اطبع هذه الصفحة


تقييم تجارب التنمية في الشرق الأوسط

محمد حسن يوسف

 
تاريخيا، نجد أن الاهتمام بالتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جاء مبكرا، منذ نشأة الأمم المتحدة وظهورها إلى الوجود. فقد بدأ عقد التنمية الأول اعتبارا من الستينات من القرن الماضي، وإن كان البعض يعود به إلى الخمسينات من ذلك القرن، مع بدء العمل ببرنامج الرئيس الأمريكي ترومان وتنفيذ خطة كولومبو.
إن المتتبع لبرامج التنمية في دول هذه المنطقة يلاحظ عليها نمطا عاما تميزت به: فقد غلب نمط " إحلال الواردات " على معظم البرامج التنموية المختلفة التي ساد العمل بها خلال الفترة من حقبة الخمسينات وحتى حقبة السبعينات، حيث كان الهدف الأساسي من برامج التنمية هو حماية الصناعة الوليدة. ولذا فقد غلبت النزعة الحمائية على معاملات دول تلك المنطقة مع العالم الخارجي. وانتهت تلك الفترة بأزمات طاحنة في جانب النقد الأجنبي، حيث قل المتوافر من احتياطيات تلك الدول من العملات الأجنبية.
ثم جاءت بعد ذلك حقبتي الثمانينات والتسعينات، بفكر تنموي جديد، تمثل أساسا في اعتماد العمل بإستراتيجية " تشجيع الصادرات ". وتوافقت هذه الإستراتيجية مع قبول معظم دول المنطقة بسياسات الإصلاح الهيكلي التي أوصى بها كل من صندوق النقد والبنك الدوليين. ولذا فقد كانت النزعة الغالبة خلال تلك الفترة هي الانفتاح على العالم الخارجي والاندماج فيه.
الغريب في الأمر، أنه رغم طول تلك الفترة، إلا أننا نجد عدم نجاح أية دولة واحدة في تحقيق أي نجاح حقيقي في برامج التنمية التي اتبعتها، وإن كانت هناك بعض النجاحات فهي مجرد نجاحات جزئية لا تكاد تذكر، ولذلك فلم تنتقل أية دولة من دول تلك المنطقة من مجموعة الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة!! فما هو السبب وراء ذلك الأمر؟!!

في الواقع يمكن إيجاد عدة أسباب قد تقف وراء تحقق هذه الظاهرة، مجتمعة أو منفردة، على ما يلي:

أولا: كانت برامج التنمية التي تبنتها معظم دول المنطقة مفروضة من الخارج، وبصفة خاصة خلال الفترة الثانية ( الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ). ولذلك فلم تتناسب هذه السياسات مع البيئة الداخلية لكل دولة من دول المنطقة على حدة. يعد هذا السبب وجيها، ويعضده ما نراه قد تحقق من نجاح مشروع مارشال في إعادة إعمار دول أوربا المنكوبة بعد الحرب العالمية الثانية، وفشل هذا البرنامج حينما جرت محاولات تطبيقه في مناطق أخرى من العالم.

ثانيا: نجد أن الصفة الغالبة على تلك السياسات أيضا هو محاولة فرضها من أعلى لأسفل، بحيث لم تشارك الشعوب أبدا في صياغتها، بل الذي وضعها هو النخب الحاكمة! ومن المعلوم أن عدم اشتراك الفرد في صياغة السياسة التي ينبغي إتباعها، يؤدي به إلى التهاون في تنفيذها – فهو لم يشعر بأن هذه السياسة تنبع من داخله، وبالتالي فلا يكترث كثيرا بنجاحها أو إخفاقها!!!

ثالثا: بدأت هذه السياسات بالإصلاح السياسي جنبا إلى جنب مع الإصلاح الاقتصادي. لكن التجربة أثبتت فداحة الثمن الذي على النخب الحاكمة أن تدفعه من جراء إتمام الإصلاح السياسي، فكان أن تخلت عنه، وأولت جُل اهتمامها للإصلاح الاقتصادي فحسب. وقد ثبت بالتجربة أن عدم اقتران الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح السياسي يؤدي إلى عدم حدوث الإصلاح الاقتصادي أصلا، ويظل الأمر مجرد شعارات جوفاء لا تنتج عنها أي حقائق على أرض الواقع. فما لم يكن هناك تطبيق كامل لمعايير المساءلة والشفافية والحوكمة، وما لم تقم الحكومات بتطبيق تلك المعايير على أعضائها أولا، فلن يكون هناك أي أمل من تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي. وإذا تحقق ذلك، فلن يعدو الأمر عن كونه مجرد خبط عشواء، لا يعطي الأمل بالاستمرارية والبقاء.

رابعا: يتصل بهذا السبب مباشرة عدم وضوح الرؤية لدى الحكومات المتعاقبة من الهدف من عمليات التنمية. فمن المعلوم أن أية حكومة تسعى لتنفيذ السياسات قصيرة الأجل، حيث يكون مطلوبا منها انجاز الأعمال الطارئة وعدم تفاقم المشاكل عند حدوثها. وما لم يكن هناك أهداف طويلة الأجل قد حددها المجتمع، ويراقب تنفيذها من الحكومات الموجودة في ظل ترسيخ مبادئ المساءلة، فلن تُقدم أية حكومة على تنفيذ تلك السياسات!!

خامسا: لم تُعطِ هذه السياسات المتبعة أدنى اهتمام بالإصلاح المؤسسي، بالرغم من كونه عنصرا حاسما في تحقيق الإصلاح الاقتصادي. فكيف يناط بأجهزة مؤسسية رثة ومفككة قيادة عملية الإصلاح الاقتصادي وتحقيق الرفاهية للشعوب؟!!
وهكذا نجد أن السياسات التنموية لم تؤتِ ثمارها المرجوة منها في دول تلك المنطقة، والأمل كبير في أن تأخذ الحكومات تلك الأمور في الاعتبار عند محاولة تطبيق سياسات تنموية جديدة!!

14 من جمادى الآخرة عام 1429 من الهجرة ( الموافق 18 من يونيو عام 2008 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية