اطبع هذه الصفحة


القيم البالية

محمد حسن يوسف

 
جاءني أحد الشباب واجما، وأخذ ينظر لي بعينين محملقتين. ثم أخذ يمسح حبات العرق المتساقطة على جبينه، وقال وهو يدافع الكلمات للخروج من فمه من بين أنفاسه المتلاحقة:
- لقد خطبت!!
اندهشت من التناقض البادي بين طبيعة مظهره التي تدعو للإشفاق عليه، وبين حقيقة الخطوة التي قام بها والتي من المفروض أن تدعوه للفرح. ولكني أخفيت دهشتي، وهنأته على الفور، وباركت له. ودعوت الله أن يتمم له مشروع زواجه بخير، وأن يمن عليه بالذرية الصالحة.

ثم بادرته بالسؤال:
- ولكن حالك لا يدل على السرور المفترض من وراء هذا الخبر السار الذي أبلغتني به.
فكر في سؤالي للحظات، ثم أجابني بعد فترة صمت قصيرة:
- في الواقع أنا سعيد وغير سعيد في آنٍ واحد.
اندهشت أكثر من إجابته التي جاءت موافقة لما دار بداخلي. وزاد فضولي لمعرفة الموقف على حقيقته وبكافة أبعاده. لذا فقد سألته:
- هل هذا لغز؟ ما الذي حدث؟!!
تنهد الشاب وأخرج زفرة من صدره جمعت كل ما يختلج في نفسه من مشاعر متناقضة، ثم بدأ في سرد تفاصيل القصة:
- لقد تقدمت لإحدى العائلات لكي اخطب ابنتهم. وافقت العائلة بعد عدة صولات وجولات لتحديد التبعات المنوطة بكل منا للقيام بها، فأنا كما تعرف ما زلت في بداية حياتي. واستطعت الوصول بالمتطلبات المطلوبة مني إلى الحد الذي يمكنني القيام به. ولكن من حين لآخر تظهر بعض العقبات والعراقيل التي تسد الطريق أمامي. وآخر هذه العقبات، إصرار أهل العروس على أن تخلع ابنتهم الحجاب في الفرح، ويسوقون لتبرير ذلك عدة حجج: منها أن أهلها يريدون أن يفرحوا، وأنهم يريدون أن تبدو ابنتهم وكأنها ملكة جمال، ومنها أنهم لا يريدون زوجا متزمتا بل عصريا، ومنها أن أهلنا كانوا يفعلون ذلك، إلى آخر هذه الحجج الواهية.
وفي واقع الأمر لقد كانت صدمتي كبيرة أن أجد أن هناك من الناس من لا يزالون يفكرون بمثل هذه العقلية.

لقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ ] الجاثية: 23 [ . فإذا كان الناس يتحاكمون إلى عقولهم، فهي والله الهاوية. لقد أنزل الله سبحانه القرآن ليكون حكما بين الناس في حالة اختلاف وجهات نظرهم. فإذا ما نحى الناس هذا القرآن العظيم وبدأوا في التحاكم إلى الهوى، فهذا هو الضلال والخسران المبين.
كيف يُقدم كائنا من كان فرحته على شيء أمر الله تعالى به. ولماذا الإصرار على كشف زينة البنت أمام الناس، لكي تلفت أنظارهم، الأمر الذي يتباهى به الأهل بعد ذلك. وهل أصبحت العصرية مرادفا لنقض تعاليم الإسلام؟ وإذا كان الإسلام قد جاء ليقضي على العادات المرذولة التي كان يفعلها الآباء، إلا أننا أصبحنا نتحاكم الآن إلى هذه العادات والقيم البالية، ونجعل منها حجة على تبرير أفعالنا، مهما كان خطؤها.

انظر إلى القرآن وهو يحكي عن الأولين ملخصا القصة: ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ] الزخرف: 23 [ . وانظر إلى رد الله عليهم: ﴿ قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ﴾ ] الزخرف: 24 [ . ومن عجب أننا في أيامنا هذه أصبحنا نحتاج مثل هذه الآيات للرد على ناس من قومنا، يدينون نفس ديننا، بعد أن كانت هذه الآيات تستخدم للرد على المشركين ودحض حججهم.

لقد تعلق كثير من الناس بمظاهر الدنيا، وآثروا فتنها على خلود الآخرة. ومن عجب أن جهلهم صّور لهم أنهم بهذا يتبعون سنن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم بذلك يكونون من أصحاب الرأي الوسط. وللأسف فهم يجرون في ذلك وراء طائفة من غلاة الفكر الإباحي والإرجائي، الذين يتمتعون بكافة متع الدنيا، بما أصبح من المقبول لديهم التضحية بنعيم الآخرة في مقابل ذلك. أما هذه الفئة المتبعة، فللأسف فقد خسرت كل شيء. لقد سارت على نهج هذه الفئة المنحلة، ولكنها لم تصل في الدنيا لمثل المتع التي استطاعوا تحقيقها. كما أنهم قد يخسروا بذلك الآخرة، بعدم إتباعهم لسنن دينهم والالتزام بتعاليم ربهم.

إنني أرجو من الآباء عدم المغالاة في متطلبات زواج بناتهم، وأن يعملوا على تيسير سبل الزواج أمام الشباب، في ظل الظروف القاسية التي أصبح يواجهها الشباب في أيامنا الراهنة. كما أدعوهم للتخلي عن القيم البالية التي يريدون الحفاظ عليها، وأن يفسحوا الطريق أمام سنن الإسلام لكي تأخذ طريقها في أفراحنا. علينا العودة إلى إحياء هذه السنن، التي تمتاز بالبساطة، وعدم إتباع التقاليد الغربية الوافدة علينا، والتي لا تمت لديننا بأية صلة. ولنكن دائما على يقين من أنه ما قامت بدعة إلا على أنقاض سنة.

أما بالنسبة للبنات، فعليهن أيضا دور. وهو ألا يقفن سلبيات من هذه الأمور. فعلى البنات عدم طاعة أولي الأمر في المسائل التي فيها معصية للخالق سبحانه وتعالى. ويمكن لهن مراجعة أولي الأمر مرة ومرات في المسائل التي تتصل بالحجاب واللباس. وعليهن العض بالنواجذ على أمور الدين، وعدم التهاون فيها.

فإذا كانت البنت على يقين من أمر ربها بالحجاب، فعليها ألا تخلعه طاعة لأي مخلوق كان، وإلا أصبحت مفرطة في هذا الأمر، تبيع آخرتها بدنيا غيرها. وصدق قول القائل: أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره.

2 من رمضان عام 1427 ( الموافق في تقويم النصارى 25 من سبتمبر عام 2006 ).

 

محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية