اطبع هذه الصفحة


الأخطار العظيمة المحدقة بصعود وهبوط القوى العظمى

محمد حسن يوسف
مدير عام - بنك الاستثمار القومي
ماجستير الإدارة والسياسات العامة – الجامعة الأمريكية بالقاهرة


لقد تحقق ما سبق أن توقعناه، ولكن بالسرعة التي لم نتوقعها!! فقد أفادت الأخبار الواردة في مطلع هذا الأسبوع أن الصين قد تجاوزت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أي اليابان، من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وينبغي أن ترحب بقية دول العالم بهذه الأخبار. على أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي يعد مؤشرا ضعيفا للأسف على ما يمكن أن يشير إليه من حالات مستقرة لا يمكن تعرضها للتذبذب. ويعتبر متوسط نصيب الفرد من الدخل المؤشر الأفضل، إن لم يكن الأكمل. وحيث ما زال معدل دخل الفرد في الصين، البالغ  3678 دولار، ما زال أقل من عُشر نظيره في اليابان، فلن يجلب هذا المنعطف سوى القليل من الراحة للصين، وذلك بالنظر إلى أنها لا تزال بلدا فقيرا للغاية على الرغم من معدل النمو المذهل المتحقق مؤخرا.

ومن الحقائق التاريخية المربكة أن التحولات في أوضاع القوى العظمى في الاقتصاد العالمي تكون خطيرة. كما أنها غالبا ما تتزامن مع حدوث اضطرابات مالية شديدة واضطرابات في أسواق العملات وخلافات تجارية. وينجم ذلك لأن القوة الحديثة الناشئة غالبا ما تكون دولة دائنة وتتبع سياسات حمائية بحيث يدفعها ذلك للتردد في تحمل المسئولية الدولية بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية.

ولنتأمل في انتقال الهيمنة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فمنذ عام 1918، رفضت الولايات المتحدة معاهدة فرساي، واختارت الرحيل من عصبة الأمم، ولم يكن لديها ما تفعله إزاء التعويضات الألمانية، على الرغم من قيامها بجمع ديون الحرب من الحلفاء. وقد سمح الموقف الليبرالي لبريطانيا من التجارة، سمح للولايات المتحدة بتحقيق فوائض تجارية كبيرة. وفي هذه الأثناء، واصل بنك الاحتياطي الفيدرالي، حيث كانت تعوزه الخبرة والحنكة اللازمة، السياسات النقدية المتساهلة في العشرينات من القرن الماضي، بينما كان يحاول بحماقة دعم الجنيه الإسترليني المريض.

وعندما استشعر بنك الاحتياطي الفيدرالي الفقاعة الناتجة في عام 1929 كان الوقت متأخرا، حيث وصل الانتعاش الذي صاحب فترة العشرينات من القرن الماضي إلى نهاية مفاجئة كمقدمة لحدوث الكساد الكبير، وما أعقب ذلك من انهيار للبنوك وركود اقتصادي عظيم. وحيث قامت الولايات المتحدة بتصدير مشكلة نقص الطلب لديها إلى بقية العالم، فقد أخفقت في توفير القيادة لمنع تفشي التخفيضات التنافسية الكارثية في قيم العملة كما لم تكن راغبة في القيام بدور مقرض الملاذ الأخير العالمي للبنوك المنهارة.

والمثال التقليدي الثاني لحالة ما بعد الحرب هي اليابان. فقد كان النمو الاقتصادي الياباني نموا يقوده قطاع الصادرات، وتعزز بتقويم الين بأقل من قيمته وبالإعانات التي تم دفعها للمصدرين. وكان هذا هو النموذج السائد طالما لم تكن اليابان قوة اقتصادية كبيرة. ومع ذلك فبحلول أواخر الستينات من القرن الماضي أصبحت اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وكان لديها أيضا فائضا تجاريا هائلا مع الولايات المتحدة.

وكان للجهود الدولية التي بُذلت لمعالجة الاختلالات وتحقيق الاستقرار لقيمة الدولار المغالى فيها في عهد ريجان، كان لهذه الجهود عواقب غير مقصودة - ليس أقلها أن التدخل الياباني في سعر الين في مقابل الدولار كان له نفس النتيجة المحفزة لتكوين الفقاعة تماما مثل الجهود التي بذلها بنك الاحتياطي الفيدرالي لدعم الجنيه الإسترليني في عام 1927. وقد أدى انفجار هذه الفقاعة إلى الدخول في عشرين سنة من الركود الاقتصادي.

ويتمثل التحدي الصيني للولايات المتحدة في أن النمو المتحقق تقوده أيضا الصادرات وأن فائضها في الحساب الجاري هو أكبر مساهم لحدوث تخمة المدخرات الأوروبية الآسيوية التي أدت إلى فقاعة الائتمان والاختلالات العالمية التي كانت وراء الأزمة المالية والاقتصادية التي لم يتعاف الاقتصاد العالمي من جميع آثارها بعد. ولكن على الرغم من نجاح النموذج الاقتصادي الصيني، فإنه يولد إفراطا مسرفا في الاستثمار وتوزيعات مخلة للناس العاديين، الذين يتوافر لهم أدنى نصيب من الاستهلاك الخاص في الناتج المحلي الإجمالي في دول آسيا. وفي بلد تتمتع بتحقيق معدلات نمو تزيد على 10% مثل الصين، نجد أن معدل نمو التشغيل لا يتجاوز 1% فقط سنويا، في حين أن العوائد الحقيقية على المدخرات تعتبر سلبية. وكما كان هو الحال مع اليابان في فترة ذروتها الاقتصادية، فإن الاقتصاد يفرز نوعية أفقر من مستويات المعيشة عما يمكن أن تشير إليه أرقام متوسط نصيب الفرد من الدخل، وذلك في ظل انتشار التلوث والمواد الغذائية المغشوشة وظروف العمل السيئة، وهي كلها عوامل تشكل تهديدات للصحة العامة.

ولم يكن من الممكن أن يتحقق معدل النمو الصيني الذي تقوده الصادرات، والذي تعزز بالقيمة المنخفضة لعملتها، الرنمينبي، لم يكن من الممكن تحقيق ذلك إلا لأن الولايات المتحدة وبلدان العجز الأخرى كانت على استعداد للقبول بديون كبيرة لتمويل الاستهلاك العائلي والإنفاق الحكومي الآن. والعقبة هي أن الاختلالات الناتجة ليست مستدامة لأن نقطة استنفاد الدين وشيكة الحدوث. على أن تشارلز دوماس، رئيس وحدة بحوث لومبارد ستريت، يجادل في كتابه المعنون "كسور العولمة: كيف أصبحت مصالح الدول الكبرى متعارضة الآن" Globalization Fractures، وهو كتاب جديد عن التعارض في السياسات التي تتبناها الدول الصناعية الكبرى، يجادل بأن استجابة السياسات لهذه الأزمة قد ركز على نطاق ضيق على القضايا المالية بدلا من الاختلالات في التوازن العالمي.

فما نحتاجه على الصعيد العالمي هو علاج لكل من الدول المدينة والدول الدائنة لإعادة التوازن في اقتصاداتها. فتحتاج الدول المدينة إلى ترتيب ميزانياتها، في حين تحتاج الدول الدائنة لزيادة الاستهلاك المحلي ولتعويم عملاتها ولتقليل الاعتماد على الصادرات. وهذا كله من شأنه أيضا أن يصب في مصلحة الصين نفسها لأن اقتصادها في حالة اختلال التوازن. فهي لا تستطيع، من بين الأمور الأخرى، منع التضخم وفقاعات أسعار الأصول أثناء إدارتها لسياسة سعر صرف منخفضة بشكل مصطنع. ومع ذلك، توجد عقبات هائلة تحول دون إجراء أي تغيير. وكما يقول السيد دوماس في كتابه، فإن التخفيف من سيطرة الحكومة على مواطنيها هو الشيء الرئيسي لإعادة التوازن تجاه الاستهلاك، ولكنه يظل شيئا غير مرجح الحدوث. كما توجد أيضا مجموعات ضغط قوية ضد التغيير، ليس أقلها عدم كفاءة المنتجين الذين تم تكديس أعمالهم بعمال أكثر من احتياجات العمل نتيجة لانخفاض قيمة العملة والذين يعتمد بقائهم من الناحية الاقتصادية على مزيد من تخفيض العملة.

هناك إذن  مأزق في السياسة الصينية. فكيف يمكن للعالم أن ينجو من عواقبها الاقتصادية الوخيمة المحتملة؟ قد يكون أحد السيناريوهات هو استجابة الولايات المتحدة للتباطؤ الاقتصادي الوشيك بإتباع سياسات مالية ونقدية مرنة، على حساب تراكم المزيد من الديون والعجز في وقت لاحق. وثمة سيناريو آخر يتمثل في قيام السياسات المحافظة المالية الأمريكية بمنع إجراءات تخفيف الميزانية، في الوقت الذي تظل فيه السياسة النقدية متساهلة. فقد يتسبب هذا في تخفيض عجز الحساب الجاري الأمريكي عاجلا وليس آجلا.

وفي كلتا الحالتين، فقد تزيد المخاطر باتخاذ ردود فعل حمائية ضد الصين. وفي ظل كل من السيناريوهين، فقد ترى الدول الدائنة في العالم في نهاية المطاف أن أسواقها الرئيسية تجف. ويظل الفرق الرئيسي في التوقيت. وهكذا فيكون السؤال المطروح هو: متى تستيقظ بقية الدول الدائنة؟
ومن أسف أن يخلو هذا التحليل عن ذكر أي دور للدول العربية في هذا السباق المحموم بين الدول الكبرى، بحيث سيظل على هذه الدول أن تظل في موقف المتفرج للاعبين الكبار، دون أن يكون لها أية حظوظ في التأثير على نتيجة المباراة!! ولكن يظل أمامها التفكير في الخروج بأفضل النتائج بالنسبة لها، بحيث تتبع السياسات التي يكون من شانها دعم اقتصاداتها لأقصى مدى ممكن ومن ثم تحقيق أقصى استفادة ممكنة!!
 
mohd_youssef@aucegypt.edu
14 من رمضان عام 1431 من الهجرة ( الموافق 24 من أغسطس عام 2010 ).


 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية