اطبع هذه الصفحة


علم الساعة

محمد حسن يوسف

 
قال الله تعالى في صدر كتابه الكريم واصفا عباده المتقين: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [ البقرة: 163-166 ] . ومن أمور الغيب التي اختص بها سبحانه وتعالى نفسه علم الساعة، فلم يُطلع عليها أحدا من خلقه. قال تعالى:
o   ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إَِّلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ َلا تَأْتِيكُمْ إَِّلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ َلا يَعْلَمُونَ ﴾ [ الأعراف: 187 ]
o  ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾ [ الأحزاب: 63 ]
o   ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾ [ النازعات: 42 – 44 ].

ولهذا لما سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة – كما في حديث جبريل الطويل – قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ". رواه البخاري. [1] كما روى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى. قَالَ: فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: َلا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا اْلأَمْرَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: َلا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا اْلأَمْرَ إِلَى عِيسَى، فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا، فَلاَ يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إَِّلا اللَّهُ. ذَلِكَ وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ. قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي، ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ. قَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ ".

أما ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في الدلائل عن الضحاك بن زمل الجهني، قال: رأيت رؤيا، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة. فقال صلى الله عليه وسلم: " أما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفا ". فهو موضوع! قال بذلك الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع الصغير.[2] وهذا الحديث هو الذي اعتمد عليه السيوطي في الحاوي للفتاوي، واستدل به على قيام القيامة في نهاية الألف السابعة. وهذا لم يحدث كما هو معلوم.

قال الحافظ ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم: والذي في كتب الإِسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئات من السنين، قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه وتغليطهم، وهم جديرون بذلك حقيقيون به ... وكل حديث ورد فيه تحديد وقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده.[3]
وكما أنه لا يعلم أحد متى تقوم الساعة، فكذلك لا يعلم أحد متى تظهر أشراط الساعة. وما ورد أنه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحدث كذا، فهو ليس بصحيح. فإن التاريخ لم يوضع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما وضعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اجتهادا منه، وجعل بدايته هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

قال القرطبي في التذكرة: إن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة، فلا يعلم أحد أي سنة هي، ولا أي شهر.

أما أنها تكون في يوم جمعة في آخر ساعة منه، وهي الساعة التي خلق فيها آدم عليه السلام. و لكن أي جمعة؟! لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، و كذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يُعلم، و الله أعلم.[4]
 
 
22 من ذي الحجة عام 1426 ( الموافق في تقويم النصارى 22 من يناير عام 2006 ).

------------------------------------------
[1]  صحيح. رواه البخاري (50)، وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2]  ضعيف الجامع الصغير وزيادته، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، 3013.
[3]  النهاية في الفتن والملاحم، الحافظ ابن كثير، ص: 21.
[4]  التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، الإمام القرطبي، ص: 565.
 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية