اطبع هذه الصفحة


الصدع بقول الحق

محمد حسن يوسف

 
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ". [1]
جاء في تحفة الأحوذي للمباركفوري: قوله: " إن من أعظم الجهاد "، وفي رواية: " أفضل الجهاد ". " كلمة عدل ": أي كلمة حق، كما في رواية. والمراد بالكلمة ما أفاد أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر من لفظ أو ما في معناه ككتابة ونحوها. " عند سلطان جائر ": أي صاحب جور وظلم ... وقال المظهر: وإنما كان أفضل لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير، فإذا نهاه فقد أوصل النفع إلى خلق كثير، بخلاف قتل كافر. [2]
قال الخطابي في معالم السنن: إنما صار ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدو، كان مترددا بين رجاء وخوف، لا يدري هل يَغلب أو يُغلب. وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف، فقد تعرض للتلف، وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. والله أعلم. [3]
 
لماذا  لا تصدع بقول كلمة الحق؟!!
إنه الخوف!! الخوف ممّ؟! الأسباب عديدة: الخوف على لقمة العيش! ... الخوف على ترقية موعود بها أو ينتظر حدوثها! ... الخوف على الحياة! ... الخوف على الحرمان من الحصول على علاوة مادية!! وبذلك أصبح النفاق هو الذي يسود أرجاء المجتمع الآن. لا تجد من يصدع بكلمة الحق، فغرق المجتمع في مستنقع من الكذب والوهم. وليتك تسكت فقط عن قول الحق!! بل إنك تزين الباطل في عيون من يفعله. وهكذا يصبح المرتشي مؤديا لعمله بإخلاص!! ويصبح السارق بطلا!! ... إلى غير ذلك من النماذج المشوهة التي أصبحت تملأ حياتنا، لتشكل هياكل الطموحات التي يتطلع الناس للوصول إليها!!!
فحينما يهم المرء بقول كلمة الحق تتصاعد إليه عدة جمل: " وأنا مالي؟ " ... " هوه أنا مصلح الكون؟ " ... " اسكت دي الحيطان لها ودان!! " ... " خليني ماشي جنب الحيط!! " ... وغيرها من مثبطات عمل  الخير.

فإذا ما شجعه شخص على التجرؤ لكي يقول الحق لرئيسه وأصابه مكروه، يتخذه الناس عبرة، ويقولون: أوعى تعمل زي فلان، ده حصل له كذا وكذا ... ّ!!!
ولكن ما هو الضرر أن يصيبك مكروه بسبب قول الحق؟!! إن التخلص من النفاق وقول الحق هو طريق المجتمع نحو التقدم. إن من أعظم المبادئ التي يقوم عليها الإسلام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ذلك أن تفشي المظالم والمنكرات من أعظم المفاسد التي تؤدي لتدمير المجتمع.
لقد خاض المسلمون الأوائل حربا ضروسا في سبيل إعلاء كلمة الحق من عقيدة التوحيد أمام صناديد قوى الشرك والكفر القائمة في ذلك الوقت، ثم أمام أعظم إمبراطوريات التاريخ: فارس والروم، فاستطاع أن يغزوها ويزيلها لأن الصدام كان بين عقيدة حق وباطل.
وحينما تخلى المسلمون عن عقيدتهم وغرقوا في ملذاتهم وشهواتهم، وتمسكوا بالباطل، في الوقت الذي أصبح لأعدائهم عقيدة – ولو باطلة – انتصرت العقيدة الباطلة. فإذا رجع المسلمون إلى عقيدتهم سينتصرون.
إن إقتداء الناس بالداعية الحق الذي يدور مع الحق حيثما دار، لا يقلقه أوضار المبطلين، أسرع في التأثير وفي تحقيق النتيجة المرجوة من الداعية الخنوع الذي رفع شعاره " امشي جنب الحيط تسلم "، ونسي جناب الله الذي لا يقهر ... [4]
وعلى الدعاة اليوم العمل على إخراج الناس من هذا المستنقع العفن الذي تردوا فيه من عدم قول كلمة الحق أو الاحتفاء بها، وكأن الأمر لا يعنيهم!! ويكون ذلك بطرح النماذج المشرقة لسلف الأمة الذين وقفوا وقفات مشرفة مع الحكام أو من بيدهم الأمر.
لقد كان اهتمام العلماء بالوقوف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المسئولين كثيرا، في حين كانت النماذج التي وقفوا فيها مع العامة قليلة للغاية!! وذلك لأنه إذا صلح العلماء والأمراء صلحت الأمة، وإذا فسد العلماء والأمراء فسدت الأمة والعياذ بالله.
فعلى كل منا أن يسأل نفسه: هل قضى ما عليه فيما يرى من منكرات في مجتمعاتنا وفي أسواقنا؟ هل قام كل منا بالواجب الملقى على عاتقه، ولم تأخذه في الله لومة لائم؟!! أم أنه بدأ يحسب ويضرب أخماسا في أسداس: الوظيفة ... الترقية ... الأولاد ... الأموال ... وغير ذلك من الأمور الكثيرة، ولذلك تخاذل في نهاية المطاف عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! إن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل قادر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ اْلإِيمَانِ ". [5] لو أن كل منا قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما آلت الأمور إلى أصبحنا عليه الآن.
نخشى - إن لم يتداركنا الله برحمته - أن يعمنا الله بعقابٍ من عنده، يعم الصالح والطالح!! تسأل أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: " نَعَمْ! إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ". [6]  ثم يُبعث كل منا على نيته [7] كما ورد في حديث آخر!!
على كل منا أن يؤدي ما في مقدوره، وليعلم أنه موقوف بين يدي الله تعالى غدا فسائله عما فعله!! وهو جل وعلا الذي سيحاسبه يوم القيامة عما فعل أو ضيع!!!
 
نموذج من الصدح بالحق:
تلكس من الحسن البصري إلى ربه [8]
لما ولي الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وطغى في ولايته وتجبر، كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله وصدعوا بكلمة الحق في وجهه.
من ذلك أن الحجاج بنى لنفسه بناء في واسط [9]. فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه والدعاء له بالبركة. فلم يشأ الحسن أن يفوّت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه، فخرج إليهم ليعظهم ويذكرهم، ويزهدهم بعرض الدنيا ويرغبهم بما عند الله عز وجل.
ولما بلغ المكان ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المنيف مأخوذة بروعة بنائه مدهوشة بسعة أرجائه مشدودة إلى براعة زخارفه، وقف فيهم خطيبا. وكان في جملة ما قاله:
-   لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد، وبنى أعظم مما بنى. ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بنى وشيد. ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غروه.
ومضى يتدفق على هذا المنوال حتى أشفق عليه أحد السامعين من نقمة الحجاج، فقال له:
-  حسبك يا أبا سعيد ... حسبك.
فقال له الحسن:
-  لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
وفي اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغضب، وقال لجلاسه:
-   تبا لكم وسحقا! يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما يشاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه؟! والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء!!
ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه. ثم وجه إلى الحسن بعض شرطه، وأمرهم أن يأتوه به. وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن، فشخصت إليه الأبصار، ووجفت عليه القلوب. فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد، حرك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية إلى الله.
فلما رآه الحجاج على حاله هذه، هابه أشد الهيبة، وقال له:
-   ها هنا يا أبا سعيد ... ها هنا!!
ثم ما زال يوسع له ويقول:
-  ها هنا ...
والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه. ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع. فقال له الحجاج:
-   أنت سيد العلماء يا أبا سعيد!!
ثم دعا بغالية[10] وطيب له بها لحيته وودعه. ولما خرج الحسن من عنده، تبعه صاحب الحجاج وقال له:
-   يا أبا سعيد! لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك. وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك!! فماذا قلت؟!!
فقال الحسن:
-   لقد قلت: " يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما عليّ كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام ".
 
 
23 من ذي الحجة عام 1426 ( الموافق في تقويم النصارى 23 من يناير عام 2006 ).

------------------------------------------
[1]  صحيح. رواه الترمذي (2174)، وأبو داود (4344)، وابن ماجه (4083). واللفظ للترمذي. وانظر: جامع الأصول لابن الأثير (116)، والسلسلة الصحيحة للألباني (491).
[2]  تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، الإمام الحافظ محمد عبد الرحمن المباركفوري، (6/24).
[3]  معالم السنن شرح سنن أبي داود، الإمام أبي سليمان الخطابي، (4/324).
[4]  القدوة منهاج ونماذج، ص: 196.
[5]   صحيح مسلم، 49(78). عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[6]  صحيح البخاري، 3346.
[7]  صحيح البخاري، 2118. عن أم المؤمنين عائشة رضي اله عنها.
[8]  صور من حياة التابعين، رأفت الباشا، ص ص: 101 – 104.
[9]  مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة.
[10]  أنواع من الطيب تمزج ويتطيب بها.
 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية