اطبع هذه الصفحة


"تاكسي" ... وهموم الفقراء والثقافة في مصر!!

محمد حسن يوسف
بنك الاستثمار القومي

 
يحظى الدكتور جلال أمين بعلم واسع في مجال الاقتصاد، بالإضافة إلى إطلاعه على كافة الأعمال الأدبية أو الفنية، مما يكسبه رؤية ثاقبة في جميع الموضوعات التي يطرقها، للدرجة التي تجعل المرء يبحث عن أية كتابة تظهر له في أية جريدة لكي يقرأها وهو يشعر بسرور وراحة عظيمين، وهو الأمر الذي يؤهله أن نطلق عليه – وهو ما يستحقه بالفعل – " شيخ الاقتصاديين والمثقفين العرب ".
وفي مقاله عن ( الصراع الطبقي والثقافة في مصر ) الذي نشرته جريدة الشروق يوم الأربعاء الماضي ( 25/3/2009 )، أشار إلى عدد من الروايات التي " حققت نجاحا باهرا "، حيث أبرزت " قضية الصراع الطبقي الجديد بنجاح " كبير. وضرب مثلا لذلك: حواديت " تاكسي " لخالد الخميسي. وقد بادرت بشراء الرواية وقرأتها، لأجد نفسي أمام عمل واقعي تماما يصف مشاعر وأحوال شريحة عريضة من المهمشين في المجتمع المصري الآن.

والواقع أن هذه الرواية تعكس ما آلت إليه أحوال المجتمع المصري في أعقاب تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي، والمعروف اختصارا باسم (ERSAP)، والذي وقعته الحكومة المصرية في عام 1991 مع صندوق النقد والبنك الدوليين. وكان من أهم بنود هذا البرنامج:


* تجميد الإنفاق العام أو تقليصه:
وهذا يعني تقليل المخصصات الموجهة للدعم، ليفقد الفقراء بذلك مصدرا هاما كانوا يعتمدون عليه لمواجهة أعباء المعيشة اليومية. وبالرغم من تزايد أرقام الدعم في الموازنات الأخيرة، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس زيادة في الموارد الموجهة للدعم، بل اختلافا في تبويب بنود الموازنة، بحيث أصبح الدعم الموجه للمنتجات البترولية – والذي يشكل معظم قيمة الدعم تقريبا في الوقت الراهن – يظهر في بند ظاهر ومستقل. ومن ناحية أخرى، فإن تجميد الإنفاق العام أو تقليصه يعني كذلك تقليل المخصصات الموجهة إلى أوجه الإنفاق الحكومي الأساسية مثل التعليم والصحة. وبذلك انسدت أمام الفقراء فرص التعليم التي كان من الممكن أن تفتح أمامهم إمكانيات الحراك الاجتماعي لتحسين أوضاعهم والصعود الطبقي في المجتمع، كما تضاءلت فرص تمتعهم بصحة جيدة بعد ارتفاع أسعار العلاج والدواء، مع تخلي الدولة عن توفير ذلك إما مجانا أو بأسعار زهيدة يستطيعون تحملها والتواءم معها.

* تجميد الأجور:
وذلك بسد الروافد لدخول معينين جدد إلى الجهاز الحكومي، وتركه ليصفي نفسه بنفسه. فالحركة في الجهاز الحكومي أصبحت في اتجاه واحد: هو اتجاه الخروج، إما عن طريق المعاش القانوني عند بلوغ سن التقاعد ( أي الستين أو الخامسة والستين في حالات معينة )، أو عن طريق المعاش المبكر بعرض مبلغ مغر ٍ من المال أمام الموظفين لتشجيعهم على إنهاء حياتهم الوظيفية اختياريا.

* تحرير الأسعار:
أي عدم وضع قيود على أسعار السلع والمنتجات. وكانت القيود تتمثل في وضع سقوف معينة لما يمكن أن تصل إليه أسعار السلع والمنتجات، بحيث تظل أسعار هذه السلع في متناول الفقراء، وهو ما كان يطلق عليه بصفة أساسية الدعم. وحيث إن المبالغ المخصصة إلى الدعم قد تقلصت، كما سبق في البند الأول أعلاه، فهذا يعني تحرير الأسعار بحيث تُترك للعرض والطلب. ولكن في ظل عدم كفاءة السوق، حيث توجد ممارسات احتكارية في سلع عديدة، فقد مالت الأسعار للزيادة فقط، ولم تنخفض رغم انخفاض الأسعار العالمية. فعانى المستهلكون – وغالبيتهم من الفقراء - بذلك الأمرّين!!

* تطبيق برنامج الخصخصة:
كان من نتائج إتباع العمل ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي، ضرورة اعتماد مصر العمل ببرنامج لخصخصة القطاع العام، بحيث تطلق يد القطاع الخاص في الاقتصاد المصري. ونحن هنا لسنا ضد سياسة تشجيع القطاع الخاص أو بيع القطاع العام، فالقطاع العام في مصر في معظمه كان قد وصل إلى مستويات متردية من الكفاءة والإنتاج، بحيث كانت الحاجة ماسة لإصلاحه أو حله. ولكننا نرى أن عملية البيع نفسها قد شابهها العديد من أوجه القصور، بحيث كان من الممكن أن تتم بطريقة أفضل بكثير مما تمت به، بحيث تحقق في النهاية مصلحة الوطن والمواطن.

عملت هذه العوامل مجتمعة على زيادة إفقار الفقراء، وعلى دخول شرائح كبيرة من الطبقة المتوسطة الدنيا إلى دائرة الفقر. وهكذا وصلنا إلى الحال الذي تحدث عنه خالد الخميسي في حواديته مع سائقي سيارات التاكسي. والملاحظ على هذه الحوارات أنها تميزت بعدد من الخصائص، نحاول حصرها فيما يلي:

* تدني لغة الحوار: فقد أصبحت لغة الحوار الدارجة بيننا هذه الأيام متدنية، لا تكاد تخلو جملة منها من عبارة بذيئة. بل أصبح المزاح بين الأصدقاء لابد أن يحتوي على إهانة لأحد الوالدين أو كليهما، وبدون ذلك تظل علاقة الصداقة في طور البرود التي لا تنتقل إلى الحميمية إلا بقبول هذا المستوى من الحوار!!

* الانهيار الثقافي:
فلم يعد أمام أفراد المجتمع الوقت الفائض أو الأموال الكافية لزيادة مستوى ثقافتهم! فقد سرقت لقمة العيش وقت الجميع، بحيث أصبحت الثقافة ترفا!! كما ارتفعت أسعار الكتب والمجلات، وزادت أسعار تذاكر دخول دور السينما والمسرح، بل وحتى مباريات الكرة، بحيث لم يعد في مقدور الطبقات الكادحة ترف شراء هذه الأشياء!!

* طغيان النزعة المادية:
فقد أصبح على شرائح كبيرة من المجتمع العمل المتواصل طوال 24 ساعة، ومع ذلك يظلون على حياة الكفاف. ومن ناحية أخرى، سيطر الجنس على مشاعر معظم فئات المجتمع، فأصبح هو محور الأحاديث والنكات التي تشغل بال المصريين الآن!!

* اختفاء الحلم وطغيان الغضب:
فلم يعد هناك مجال لالتماس الأعذار أو قبول الاعتذار، بل الكل يريد مصلحته أولا، أو يريد الظهور في موقف الاستعلاء على جميع من حوله. ولم يعد بمقدور أحد احتمال أية هفوة، ولو صغيرة، من أي كائن، حتى ولو كان من أقرب المقربين إليه. فسمعنا بذلك عن حوادث قتل لشخص رفض أن يفسح الطريق بسيارته لشخص آخر، أو قتل مدرس لتلميذ صغير لم يقم بأداء واجبه المنزلي!!

* سيادة الدولة الرخوة: التي أصبحت بمثابة " ديكور " يستطيع المرء من خلالها عمل أي شيء يحلو له بماله، الأمر الذي مهد لانتشار الفساد على نطاق واسع، أو كما جاء على لسان أحد السائقين في إحدى الحواديت: " المشكلة جت إن كل واحد معاه قرشين حاسس إنه يعمل أي حاجة بفلوسه .. هيبة الدولة راحت، بالفلوس أجيب مناخير الحكومة الأرض. ازّور باسبور، أغير بيانات بطاقة، أي حاجة، رخصة تتسحب تجيلي فورا ولغاية بيتي بالفلوس "!!

* انتشار الشائعات:
فالكل يفسر الأحداث من وجهة نظره، والجميع يتسابق لفرض وجهة نظره الخاصة من خلال تحليل الوقائع التي تحدث في المجتمع. الكل يريد أن يظهر وكأنه عليم ببواطن الأمور، أو أنه على اتصال بعلية القوم يستقي منهم المعلومات. وهذا الأمر في غاية الخطورة، بل يهدد نسيج المجتمع بالتفكك والانهيار، خاصة في ظل عدم قيام الجهات الرسمية باتخاذ المواقف الحاسمة تجاه القضايا الخطيرة التي تهز الرأي العام أو التعليق عليها بما يؤدي لانتفاء حالات التخبط التي يظل فيها المواطنين لأوقات طويلة.

*****

وبعد، فهذا كان مجرد استعراض سريع لعمل أدبي قيّم، غاص في عمق شريحة مهمة من شرائح المجتمع، واستعرض كيف تآكل دورها ودور غيرها من الشرائح الأخرى بفعل ضغوط الحياة الاقتصادية السائدة في مصر الآن!!

mohd_youssef@aucegypt.edu
2 من ربيع الآخر عام 1430 من الهجرة ( الموافق 29 من مارس عام 2009 ).


 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية