اطبع هذه الصفحة


إعادة صياغة الرأسمالية!!

محمد حسن يوسف
بنك الاستثمار القومي

 
ما هو التقدم ؟ ظلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تبحث عن إجابة لهذا السؤال فترة من الوقت، ولكن جعلت الأزمة المالية العالمية إيجاد إجابة لهذا السؤال أمرا حتميا! ووفقا لعصر التنوير الأنجلو سكسوني، فإن التقدم يعني تخفيض البؤس وزيادة السعادة. فهو إذن لا يعني خلق الثروة أو الابتكارات، والتي تعتبر أحيانا أدوات مساعدة لتحقيق ذلك، ولكنها ليست أهدافا نهائية في حد ذاتها. لذا يجب على الجميع الآن التوقف عن عبادة المال، والعمل على إيجاد مجتمع أكثر إنسانية، تكون نوعية الخبرات الإنسانية هي المعيار فيه. وإذا ما دفعنا أنفسنا باتجاه التماشي مع إنتاجيتنا، يمكننا اختيار نوعية الحياة الأفضل بالنسبة لنا.
على غرار ما قام به ميخائيل جورباتشوف، الرئيس السوفيتي الأسبق، من فرض الإصلاح على النظام الاشتراكي، فيما أسماه حينئذ " بالبيروسترويكا "، فإن زعماء النظام الرأسمالي يحاولون الآن عمل الشيء نفسه، بتبني إصلاحات جوهرية على هيكل الرأسمالية القائم، حتى تستطيع البقاء على قيد الحياة والتلاؤم مع ما حدث بها من أحداث دامية.
ففي مطلع شهر مارس الماضي، نجد أن نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي، يطالب في كلمة له أمام مجلس الشيوخ المكسيكي بضرورة " تعديل الرأسمالية، وفرض تغييرات اقتصادية ". وأنه " يجب تعديل الرأسمالية حتى تصبح نظاما للمستثمرين وليس للمضاربين". وأضاف: " يجب فرض التغييرات في لندن " في إشارة إلى قمة العشرين التي انعقدت في لندن في مطلع ابريل الحالي.
كما قال ساركوزى في تصريحات أخرى: إن حدة الأزمة وعمقها يتطلبان إدخال تغييرات عميقة، وإعادة صياغة الرأسمالية وإضفاء الطابع الأخلاقي عليها، داعيا الدول الأخرى إلى تبنى مواقف تلبى الطموحات المطلوبة لمواجهة الأزمة.وأعرب ساركوزى عن رفضه لتبنى حلول ومواقف مؤقتة لا ترتقي إلى مستوى الرد المطلوب لمواجهة الأزمة العميقة الراهنة.
ووصف ساركوزي وهم فرض "سياسة واحدة على المستوى العالمي بأنه أمر عبثي"، وقال: "انظروا إلى ما وصل إليه صندوق النقد الدولي رغم جهوده".
وفي السياق نفسه، نجد أن جوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني، يعلن في مقابلة له مع صحيفة الجارديان البريطانية في منتصف شهر مارس الماضي أن الأصولية الاقتصادية التي ظلت سائدة طوال فترة الأربعين عاما الماضية فيما يعرف بإجماع واشنطن، والتي كانت تدعم سياسات حرية الأسواق – هذه العقيدة قد وصلت إلى نهايتها!!
ويمضي براون أبعد من ذلك، بالقول: " إن مفهوم دعه يعمل قد ولى زمانه، وأنه يجب على الشعوب ذات التوجهات اليسارية والتقدمية أن يكون لديها الشجاعة الكافية للإصرار على أن الفكرة القديمة حول كفاءة الأسواق وإمكانية إدارتها للأشياء بمفردها – هذه الفكرة قد ذهبت أدراج الرياح "!!
ومن جهتها، اقترحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنشاء مجلس اقتصادي عالمي إلى جانب مجلس الأمن الدولي، وقالت ميركل: "يمكن أن يكون هناك إلى جانب مجلس الأمن مجلس اقتصادي يقوم بدور آخر غير الذي يقوم به المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، الذي يقضي أشهرا وسنوات لصياغة بعض تقاريره"، كما دعت ميركل إلى وضع "ميثاق لاقتصاد معقول على المدى الطويل" وذلك على غرار ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وأوضحت ميركل أنه "لا يمكن لبلد أن يتخذ وحده القرار اليوم، حتى ولو كان هذا البلد هو الولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها"، بينما قال ساركوزي "لتكن الأمور واضحة فلن يكون هناك في القرن الحادي والعشرين دولة واحدة تملي ما يتعين عمله، وتقول للآخرين "ادفعوا الدين المستحق علينا".
وعلى مستوى المفكرين والمنظرين، فقد أعلن فرانسيس فوكوياما أستاذ الاقتصاد السياسي، والمفكر الأمريكي البارز، الذي ذاعت شهرته خلال السنوات الأخيرة، منذ نشر كتابه عن «نهاية التاريخ» في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي – أعلن أن التجربة قد أثبتت أن هناك مهام معينة لا يمكن أن تتحمل مسئوليتها سوى الحكومة، وذلك في مقال له في مجلة النيوزويك في بدايات حدوث الأزمة في شهر أكتوبر الماضي حول دروس وعبر انهيار الاقتصاد الأمريكي.
كما نجد أن صحيفة الفاينشيال تايمز البريطانية، إحدى الصحف الاقتصادية العريقة وأوسعها انتشارا على مستوى العالم، تبدأ منذ مطلع شهر مارس الماضي في استشراف مستقبل الرأسمالية بعد الأزمة الضارية التي ضربت الأسواق المالية على مستوى العالم، ثم انتقلت إلى بقية القطاعات الاقتصادية في كل دول العالم.
ولتوفير المخرج العلمي من الأزمة الحالية، فقد تم تنظيم العديد من المؤتمرات والندوات التي تبحث في أسباب هذه الأزمة، وذلك على أعلى المستويات السياسية بالإضافة إلى معظم المنتديات العلمية في كل دول العالم تقريبا. ويعلق الجميع آمالا واسعة على قمة العشرين لوضع حد لهذه الأزمة، وبلورة شكل جديد للرأسمالية تتناسب مع معطيات الواقع الذي نعيشه الآن.
هذا المستقبل الجديد للرأسمالية ليس وليد اللحظة الراهنة، بل إنه محل دراسات عميقة من اقتصاديين عديدين منذ عدة سنوات، مثل جوزيف ستيجليتز، الاقتصادي الأمريكي الفائز بجائزة نوبل، حيث بسط في كتابه " إنجاح العولمة " مستقبل الرأسمالية العالمية كما طرح فكرة العملة العالمية التي ستكون أقل تقلبا في قيمتها وأقل مخاطر في استخدامها.
على أن كل هذه الاعترافات لا تعني إفراط المعارضين للرأسمالية في التفاؤل بشأن انتهاء نموذجها أو زواله! فبالرغم من اعتراف الغرب بهذه الحقيقة، بل ومجاهرتهم بها على النحو السابق، إلا أنهم سيقاتلون على استمرار الرأسمالية أيا كانت صورتها! وهذه هي المفارقة الكبيرة في هذا الموضوع.
هذا الأمر تنبأ به من قبل الاقتصادي الكبير فؤاد مرسي، رحمه الله. فقد قال في كتابه " الرأسمالية تجدد نفسها ": أنه إذا كانت قاعدة الرأسمالية قد تقلصت جغرافيا خلال القرن الماضي ( لصالح انتشار المذهب الاشتراكي آنذاك )، فإنها قد أثبتت أنها أكثر قدرة على الحياة مما كان يتصور خصومها، حيث تغلبت على أخطر التناقضات في اللحظة المناسبة. وهكذا نواجه الآن رأسمالية معاصرة تتميز بالاستجابة الحيوية لمقتضيات العصر، استطاعت أن تجدد قواها الإنتاجية وأن تعيد تنظيم علاقاتها الإنتاجية حتى لا تفلت من سيطرتها، كما استطاعت أن تستعيد أكثر مستعمراتها القديمة – رغم استقلالها – أطرافا لمراكز الرأسمالية الرئيسية.
وأيا ما كان الأمر، فإن الشكل الراهن من الرأسمالية الذي يعتمد على جماعية الإنتاج وخصوصية أو فردية الأرباح، والذي تكرس بشدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات من القرن الماضي وحتى وقوع الأزمة، مدعوما بشدة بالسياسات النيوليبرالية من الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ومؤسسات التمويل الدولية – هذا الشكل الراهن قد انتهى ولم يعد له وجود، وسوف يحل محله نموذج آخر لم تتشكل ملامحه بعد، وإن كان سوف يعتمد تماما على قوة الطرف الذي يطرح رؤية التغيير!!
وكما قال توماس كون في كتابه " بنية الثورات العلمية "، فإن التحول المتتالي من أحد النماذج الفكرية paradigm إلى نموذج آخر من خلال الثورة هو طابع التطور المعتاد للعلم الناضج، بمعنى أن أي نموذج يظل سائدا طالما يفسر الواقع من حوله، فإذا فشل في تفسير هذا الواقع، فإن ذلك يؤدي للثورة عليه والبحث عن نموذج آخر لتفسير الواقع الجديد. وهذا هو بالضبط ما حدث لنموذج الرأسمالية المعولمة الذي ظل سائدا منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. فقد فشل هذا النموذج في تفسير الواقع الجديد الذي نشأ بفعل الأزمة المالية العالمية، الأمر الذي يفرض البحث عن نموذج جديد يتم تبنيه خلال المرحلة القادمة. على أن اختيار هذا النموذج الجديد لن يكون بالأمر السهل، بل ستتطلب عملية مخاضه مزيدا من الوقت ومزيدا من الجهد حتى يثبت نفسه ويتبناه الجميع!

mohd_youssef@aucegypt.edu
6 من ربيع الآخر عام 1430 من الهجرة ( الموافق 2 من ابريل عام 2009 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية