي في اقتراح الإصلاحات الهيكلية للنظم المالية الخاصة بدول الأزمة في آسيا.
وقد جزعت كلتا المؤسستان من هذه المقترحات. وبدلا من ذلك فسوف تقوم المؤسستان بإعادة صياغة " الاتفاقية " التي تم التوصل إليها بعد الأزمة الاقتصادية التي حدثت في عام 1989، والتي حددت المسئولية الخاصة لكل مؤسسة منهما والوسيلة التي يجب تسوية المنازعات بهاز ولكن ينظر بعض أعضاء مجلسي إدارتيهما إلى هذه " الاتفاقية " على أنها اتفاقية مناسبة سوف تسفر عن إجراء الإصلاح الجذري المفروض عليهما. وسوف يدرس البنك ذلك بعناية خاصة. وقد قام البنك الدولي بإعادة رسم صورته خلال العامين الماضيين كمؤسسة تنموية طويلة الأجل تركز على تقليل الفقر في العالم، وذلك بعد أن كان يُنظر إليه طويلا على أنه اقل خبرة وفعالية من صندوق النقد. ولكن إذا تم الإجماع على الضغط من أجل إعادة تنظيم الصندوق على نحو جذري، فلن يمكن للبنك توقع مرور ذلك بدون أن يناله شيئا من هذه الإصلاحات أيضا.
ولكن ماذا يجب أن يتم عمله مع صندوق النقد نفسه؟ إن صندوق النقد والبنك الدوليين بحاجة للموافقة على شكل آخر للتعاون بصورة أكثر تقاربا أثناء الأزمات. كما يجب أن يجعل الصندوق برامجه شفافة، وأن ينفتح على التدقيق الخارجي، وأن يربط مساعداته بوضوح أكثر بالسياسات الماضية في البلد.
وبالرغم من ذلك، فلن تكون هذه القرارات المؤسسية بديلة للإصلاحات الجوهرية المطلوبة، فهي يمكن أن تساعد فقط على تنفيذها. وقد تركز محاولات صندوق النقد والبنك الدوليين للإصلاح بدرجة أكبر على الأمور الداخلية، إذا علمنا مدى الصعوبة في الاتفاق على أي شيء يعادل في تعقيده أمر إعادة هيكلة الديون.
وقد تجعل هذه الإصلاحات من الأزمات أمرا أقل احتمالا وأقل دمارا، ولكنها لن تمنعها من الحدوث. ومع وجود نظام مالي دولي ينطوي على المخاطر في طياته، تحتاج الدول أن تتجه بشكل أكبر للأسواق، وأن تكون أكثر تنظيما وأكثر حساسية للبقاء سالمة. فالنظام الحالي لا يمكنه ضمان السلامة لأية دولة تخلو من هذه المعايير.
وإحدى المشكلات التي كشفت عنها الأحداث في آسيا هي عدم وجود موارد لدى الصندوق لإنقاذ الدول من الأزمات التي تشمل تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال للخارج. ومن الأمور المطروحة بحث اقتراح زيادة رؤوس أموال الصندوق.
ووجد البنك نفسه مرغما على إقراض 8.4 مليار دولار للمساعدة في دعم السيولة قصيرة الأجل، بالرغم من وقوع ذلك خارج نطاق التفويض التقليدي للبنك، وذلك كإجراء لإيقاف الفجوة بين الصندوق والبنك. وتأتي النداءات لعمل ذلك من الصندوق والدول الصناعية الكبيرة وبالأخص الولايات المتحدة.
وقد حذر البنك – في محاولة منه لتقليل هذه المطالبات – من أنه قد يحتاج لزيادة رأسماله إذا أُجبر على الاستمرار في هذا الإقراض. وبعد أن أعاد البنك تسوية أوضاعه كمؤسسة تنموية طويلة الأجل، وتحمل مقابل ذلك تكاليف باهظة للغاية، لا يرغب البنك أن يورط نفسه في إدارة أزمة قصيرة الأجل.
لقد عكس تقارب أنشطة البنك والصندوق خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية الاعتراف المتبادل بأن استعادة النمو تتطلب ضرورة حدوث استقرار اقتصادي كلي وإصلاح هيكلي. وكانت سرعة الصندوق في تصميم برامج التثبيت موضع فخاره الدائم. والآن يتزايد الجدال بأنه بالنظر إلى المشكلات الهيكلية التي أفرزتها الأزمات الآسيوية، فينبغي تطبيق الحلول الهيكلية بالسرعة الكافية.
ومع وضع المؤسستين تحت مزيد من الفحص الآن أكثر من أي وقت مضى، فمن المحتمل أن يبحث المساهمون حاليا – وبالأخص كبرى الدول الصناعية – عن شيء جوهري بدرجة أكبر وذلك بدلا مما تم عمله حتى الآن.
 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية