اطبع هذه الصفحة


بريتون وودز جديدة: احتمالات النجاح والفشل

محمد حسن يوسف

 
وصلت الأزمة المالية العالمية الحالية إلى النقطة التي دعا فيها بعض الزعماء الطموحين إلى التحضير لعقد مؤتمر " بريتون وودز جديد "!! فما هي الأسباب التي تقف وراء هذه الدعوة؟ وفقا لما كتبه مارتن وولف Martin Wolf في مقاله الاسبوعي بجريدة الفاينانشيال تايمز Financial Times (5/11/2008)، فإن الحاجة لانعقاد مثل هذا المؤتمر تنبع من عدة أسباب:
أولا: استحكمت حلقات الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي، والتي جاءت إليه من الولايات المتحدة، التي كانت ولازالت أكبر قوة مالية في العالم. وإذا كان الكساد العظيم الذي ضرب العالم في ثلاثينيات القرن الماضي قد صاحبه – بل وأدى إلى استفحاله – فشل دول العالم في إقامة نوع ما من التعاون الاقتصادي فيما بينها في ذلك الوقت لحل الأزمة التي تمسك بخناقها، فإن العالم لا يريد تكرار هذه التجربة. لقد قاد الكساد الكبير إلى حدوث ثورة في الفكر الاقتصادي السائد آنذاك. وكان الهدف المعلن في مفاوضات بريتون وودز في ذلك الوقت هو " عدم تكرار ذلك الأمر ثانية " Never Again. وإذا كان العالم يمر الآن بأسوأ أزمة مالية تحدث له منذ ذلك الوقت، فإن هذا يعطي المبرر لدول العالم لإقامة مؤتمر آخر على غراره الآن.
ثانيا: ليس من الضروري الانتظار إلى أن تسكن العاصفة حتى نعيد التفكير من جديد في أمر انعقاد مثل هذا المؤتمر. فقد انعقد مؤتمر بريتون وودز في يوليو 1944، حين كانت الحرب العالمية الثانية مازالت مشتعلة لم تضع أوزارها بعد. فإذا كان بقدرة قادة العالم في ذلك الوقت خوض غمار الحرب وإعادة تصميم الاقتصاد العالمي في نفس الوقت، فإن بقدرتنا الآن النضال ضد هذه الأزمة الطارئة وإعادة صياغة شكل ودور المؤسسات الاقتصادية العالمية في نفس الوقت أيضا.
ثالثا: يمر النظام المالي العالمي اليوم بمرحلة اختلال وظيفي dysfunction! وتتضمن أجندة الإصلاح المقترحة الحفاظ على النظام الحر والمفتوح للاقتصاد العالمي الذي يوفر الفرص العديدة لأعضائه. وتتضمن هذه الأجندة أيضا تواصل التعاون فيما بين البلاد وبعضها. وفي هذا الصدد يجب التأكيد على الدول التي تعنى بشئونها الداخلية وتشجع كل ما هو محلي وتنفر من كل ما هو أجنبي!
رابعا: إن ما يحدث الآن يقع في إطار التقاطع بين الاقتصاد الكلي العالمي ( النقود وأسعار الصرف وموازين المدفوعات ) والتمويل الدولي ( تدفقات رؤوس الأموال والهشاشة المالية والعدوى المالية ). ويظل التعاون أمرا حاسما في هذا الصدد. ووفقا لتصريحات البنك الدولي في هذا الصدد: " يجب العمل على تحديث التعددية والأسواق لمواجهة التغيرات الطارئة في الاقتصاد العالمي ".
قد يكون ما دفعه مارتن وولف من أسباب لانعقاد المؤتمر صحيحا من وجهة نظره. ولكن كل هذه الأمور قد لا تضمن للمؤتمر نجاحه – إذا انعقد!! وذلك أن العالم حين ذهب إلى بريتون وودز في الثلاثينات من القرن الماضي، كان هناك إطار نظري أو نظرية اقتصادية عمل الجميع على إرساء قواعدها! فقد كان جون مينارد كينز قد توصل إلى الحل النظري للأزمة الطارئة في ذلك الوقت، ووضع أسس التعامل معها، ولم يكن متبقيا إلا كيفية تنفيذها فقط. أما في أزمة اليوم، فعلى العكس، لم يتوافر بعد هذا الإطار النظري الذي يمكّن العالم من الخروج منها! ولذلك فإن انعقاد مثل هذا المؤتمر سيضع الحاضرون أمام أحد اختيارين:
• إما تبني العمل بنفس أفكار كينز التي قدمها للعالم في ثلاثينيات القرن الماضي، على الرغم من كونها قد لا تكون مناسبة تماما في هذا الوقت، لاختلاف أسباب الأزمة في كل من المرحلتين!
• وإما عدم الاتفاق على أي شيء على الإطلاق!
كذلك فإنه مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها وقت انعقاد المؤتمر الماضي، كانت ملامح القوة العسكرية والاقتصادية بين دول العالم قد تشكلت ووضحت معالمها! فقد آلت زعامة العالم في هذا الوقت إلى الولايات المتحدة الأمريكية!! وقد وضح ذلك جليا فيما أسفر عنه المؤتمر من نتائج: فقد قامت كل من وزارة الخزانة البريطانية برئاسة جون مينارد كينز، ووزارة الخزانة الأمريكية برئاسة هاري وايت، بإعداد مقترحات للنظام الجديد، وذلك في الفترة التي سبقت انعقاد اجتماعات بريتون وودز. وقد تشابه كلا المشروعين في المبادئ العامة بدرجة ملحوظة، وذلك بالرغم من وجود بعض الاختلافات الجوهرية. وفي آخر الأمر توصل كل من الوفدين البريطاني والأمريكي إلى حل وسط، والذي انحاز بالرغم من ذلك إلى الأفكار الأمريكية بدرجة أكبر عن الأفكار البريطانية. وقد أُُعلن ذلك فيما بعد في المؤتمر وتمت الموافقة عليه.
أما الآن، فإنه على الرغم من قوة الأزمة وشدة وطأتها على الاقتصاد الأمريكي، إلا أن الولايات المتحدة مازالت متربعة على عرش زعامة العالم! صحيح أن هناك محاولات حثيثة من جانب نيكولاي ساركوزي رئيس فرنسا لخطف الزعامة منها، إلا أن الأمر ما زال بعيدا عن المنال! كما أن الصين، وبالرغم من قوتها الاقتصادية الصاعدة، إلا أنها ما زالت بعيدة تماما أيضا عن ذلك الأمر! وعلى ذلك فإن محاولة عقد مؤتمر دولي في ذلك الوقت، في ظل أجواء الضباب التي تحيط بمركز القيادة العالمية، قد لا تضمن له تحقيق أي نجاح على الإطلاق!
ومن شديد الأسف أن الاقتراح الذي يقدمه روبرت زوليك Robert Zoellick، رئيس البنك الدولي، هو زيادة عدد أعضاء مجموعة الدول السبع لكي تصير مجموعة الدول الأربعة عشرة، بحيث تنضم إليها كل من روسيا والصين والهند والبرازيل والمكسيك والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا. وبذلك لا نجد مصر من بين الدول المقترح إدراجها في المجموعة، على الرغم من زيارة الرئيس المصري حسني مبارك لفرنسا والمباحثات التي أجراها مع نظيره الفرنسي ساركوزي، باعتباره رئيسا للاتحاد الأوربي في دورته الحالية، بشأن تعضيد طلب مصر في ذلك الأمر.
وآخر الاعتراضات التي تنصب على هذا المؤتمر، هو ما تطلبه الدول المتقدمة من ضرورة تعاون جميع دول العالم للخروج من هذه الأزمة! فإذا كانت الدول المتقدمة هي التي تسببت في حدوث الأزمة، ولم تكن تأبه بأي رأي يصدر من جانب الدول النامية، فلماذا يُطلب الآن من الدول النامية مساعدة الدول المتقدمة للخروج من هذه الأزمة؟! وما هو الذنب الذي جنته الدول النامية لكي يُطلب منها تحمل أعباء سياسات الدول المتقدمة؟ وهل لو كان الأمر على عكس ما حدث، بمعنى أنه لو كانت الدول النامية هي التي تسببت في حدوث تلك الأزمة، فهل كانت ستتحمل الدول المتقدمة جزءا من الثمن المطلوب دفعه للخروج منها؟ مجرد سؤال!!

mohd_youssef@aucegypt.edu
11 من ذي القعدة عام 1429 من الهجرة ( الموافق 9 من نوفمبر عام 2008 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية