اطبع هذه الصفحة


"عايزة أتجوز" ... ومشاكل العنوسة في مصر المحروسة!!

محمد حسن يوسف
مدير عام - بنك الاستثمار القومي


قرأت مؤخرا كتاب " عايزة أتجوز " للدكتورة الصيدلانية غادة عبد العال، وهو من أهم الكتب التي تطرقت لزواج الصالونات في مصر ومشكلة العنوسة في مصر، وإن كانت معالجتها جاءت في إطار كوميدي أقرب إلى الفانتازيا.
وبداية أعيب انتهاج الكتاب اللغة العامية الدارجة، وخاصة المصطلحات الحديثة بين الشباب في هذه الأيام. ذلك أنه مهما كانت اللغة المنطوقة لها رونقها، إلا أنها بعيدة تماما عن اللغة المكتوبة، أو التي يجب الكتابة بها. ويظل من الضروري على جميع الكتّاب ضرورة الالتزام بهذه اللغة، وعدم الانصياع لمحاولات وأدها باستخدام اللغة العامية كبديل عنها.
وثاني الملاحظات على هذا الكتاب أنه لم يتطرق إلى طرح أية حلول في مواجهة ظاهرة زواج الصالونات، والتي أصابها الكثير من التعقيدات، خاصة في ظل التطورات الحديثة التي مرت بها مجتمعاتنا الآن. فلم يعد من المجدي الآن إقناع الشباب والفتيات بالارتباط بمثل هذه الإجراءات، ولابد لنا من البحث عن وسائل أخرى لإتمام الزيجات تلقى مزيد من القبول لدى الشباب من الجنسين، ولكن في ظل تقاليدنا المستمدة من تعاليم الإسلام.
وليس هناك أدنى شك في أن مشاكل الزواج أصبحت اليوم في غاية التعقيد. والمؤلفة إن كانت طرحت بعض المواقف التي تعبر عما يحدث للفتيات في رحلة البحث عن " عريس "، فما زلنا في انتظار من يعبر عن بعض المواقف الأخرى التي تواجه الشباب في رحلة البحث عن " عروسة "، والتي اعتقد أنها تستحق التسجيل هي الأخرى لما لها من نفس الأثر في نفوس الشباب ومدى إحجامهم عن فكرة الارتباط.
وحتى نفهم الموضوع بشكل أوضح، تعالوا نستعرض قصة المجتمع في مصر منذ ما قبل ثورة يوليو 1952 وحتى الآن، حتى نستطيع فهم المستجدات التي طرأت على حياة المجتمع في مصر:
في فترة ما قبل الثورة كان المجتمع منقسم بصورة واضحة إلى طبقات ثلاث: الطبقة الإقطاعية التي تمتاز بنفوذ ودخل كبيرين يميزهما بشدة عن طبقتي المجتمع الأخريين: الوسطى والفقيرة. وكانت هناك سدود وموانع عديدة تمنع الانتقال من طبقة إلى أخرى، ولذلك فلم يكن في طموح أفراد أي طبقة الاقتران بأفراد الطبقات الأخرى الأعلى منها. وكانت الأفراح في ذلك الوقت بسيطة، اللهم إلا ما كان ينشر في الجرائد عن بعض حفلات زفاف الطبقة الإقطاعية، والتي كانت محل استهجان واستنكار شديدين من بقية أفراد المجتمع.
مع قيام ثورة يوليو 1952، حدث تقارب كبير بين طبقات المجتمع، وبدأت الفوارق المادية الكبيرة بين الطبقات في التلاشي. وإن كانت هناك طبقة أخرى قد بدأت في التشكل هي طبقة المنتفعين بالحكم، والتي بدأت نواتها في التكون لتحل محل الطبقة الإقطاعية. ولكن لم يكن لهذه الطبقة تأثير يذكر بعد في المجتمع. في هذه الفترة كانت حفلات الزفاف ما زالت لم تأخذ هذا الشكل الصاخب الذي بدا مألوفا لنا في هذه الأيام، وكانت تمتاز بالبساطة الشديدة. ولم يكن هناك مغالاة أمام الشباب في إتمام الزيجات. كما كانت أسعار الشقق في متناول الشباب، وكانت أسعار الأثاث في نفس مستوى الدخول. ولذا فقد كان المستوى العام في المتوسط متقاربا بين فئات الشعب.
خلال الستينات وحتى حرب أكتوبر 1973، ظل الوضع على ما هو عليه، بل زاد على ذلك تزايد التساهل في مطالب الزواج مع اختفاء مظاهر الاحتفال بالزيجات نظرا لظروف البلد التي تمر بحالة حرب تحصد أرواح زهرة شبابها.
منذ البدء في تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في عام 1974 وحتى أوائل الثمانينات، بدأت منظومة القيم في المجتمع في التحول باتجاه آخر. فقد بدأ الانفتاح الاستهلاكي، الذي بدأ يغزو جميع طبقات الشعب، التي استقبلته بترحاب شديد بعد طول حرمان ومعاناة. في ظل هذا الطوفان الاستهلاكي، نبعت قيم ومفاهيم جديدة على الشعب المصري، لم تكن من الممكن أن ترد بخياله طوال الفترات السابقة. وساعدت سهولة الأموال المتكونة في هذه الفترة على سرعة تغيير تلك المفاهيم السائدة. في هذه الفترة بدأ المجتمع يسمع عن مهور في غاية الضخامة بالنسبة لمقاييس تلك الفترة، كما كانت الهدايا المقدمة من أفراد طبقة - كانت حتى وقت قريب متدنية في نظر المجتمع – لكي تعبر إلى طبقة أخرى في غاية المبالغة. وبدأت مفاهيم طبقة الحرفيين في مصر تسود، لتمتعها بالقوة الشرائية، وبدأت مطالب هذه الطبقة تجد طريقها نحو التحقيق، لاقترانها بالأموال الكافية لتحقيقها.
خلال فترة الثمانينات، بدأت ظاهرة العاملين في الخارج تستقر، وبدأت طبقة أخرى في الظهور هي طبقة شباب الخريجين المهاجرين لدول النفط، بحيث تعادل قوة الطبقة التي تكونت في السبعينات، وإن كانت أيضا أصولها ليست بالضرورة بأفضل من طبقة السبعينات.
منذ أوائل التسعينات وحتى الآن، دخل المجتمع في مرحلة أخرى. فمع دخول دول الخليج في مرحلة الانكفاء الذاتي، لم يعد أمام الشباب متنفسا لتحقيق أحلامهم. تزامن مع ذلك طغيان الإعلام وظهور مسلسلات تحكي عن مجتمعات تفوق في الخيال قصص ألف ليلة وليلة. فأصبح طموح كل أسرة أن يكون زوج ابنتها له من الإمكانيات ما يمكن أن ينقل العائلة إلى مستوى القصور التي يطالعونها في تلك المسلسلات ليل نهار.
في تلك الفترة أيضا، ظل الحديث يتردد بدون توقف عن ضرورة تمكين المرأة، وإعطائها حريتها من الرجل القاسي المتجرد من أحاسيس النبل، كل تلك الأمور ترسبت في نفس كل امرأة، وكانت تتوق لتحقيق ذلك. ولكن مع إقبالها على الزواج، أو بعد دخولها بيت الزوجية، وجدت أن كل هذه الأمور ليس لها أساس من الصحة. فالرجل الذي ارتبطت به لا يعير تلك الأمور أدنى اهتمام. كما أنها تعمل مثل الرجل، وتخرج معه صباحا وتعود معه عصرا، ولكنها ما زالت مطالبة باستكمال كل أمورها المعيشية في البيت: تجهيز الطعام للأسرة، ومذاكرة دروس الأولاد، وتنظيف البيت، وغسيل الملابس، وكيها، ...الخ، ثم بعد ذلك الماراثون اليومي يجب أن تستعد لزوجها في الفراش ليلا.
في فترة ما قبل الثورة وحتى بداية التسعينات، كان هناك الأمل دائما في الحراك الاجتماعي بأن يلعب دوره لنقل الفرد من طبقة معينة إلى طبقة أعلى من خلال التعليم الذي كان ما يزال يحمل مقومات القوة، وكان هناك دائما الأمل لدى الشباب في الانتقال من طبقة لأخرى من خلال العمل في القطاع الخاص أو السفر لدول الخليج الذي كان يفتح الأبواب تملك الشقق. أما منذ منتصف التسعينات، فقد أصبحت أسعار الشقق تدور في معدلات فلكية مع تضاؤل الفرص في العمل في الخليج أو الخارج عموما، مع تضاؤل فرص العمل في القطاع الخاص وتدني مرتباته، بحيث أصبحت فكرة تملك الشقق الآن ضربا من الأوهام.
كان تضافر كل هذه العوامل هو ما أدى إلى أن أصبح الزواج في مصر الآن فكرة في غاية الصعوبة لتنفيذها. وإذا ما تم تنفيذ هذه الفكرة على ارض الواقع، فإنها سرعان ما تفشل لتنتهي مع الأسف بالطلاق والانفصال. فما هي حقيقة هذه الأوضاع بالأرقام؟ وكيف نخرج من هذا النفق المظلم؟ لعل هذا ما يكون موضوع الحلقة التالية لمناقشة هذا الكتاب.

mohd_youssef@aucegypt.edu
8 من جمادى الآخرة عام 1430 من الهجرة ( الموافق 1 من يونيو عام 2009 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية