اطبع هذه الصفحة


الزراعة خارج الحدود!!

محمد حسن يوسف

 
لا يمكن لحقول الحبوب أن تتحرك خارج أوطانها، فلا يمكن اقتطاعها من مكانها الأصلي الكائن في جنوب البرازيل على سبيل المثال لكي تتم زراعتها في صحراء إحدى البلدان الأخرى!! وفي ظل تفاقم أزمة الغذاء على النطاق العالمي في الوقت الراهن، فقد بدأت الدول الفقيرة في توفير الغذاء لسكانها في التفكير في استئجار أو شراء أجزاء من أراضي بعض الدول التي تساعدها ظروفها المناخية على الزراعة. ولكن يجب ألا تتسبب تلك الخطط الكثيرة من الدول الفقيرة في الطعام لشراء الأراضي الزراعية خارج أراضيها في إثارة الثائرات بسبب المخاوف من أن الأجانب سوف يسرقون جميع الطعام، طالما أن الدول المضيفة تحتفظ بسيادتها لإدارة تلك الأراضي بأية قوانين أو ضرائب أو إجراءات تراها مناسبة لها.

وتفكر الصين – حيث يقع الاكتفاء الذاتي في الطعام تحت الضغوط نظرا لاستهلاك السكان الأكثر ثراء للحوم – فيما إذا كانت ستؤيد حيازة أراضي زراعية خارج نطاق حدودها، في أماكن مثل إفريقيا وأمريكا الجنوبية، كسياسة حكومية رسمية. وتقوم مجموعة استثمارية خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة بشراء أراضٍ في باكستان بدعم من الحكومة، في حين تنظر الدول الأخرى التي تتمتع بالثراء في الموارد وبالفقر في الطعام – مثل الدول المصدرة للبترول كالمملكة السعودية وليبيا – إلى الخارج لتأمين حاجتها من الإمدادات الغذائية.

ويجب ألا يشكل الاستثمار الأجنبي في الأراضي الزراعية أية مشكلة. وعلى سبيل المثال، فقد أظهرت إحدى التقديرات الحديثة أن 15% من جميع المشتريات للأراضي الزراعية في المملكة المتحدة تتم من خلال المستثمرين الأجانب. وتشكل الأراضي الزراعية أصولا ثابتة، وذلك بدرجة أكبر من محطات الطاقة أو المصانع الإنتاجية، والتي تسببت في حدوث بعض العوائق أمام الاستثمار الأجنبي في السنوات الحديثة. فالمستثمرون الأجانب يأتون برؤوس الأموال والخبرة والأسواق، وهذا في حد ذاته شيئا جيدا، خاصة من منظور الفكر الرأسمالي السائد حاليا.

والاستثناء الوحيد من ذلك هو إذا ما تحول الاستثمار في الزراعة لكي يشكل نوعا من أنواع الامبريالية! وهذا الإجراء له شواهد غير مريحة في التاريخ، من زراعة المحاصيل الزراعية لخدمة مصالح الإمبراطوريات الأوربية، إلى الانقلاب الذي تم في عام 1954 في جواتيمالا، والذي كان لوكالة المخابرات الأمريكية يد ضالعة فيه، على الأقل جزئيا لخدمة مصلحة الشركة المتحدة لإنتاج الفواكه. كما يمكن أن تعاني الدول النامية إذا ما أُنتجت المحاصيل النقدية كثيفة الاستخدام لرأس المال على حساب الأغذية كثيفة الاستخدام للعمل، بما يشكل إهدارا لقوة العمل بها.

ويجب أن يكون المبدأ الحاكم هو السيادة. فبشرط أن يظل الاستثمار الدولي في الزراعة في قبضة الدول المضيفة مثل إفريقيا وأمريكا الجنوبية، فحينئذ يمكن أن يعمل رأس المال الأجنبي في صالحها. ويمكن للحكومات ذات السيادة استخدام التعريفات والحصص لمنع الطعام من التصدير للخارج أو الخروج من أراضيها، إذا رأت ضرورة في هذه الإجراءات، وذلك بغض النظر عمن يملك الأرض!! كما يمكن للحكومة ذات السيادة أن تصر على تخصيص حيازات صغيرة لصغار الفلاحين، على غرار السياسة المتبعة في الاتحاد الأوربي، والتي تدفع حكومة الدولة بمقتضاها مبالغ من المال للمزارعين لكي يتركوا أجزاء من حقولهم خالية بلا زراعة، وذلك بهدف تجنب إنتاج كميات كبيرة من المحصول المزروع للحفاظ على سعره مرتفعا.

ومن المحتمل أن تتدخل منظمة التجارة الدولية بفرض قواعد جديدة تحكم هذه العملية الجديدة، ولذا فيجب على الدول المعنية تحديد مصالحها جيدا قبل الدخول في أية مفاوضات بهذا الشأن. على أنه من المرجح للاستثمار الزراعي عبر الحدود أن يستمر، طالما أن ملكية الأرض لا تعادل السيطرة على الطعام!! وفي عالم تحكمه ندرة الموارد، تتزايد المخاطر من قيام الدول القوية باستخدام سياسات أجنبية معادية يكون من شأنها تأمين إمدادات الغذاء لنفسها واستبعاد المنافسين، ولكن هذا الخطر لم يحدث بعد حتى الآن!!

9 من جمادى الأولى عام 1429 من الهجرة ( الموافق 14 من مايو عام 2008 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية