اطبع هذه الصفحة


لماذا لم تستطع الأوبك الحفاظ على ارتفاع أسعار البترول؟!!

محمد حسن يوسف
مدير عام - بنك الاستثمار القومي
ماجستير الإدارة والسياسات العامة – الجامعة الأمريكية بالقاهرة


في السبعينات من القرن الماضي، قررت الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول ( الأوبك ) أن ترفع السعر العالمي للبترول لزيادة دخولها. وقامت هذه الدول بإنجاز هذا الهدف بالتخفيض الجماعي لكميات البترول التي يضخونها. ومن عام 1973 وحتى عام 1974، ارتفع سعر البترول ( مقوما بعد احتساب معدل التضخم العام ) بأكثر من 50 بالمائة. وبعد عدة سنوات قليلة، قامت منظمة الأوبك بعمل نفس الشيء مرة ثانية. ومن عام 1978 إلى عام 1981، تضاعف سعر البترول تقريبا. وقد وصل سعر البترول الخام إلى 91 دولار للبرميل، مقيسا بقيمة الدولار في عام 2004، كما بلغ سعر البنزين 3 دولارات للجالون.
على أن منظمة الأوبك وجدت الأمر صعبا للحفاظ على السعر مرتفعا. فمن عام 1982 وحتى عام 1985، انخفض سعر البترول بإطراد بحوالي 10% سنويا. وسرعان ما ساد عدم الرضا وعدم التنظيم فيما بين الدول الأعضاء في الأوبك. وفي عام 1986، انتهى التعاون تماما فيما بين الدول الأعضاء في منظمة الأوبك، ولذا فقد تدنى سعر البترول بمقدار 45 بالمائة. وفي عام 1990، عاد سعر البترول ( مقوما بعد احتساب معدل التضخم العام ) ثانية إلى المستوى الذي كان عليه في عام 1970، وظل عند هذا المستوى المنخفض طوال معظم سنوات التسعينات. وفي أوائل سنوات الألفية الجديدة، ارتفع سعر البترول مرة ثانية، وكان مدفوعا في ذلك جزئيا بزيادة الطلب من الاقتصاد الصيني الكبير الذي تسارعت وتيرة النمو به، ولكن لم تصل تلك الزيادات إلى المستويات التي كان عليها في عام 1981.
وتبين الأحداث التي وقعت لمنظمة الأوبك في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كيف يمكن للعرض والطلب أن يختلفا بصورة جوهرية في كل من الأجل القصير والاجل الطويل. ففي الأجل القصير، يكون كل من عرض البترول والطلب عليه غير مرنين نسبيا. فيكون العرض غير مرن بسبب أن كمية الاحتياطيات المعلومة من البترول وطاقة استخراج البترول لا يمكن تغييرهما بسرعة. أما الطلب على البترول فيكون غير مرن لأن عادات الشراء لا تتجاوب في الحال مع التغيرات في الأسعار. وهكذا يوضح الشكل رقم (1) كيف تكون منحنيات العرض والطلب شديدة الانحدار في الأجل القصير. وحينما ينتقل منحنى عرض البترول من S1 إلى S2، تكون الزيادة في السعر من P1 إلى P2 زيادة كبيرة.

شكل رقم (1): عرض البترول والطلب عليه في الأجل القصير


وتختلف الحالة تماما في الأجل الطويل. فخلال الفترات الزمنية الطويلة، تكون استجابة منتجي البترول من خارج منظمة الأوبك للأسعار المرتفعة هي زيادة عمليات الاستكشاف والتنقيب عن البترول، حيث تزيد جدواها الاقتصادية حينئذ، بالإضافة إلى بناء طاقات استخراجية جديدة. ويستجيب المستهلكون بمزيد من الحرص، كأن يبدأوا في إحلال السيارات والآلات القديمة المفرطة في الاعتماد على الطاقة بسيارات وآلات أحدث أكثر توفيرا في استخدام الطاقة. وهكذا يوضح الشكل رقم (2) أن منحنيا العرض والطلب أصبحا أكثر مرونة في الأجل الطويل. ففي الأجل الطويل، يؤدي الانتقال في منحنى العرض من S1 إلى S2 إلى زيادات أقل بكثير في السعر من P1 إلى P2.
 

شكل رقم (2): عرض البترول والطلب عليه في الأجل الطويل


هذا التحليل يبين لماذا لم تنجح منظمة الأوبك في الحفاظ على سعر أعلى للبترول إلا في الأجل القصير. فحينما وافقت الدول الأعضاء في منظمة الأوبك على تخفيض إنتاجها من البترول، فإنها قد قامت بذلك بنقل منحنى العرض إلى اليسار. وحتى حينما وافقت كل دولة من الدول الأعضاء في منظمة الأوبك ببيع كميات أقل من البترول، فإن السعر ارتفع في الأجل القصير مما أدى لزيادة دخول الدول الأعضاء في الأوبك. وعلى النقيض من ذلك، في الأجل الطويل، حينما أصبح العرض والطلب أكثر مرونة، فإن نفس التخفيض في العرض، مقيسا بالانتقال الأفقي لمنحنى العرض، تسبب في زيادة أقل في السعر. وهكذا أثبت التخفيض المنسق في العرض الذي قامت به منظمة الأوبك مستوى أقل من الربحية في الأجل الطويل.
وفي الوقت الراهن، تنجح منظمة الأوبك من وقت لآخر في تخفيض العرض مما يؤدي لزيادة الأسعار. ولكن لم تعد أسعار البترول أبدا إلى الذروة التي بلغتها في عام 1981 ( بعد استبعاد أثر التضخم الكلي ). ويبدو أن منظمة الأوبك قد استوعبت الآن أن زيادة الأسعار تكون أسهل في الأجل القصير عما هو عليه الحال في الأجل الطويل.

mohd_youssef@aucegypt.edu
30 من ربيع الأول عام 1431 من الهجرة ( الموافق 16 من مارس عام 2010 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية