اطبع هذه الصفحة


التغيير القادم من البيت الأبيض!

محمد حسن يوسف
بنك الاستثمار القومي

 
جاء انتخاب باراك أوباما ليصبح الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية بمثابة طوق أمل كبير للشعب الأمريكي. فباختيار أوباما ومعه كونجرس ذو أغلبية ديمقراطية قوية سوف تساعده بقوة على تحقيق أفكاره، وضع الأمريكيون نهاية حاسمة لمرحلة تصاعدت فيها ثلاث خرافات واحتلت مكان الصدارة:
* إعادة صياغة دور الحكومة: حيث سادت الفكرة التي مفادها أن بالإمكان قيادة دفة الحكم بنجاح ساحق في الوقت الذي تتخلى فيه الحكومة تماما عن دورها، بحيث يقتصر على توفير خدمات توفير الأمن والعدالة وحسب للمواطنين! وقد شرحنا هذه الفكرة باستفاضة في مقالنا [ إعادة صياغة دور الحكومات: كيف تقوم المبادرات التنظيمية بإعادة تشكيل القطاع العام ].
* الالتزام الحرفي بالأيديولوجيات: حيث كان سائدا أنه من الواجب إطلاق " يد " الأسواق لكي تنظم عملها بنفسها، وأن رأسمالية السوق يمكن أن تنجح بدون وجود حكومة قوية تنظم عملها، بهدف تحقيق الصالح العام وإعادة توزيع الدخل القومي بهدف ضمان تحقيق أكبر قدر من العدالة. وهو الأمر الذي ثبت فشله أمام حدوث أسوا أزمة مالية شهدها العالم في تاريخه، وهي الأزمة المالية التي يمر بها العالم الآن.
* أن النعرات العنصرية هي العنصر الحاسم في آخر الأمر: وأن لها اليد الطولى في تحديد الاختيارات وأنها سببا رئيسيا لاختيار القيادات وتحديد الكفاءات!!
وهكذا تغيرت الأمور ... فهذا هو جوهر التغيير الذي كان ينادي به باراك أوباما طوال فترة حملته الانتخابية، وهو أيضا الذي تحدث في أول تصريح له عقب إعلان فوزه بالرئاسة! لم يهتم الأمريكيون كثيرا أمام الاعتبارات الأيديولوجية، بل كان الاختيار هو ما فيه تحقيق المصلحة العامة. هذا هو ما عبر باراك أوباما في معرض تعليقه على اتهام جون ماكين له بأنه " اشتراكي "، ردا على دعوة أوباما " بإعادة توزيع الثروة "! فكان رد أوباما على ذلك هو أن الغالبية العظمى ترغب في إعادة توزيع الثروة إذا كان ذلك يعني توافر مظلة التأمين الصحي والمعاشات ووجود فرص حقيقية في الجامعات للجميع. كما أن الغالبية العظمى ترغب أيضا في قيام الأغنياء بتحمل نصيب أكبر نسبيا من أعباء الضرائب لتمويل كل هذه الأمور.
لقد كان في اعتقاد جون ماكين وسارة بالين أن التلاعب بالألفاظ ذات الطابع الأيديولوجي سوف يجدي في حسم المعركة لمصلحتهما في آخر الأمر! وكانت تحذيراتهما للناخبين من التورط في التصويت لصالح " تيار يمضي باتجاه أقصى يسار السياسة الأمريكية "، أو من فوز " الجناح اليساري للحزب الديمقراطي ". ولكن بدا كل ذلك وكأنها أشياء عفّا عليها الزمن!! فلم يعد التمسك بالشعارات يجدي في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها العالم اليوم، بل إن ما يهم الجميع الآن هو تحقيق " الصالح العام وحسب "!!
وإذا كانت آراء أوباما في هذا الصدد يمكن نعتها بالاشتراكية أو اليسارية، فما الذي يمكن أن نطلقه على ما فعلته إدارة جورج دبليو بوش ( بوش الابن ) للخروج من الأزمة الطاحنة التي ورّطت الولايات المتحدة فيها العالم الآن؟!!
ويرى المراقبون أنه منذ عام 1980 والديمقراطيون يحيطون أنفسهم بسياج من الحذر خوفا من الوقوع فريسة لنيران تيار المحافظين!! على أن أوباما في هذه المرة لم يلتزم هذا النهج، بل أعلن وبصراحة رفضه لفكرة أن الأمريكيين يختارون ما بين حكومة " أكثر " أو " أقل "، أو ما بين حكومة " كبيرة " أو " صغيرة "!! لذلك كان الأمر واضحا حين قال: " يجب أن تعمل حكومتنا لصالحنا، وليس ضدنا!! يجب أن تقوم حكومتنا بمساعدتنا، لا أن تسعى على إلحاق الضرر بنا "!!
هذه مجرد قراءة أولية في الرسائل الرئيسية التي بعث بها انتخاب باراك أوباما إلى العالم! فنحن مقبلون على مرحلة جديدة سوف تنحسر فيها أفكار المحافظين المتشددة، وتعود فيها الأفكار المعتدلة التي يسمح فيها للدولة بالقيام بالدور المنوط بها، وأن يعود الأمل فيها للفئات المهمشة بأن تأخذ حقوقها في حياة كريمة. فهل سيتحقق ذلك، أم سيكون الأمر مجرد أحلام ليل سرعان ما يأتي نهار الواقع ليقضي عليها؟ّ!!

mohd_youssef@aucegypt.edu

7 من ذي القعدة عام 1429 من الهجرة ( الموافق 5 من نوفمبر عام 2008 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية