اطبع هذه الصفحة


حتى لا نتوه في زحام المصطلحات

محمد حسن يوسف
مدير عام بنك الاستثمار القومي


أصبح من الشائع الآن استخدام كلمة "إسلامي" للتعبير عن مجموعة بعينها من الأشخاص، بالرغم أنه كان من المفروض استخدام هذه الكلمة كصفة، كأن نقول: صرح إسلامي للتعبير عن إضفاء الصبغة الإسلامية الدينية عليه تمييزا له عما هو مسيحي أو يهودي ... الخ. أما استخدام هذا المصطلح كاسم، فقد ظهر حديثا، كترجمة للمصطلح الانجليزي Islamist. وأعتقد أن الغرب كانوا يريدون اعتبار هذا المصطلح مرادفا لمصطلح Terrorist عندهم، ومعناها: إرهابي. والمشكلة أن استخدام الكلمة بهذه الوظيفة – أي للإشارة إلى الأشخاص – ليس لها أصل في اللغة العربية، لأن كلمة "مسلم" تغني عنها. وهكذا نكون قد انسقنا إلى استخدام الكلمة كما يريد لها واضعوها في الغرب بدون تفكير منا.

كما يتم استخدام كلمة "ليبرالي" بكثرة الآن. وللوقوف على المعنى الدقيق لهذه الكلمة، يحسن بنا الرجوع إلى مقال د/ معتز بالله عبد الفتاح، المنشور في جريدة الشروق يوم الخميس 7/4/2011، بعنوان: "مخاطر الليبرالية العلمانية". ذلك أن ما نحتاجه في هذه المرحلة هو الليبرالية السياسية واستكمال ما بدأناه من ليبرالية اقتصادية، في الوقت الذي يجب أن نبتعد فيه تماما عن الليبرالية الثقافية أو الأخلاقية، التي تقود لانفلات الحريات الشخصية، بما يمكن أن يفضي إلى خروج واضح عن تعاليم الدين.

بدون هذه المقدمة الضرورية، لا يمكن فهم مقال جدعون راتشمان Gideon Rachman، المنشور بجريدة الفاينانشيال تايمز يوم الثلاثاء 26/4/2011، بعنوان: "Egypt’s liberals are losing the battle". ذلك أنه يشير إلى الإخوان المسلمين والسلفيين وأنصارهم على أنهم "إسلاميين"، ويجعلهم في مواجهة مع الليبراليين "العلمانيين". ولنا على هذا المقال عدة ملاحظات:

أولا: يقول راتشمان أن السلفيين يمكنهم الفوز بنسب تتراوح بين 5 – 10% في الانتخابات البرلمانية القادمة، وهي نسبة مرتفعة للغاية أشك فيها. واعتقد أن السلفيين لو فكروا في دخول الانتخابات البرلمانية القادمة، فلن تتجاوز نسبة نجاحهم 3 - 5%. كما يعتقد راتشمان أن الإخوان ستحظى بثلث المقاعد في الانتخابات البرلمانية القادمة ( أي 33.3% من جملة الأصوات )، وهي أيضا نسبة مغالى فيها واعتقد أنها ستتراوح بين الخمس والربع (20 – 25%). ومن هنا فلن تزيد نسبة أصحاب التوجهات الإسلامية بأي حال عن ثلث المقاعد البرلمانية، في حال ترشحهم لها. أما الليبراليون والعلمانيون في مصر فلن تزيد نسبتهم عن 10%. وبذلك فسوف يظل الأمر بيد الأغلبية الصامتة التي ستحدد الوجهة التي تتجه إليها مصر في الفترة المقبلة.

ثانيا: أن المجتمع المصري في جملته هو مجتمع محافظ، يكره الانحلال الديني والأخلاقي. يستوي في ذلك المسلمين والأقباط. كما أن غالبية المصريين تميل إلى الاعتدال الديني، وتكره التطرف والتشدد والغلو في مسائل الدين والعقيدة. ومن ناحية ثالثة، يمتاز المصريون بذكاء فطري وليس من المعتقد أن يستطيع أحد خداعهم في الانتخابات القادمة على نحو ما كان يحدث في السابق. وهكذا فاعتقد أن التصويت سيكون لصالح أصحاب الآراء المستنيرة سياسيا واقتصاديا والمحافظة دينيا وأخلاقيا.

ثالثا: لا يجوز اتهام جماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة استطاعت الحفاظ على تنظيمها وهيكلها قويا في وقت كانت تُحاصر فيه ويُكوى أفرادها بالحديد والنار. وما ذنب جماعة الإخوان المسلمين أنها حافظت على تنظيمها في وقت لم تقم فيه بقية الطوائف الأخرى في المجتمع بتنظيم نفسها في أية كيانات أو تنظيمات بعينها. لاشك أن إلقاء اللوم يقع على هذه الطوائف الأخرى، بل ويكون من العبث أن نلوم في ذلك الإخوان المسلمين.

رابعا: أنه ما لم يوضح كل تيار حقيقة موقفه، والمعنى الدقيق للمصطلح الذي يتبناه ويدافع عنه، فسوف يظل الالتباس والغموض شديدين بين الجماهير إزاء المواقف الحقيقية للقوى السياسية التي ستدخل حلبة الانتخابات القادمة. وليس من الصالح العام أن يظل هذا الالتباس الفكري قائما!!
خامسا: بعد ضبط المصطلحات، لا يمنع "المسلم" أن يكون ليبرالي الفكر السياسي والاقتصادي. وما الجمود الذي يحياه المسلمون إلا نتيجة لغلق باب الاجتهاد، ومن ثم الانحصار في إطار أفكار قرون بعيدة عن واقعنا الذي نعيشه الآن، مما أدى لانعزال المسلمين عن واقعهم والعيش في أطلال ماضي لا يستطيعون استرجاعه. ما نعوّل عليه الآن هو تجديد آلية التفكير في ضوء الموروث الإسلامي، بحيث نستطيع الوصول لحلول عملية للمشكلات التي تواجهنا في حياتنا الآن، ونحن في القرن الحادي والعشرين، وأن يظل ذلك في إطار مرجعية الشريعة الإسلامية. وما أظن أن هذا الأمر بعسير!!

mohd_youssef@aucegypt.edu
mohd.youssef@nib.gov.eg
25 من جمادى الأولى عام 1432 من الهجرة ( الموافق 28 من إبريل عام 2011 )

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية