اطبع هذه الصفحة


دفاعا عن البخاري (2)

محمد حسن يوسف
باحث دكتوراه في الإدارة العامة


دفاعا عن البخاري (1)

تعرضنا في الجزء الأول للتعريف بشخص الإمام البخاري، رضي الله عنه، ومنهجه في تأليف صحيحه الجامع، ثم ختمنا بذكر كيفية حفظه وقدراته الذهنية.
وننتقل الآن لتفنيد الأكاذيب التي امتلأ بها مقال هذا الكاتب الذي نشر ترهاته في جريدة الأهرام المصرية، العدد رقم (46883) بتاريخ 17/4/2015.

فيقول هذا الكاتب: "فالبخاري ومسلم وغيرهما فيهما آلاف الأحاديث غير الصحيحة، ومعظم أعمال المفسرين يتضمن ابتعادا صريحا عن النص القرآني. وإذا كان الأمر كذلك، فإن كشف هذه الأخطاء واتساع دائرة الاهتمام بهذه القضية يعنى أهمية بذل الجهود لتنقية هذا التراث".

فإذا كنا قد ذكرنا أن إجمالي عدد أحاديث صحيح البخاري في حدود سبعة آلاف وخمسمائة حديث تقريبا، فأين هي آلاف الأحاديث غير الصحيحة فيه؟!
لقد تلقت الأمة الإسلامية صحيح البخاري منذ كتابته منذ ما يزيد عن الألف عام وحتى يومنا هذا بالقبول، وسخّرت علمائها على خدمة هذا الصحيح، من شروح لأحاديثه أو لمفرداته أو عمل مختصرات عليه أو استدراكات له ... الخ. ولم نسمع أحدا من قبل يطالب بإلغاء هذا الصحيح أو حذف أحد أحاديثه أو التبرؤ منه إلا مؤخرا ... ولله الأمر من قبل ومن بعد.

إن آفة هذا العصر هي عدم الإلمام الكافي بالعلم، وخاصة العلم الشرعي ... ذلك أن الكاتب الذي كتب هذا المقال يرمي البخاري بفرية هو منها براء ... فيزعم أن البخاري أورد في صحيحه أحاديث غير صحيحة. والواقع أن البخاري – كما قلنا سابقا – عند تصديه لكتابه صحيحه، انتقى الأحاديث التي أوردها فيه من بين ستمائة ألف حديث. ولم يكن البخاري هو أول من صنّف في الحديث، فقد سبقه في هذا المجال عدة علماء، مثل مالك الذي صنّف الموطأ، ومثل إسحاق بن راهويه وغيرهما.
ولكن كانت عبقرية البخاري في جمعه للأحاديث الصحيحة في زمن انتشار رواية الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان البخاري كالصائغ الماهر الذي ينتقي الأحاديث الصحيحة بتتبع أسانيدها والتأكد من خلوها من الوضاعين أو الكذابين. وأسس بذلك لعلم الحديث، وهو العلم الذي انفردت به أمة الإسلام عن سائر الأمم، واستطاعت الدفاع به عن سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، والحفاظ على تراثه مصونا من العبث.

ثم يمضي هذا الكاتب فيقول: " ومعظم أعمال المفسرين يتضمن ابتعادا صريحا عن النص القرآني".وأنا هنا أتساءل: وما علاقة صحيح البخاري بالتفسير؟ لقد كان عمل البخاري هو جمع صحيح الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. أما تفسير القرآن فقد تصدى له علماء آخرون غير البخاري.

والجزء الذي أورده البخاري في صحيحه عن تفسير القرآن هو مجرد تفسير لمعاني الكلمات أو بيان للسياقات التي جاء فيها النص القرآني، وليس تفسيرا للقرآن العظيم أو أحكامه. فلا يوجد في صحيح البخاري أي تجاوز في التفسير.
ثم أورد هذا الكاتب عدة آثار على أنها وردت في البخاري، فيقول: "ورد في البخاري:إن آخر وطأة وطأها الله تعالى كانت بمدينة الطائف".وهذا الأثر لم يرد في البخاري، وإنما جاءت روايات له في مسند ابن راهويه وفي مسند الإمام أحمد، وعلماء الحديث على تضعيفه. وقد ذكر ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" أن مدار الحديث على محمد بن أبي سويد الثقفي، الذي قال عنه الذهبي في الميزان:"لا يُعرف"، وقال ابن حجر في التقريب:"مجهول".
واستشهد هذا الكاتب بأثر آخر، وهو: "إن الرب يطوف في الأرض بعد خرابها وقد خلت عليه البلاد".وقد قال فيه شعيب الأرنؤوطعند تحقيقه لكتاب زاد المعاد لابن القيم: "أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند 4/13-14: وإسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن عياش السمعي، ودلهم بن الأسود، فإنه لم يوثقهما غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل، وأورده الهيثمي في (المجمع) 10/338، وزاد نسبته إلى الطبراني. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في "البداية والنهاية": هذا حديث غريب جداً، وألفاظه في بعضها نكارة‏.‏ وقال الشيخ الألباني في "ظلال الجنة":"إسناده ضعيف".

وأما أثر "إن الله خلق الملائكة من نور صدره وذراعيه"، الذي ذكره هذا الكاتب، فقد رواه البزار والبيهقي. ومدار هذا الحديث على عبد الله بن عمرو بن العاص، والمحققين على أن عبد الله بن عمرو لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إنه أصاب يوم اليرموك وَسْقين من كتب الروم فكان يحدث بما فيها من العجائب، حتى قيل له يومًا: حدثنا بما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا من وَسْقك.

يقول الشيخ جمال المراكبي: "وقد أخطأ الكاتب حين روى هذه الأحاديث الموضوعة دون بيان حالها، وتحذير العلماء منها، مثل قوله: "إن آخر وطئة وطأها الله تعالى كانت بمدينة الطائف". و"إن الرب سيطوف في الأرض بعد خرابها وقد خلت عليه البلاد". و"إن الله خلق الملائكة من نور صدره وذراعيه". وهذه كلها أحاديث موضوعة وضعها الزنادقة، وقيض الله لها أهل العلم فبينوا زيفها وكذبها، ولو رجع الكاتب لأقوال أهل العلم لعلم أنها أحاديث موضوعة مكذوبة لا يحل روايتها، إلا للتحذير منها، فلماذا يطلب تنقيتها وقد نقاها العلماء فعلاً وهو لا يدري"!!

وأما حديث: "إن الله خلق وجه آدم على صورة وجه الرحمن"، فقد ورد في البخاري ومسلم حديث: "وخلق الله آدم على صورته أو هيئته". وقد وردت في هذا المعنى أحاديث كثيرة، يُعلم منها أن الصورة ثابتة لله تعالى، على ما يليق به جل وعلا، فصورته صفة من صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم.

وأما حديث "من بدل دينه فاقتلوه". فحديث صحيح رواه البخاري في صحيحه.

وأما قول هذا الكاتب: "ويقول المولى في كتابه الكريم: (وجاء ربك والملك صفا صفا) سورة الفجر –آية: 22، ويقول البخاري ومسلم وغيرهما: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا الله، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه.والخلل واضح، فهل للمولى صورة عرفها الناس؟وبالطبع لا.وهل يبلغ الاجتراء على الله أنه يأتي عباده متنكرا؟"
وهذا الكلام من الخطأ الواضح ومحاولة تلبيس الأمور على الناس. فالأدلة من السنة قاطعة في عدم رؤية الله في الدنيا. والأغلب أنهم يرون الله تعالى في الآخرة في عرصات القيامة. وهناك عدة وجوه لتفسير الحديث.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون في حديث أبي سعيد الآتي في التوحيد في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة. وفي رواية هشام بن سعد: ثم يتبدى لنا الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة. فأثبتت هاتان الروايتان رؤية لله مرتين. والحديث عن الآخرة وعرصات القيامة، وهذا لا يمتنع أن يراه المؤمنون أكثر من مرة. هذا وجه.

وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح أيضا:ووقع في رواية هشام بن سعد ثم نرفع رؤوسنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فنقول نعم أنت ربنا؛ وهذا فيه إشعار بأنهم رأوه في أول ما حشروا والعلم عند الله. فهذا وجه آخر. وهناك أوجه أخرى ذكرها الحافظ في الفتح فلتراجع هناك.

وينقل أحد طلبة العلم عن الشيخ عبدالله الشهري قوله إن المعرفة لها طرق: أولها، المعرفة بالتجريب، وثانيها، المعرفة بالعلم الضروري، وأخيرا، المعرفة بالهداية والإلهام.

ومعرفة الله بالعلامة التي في الحديث لا تكون بواسطة التجريب، ولا بالعلم الضروري، وإنما عنطريق الهداية والإلهام.مثال: ثبت في الأحاديث أن أهل الجنة يعرفون منازلهم ويقصدونها دون سابق تجربة. كيف عرفوا ذلك؟نقول: عرفوها بالهداية والإلهام من الله تعالى، فهو الذي عرّفهم منازلهم ولذلك قال الله تعالى: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) سورة محمد–آية:6.

قال ابن كثير في تفسيره: أي"يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين. وفي البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خلص المؤمنون من النار،حُبسوابقنطرة بين الجنة والنار،يتقاصّونمظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونُقّوا أُذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده،إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا). وقيل: (عَرَّفَهَا لَهُمْ): أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال".

(25 ابريل 2015م – الموافق 6 رجب 1436هـ)

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية