اطبع هذه الصفحة


التأصيل الليبرالي لشتم المقدسات

إبراهيم بن محمد الحقيل


بسم الله الرحمن الرحيم


تضع القوانين الغربية الحرية الدينية جزءاً من حرية الرأي؛ لأن مشرعيها يرون أن الدين لا يعدو أن يكون رأياً رآه صاحبه فدان به، وهذا مبني على نظرتهم العلمانية تجاه الأديان في أن الحق فيها خفي، أو أنه لا يوجد فيها حق وباطل، أو أن الحق متعدد فيها، فالتدين شأن روحي يميل له الفر د فأعطي حريته فيه.

ولذا فإن الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان تضع من القيود على الحرية الدينية ما يتشابه في صياغته مع القيود المفروضة على حرية التعبير، فحرية ممارسة الفرد لدينه يمكن أن تخضع فقط لقيود مفروضة في إطار القانون وضرورة حماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين.([1])

ففي المادة (18) فقرة (3) من الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمد عام 1966م: لا يمكن لحرية إظهار الدين أو القناعات أن تكون مقيدة إلا بالقيود التي يضعها القانون والتي هي ضرورية لحماية الأمن والنظام والصحة العامة أو لحماية الأخلاق والحريات والحقوق الأساسية للآخرين.([2])

وجاء نحو ذلك في الفقرة (2) من المادة (9)من المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان.([3]) أما في الميثاق الأفريقي فهي مقيدة بالمحافظة على النظام العام.([4])

إذن فالتشريعات الوضعية الغربية ليست معنية بحماية العقائد والديانات من التجديف([5])-حسب المصطلح الغربي- وإنما هي معنية باحترام رغبة الفرد في التدين، وهذا مبني على نظرتهم للإنسان بأنه مركز الكون، فالإنسان أهم من الإله ومن الدين، وهو ما ينادي بالأخذ به الليبراليون السعوديون تصريحا أو تعريضا؛ ولذا يكثر حديثهم عن الإنسان والقيم الإنسانية؛ حتى صارت فضائل الأخلاق تنسب للإنسان فيقال هذا تصرف إنساني، والرذائل تنفى عنه فيقال هذا تصرف غير إنساني، ولا تنسب للدين، وكثرة تناول ذلك في الإعلام جعله ينتشر في استعمالات الناس، ويجري على ألسنتهم دون قصد.

والفرق بين احترام الدين واحترام حق الفرد في التدين كبير؛ إذ إن أي شتم للدين أو إهانة له أو تشكيك فيه، أو قدح في حكم من أحكامه؛ يدخل ضمن إطار حرية الرأي فيسمح به، والتشريعات الغربية في حرية العقيدة لا تجعل قيداً على أي شيء من ذلك إلا إذا أدى إلى تحريض يشكل خطراً على أصحاب عقيدة ما، أو يحول بينهم وبين ممارسة شعائرهم. وأحياناً يوجد في التشريعات الغربية قوانين تمنع نشر الكتب التي تحوي تجديفاً لكن نادراً ما تستخدم، وبعض الدول مثل السويد واسبانيا ألغت قوانين التجديف، وفي أمريكا تهاجم المحكمة العليا بضراوة أي تشريع يحظر التجديف؛ لأنه ليس من شأن الحكومة أن تمنع تهجماً حقيقياً كان أم وهمياً على مذهب ديني معين.([6])

يقول د.آجنس كالامارد: إنه لا يوجد دليل فعلي على أن الحق في الحرية الدينية كما يفهم من المعايير الدولية يخدم أو يصان على نحو أفضل من خلال قوانين التجديف، فالحرية الدينية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان لا تتعلق على سبيل المثال باحترام الدين، وإنما باحترام حق الناس في ممارسة الدين الذي يختارونه، فهل تقلص المقالات المسيئة من قدرة متبعي الأديان على ممارسة معتقداتهم والتعبير عنها؟ هذا أمر مشكوك فيه بالمرة.([7])

والمحكمة الأوربية واضحة في قراراها الخاص بأن الحق في الحرية الدينية لا يوجب على الدول سن قوانين تحمي المتدينين من الإهانة أو التهجم...ولذلك لم تتخذ المحكمة الأوربية أية إجراءات ضد إحدى الصحف لما نشرت صورة للمسيح ومريم وهما يرتديان أقنعة غاز،([8])وكذلك في الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي ^ رأت أنها من حرية التعبير، وهذا ينسجم عندهم مع مفهومهم لحرية العقيدة.

ولذلك فهم يلحون على وجوب صياغة القيود فيما يتعلق بحرية الدين بطريقة تظهر بوضوح أن هدفها الوحيد هو حماية أفراد يحملون آراء ومعتقدات معينة -دينية كانت أم غيرها- من العداء والتمييز والعنف، وليس حماية نظم عقائدية أو أديان أو مؤسسات من النقد.([9])

وهذه قضايا في هذا الشأن تبين التناقض والانتقائية الغربية:

1- أعلنت المحكمة الأوربية في قضية (أوتو بريمنجر) المتعلقة بفيلم يستهزئ بالمسيح والعشاء الأخير، الموافقة على إجراء السلطات في النمسا مصادرته لتحقيق السلام لديني والحيلولة دون شعور بعض الأفراد بالتعدي على معتقداتهم الدينية بصورة غير مبررة ومهينة، وعليه فليس ثمة انتهاك لحرية التعبير.([10])
2-رفضت السلطات البريطانية السماح بتوزيع أشرطة فيديو لفيلم (رؤى النشوة) الذي يصور المسيح عليه السلام على الصليب في صورة جنسية؛ بحجة أنه يؤدي إلى غضب المتعاطفين مع المسيح.([11])
3- تقدم مدعٍ بشكوى للمحكمة الأوربية مضمونها أن التشريع البريطاني الذي يقضي بالحماية ضد ازدراء المقدسات الدينية لا يشمل سوى الديانة المسيحية فقط، وبالتالي لا يمكن له أن يتقدم بشكوى حول كتاب آيات شيطانية لسلمان رشدي، باعتباره عملاً يزري بالمقدسات الإسلامية، ومع ذلك رأت المحكمة الأوربية أن التشريع البريطاني لا يقوم على التمييز.([12])
4- رفضت شرطة كوبنهاجن توجيه الاتهامات ضد تصريح جاء فيه أن الإسلام يعتبر وباءً ديكتاتورياً يخيم على أوربا، والعلة في رفضهم: أن هذه التصريحات جاءت متعلقة بعقيدة الإسلام وليس بالمسلمين أنفسهم.([13])
5- صدر حكم عن المحكمة الدانماركية جاء فيه: أن عبارة:(إن الإسلام لا يعتبر ديناً بالمعنى التقليدي ولكنه منظمة إرهابية تسعى إلى السيطرة على العالم من خلال العنف) بأنها عبارة موجهة ضد الدين الإسلامي.
فهذه القضايا تبين أن الغرب إن توجهت السخرية لما يقدسونه حظروها بحجة أن فيها إيذاء لمن يدينون بذلك، وأما إن توجهت السخرية لمقدسات غيرهم عدوا ذلك من حرية الرأي، وأن نقد الدين لا مانع منه، وهو ما يتكئ عليه الليبراليون العرب.
ولا أريد إطالة المقال بذكر أمثلة أخرى، ومن أراد المزيد من الأمثلة على الازدواجية الغربية فيما يتعلق بقوانين ازدراء الأديان فعليه بمقال: حرية التعبير في الغرب الحقيقة والوهم، د.أحمد محمد الدغشي، مجلة البيان، عدد:222، ففيه أمثلة كثيرة غير ما أوردته في هذا المقال.
وبهذا يتبين أن الليبرالي الغربي يحترم دين قومه وإن لم يؤمن به، أما الليبرالي السعودي فيشتم دين قومه مع ادعائه أنه يؤمن به!!

الاثنين 21/3/1433هـ


-----------------------------------
([1]) ينظر: حرية التعبير والازدراء الديني، د.آجنس كالامارد، مجلة إيكوال فويسيس الصادرة عن المركز الأوربي لمراقبة العنصرية والكراهية، عدد: 18، 2006م، والأديان وحرية التعبير، إشكالية الحرية في مجتمعات مختلفة مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مصر، الأولى، 2007م ص: 41
([2]) المصدر السابق: 39. ومدخل تاريخي لدراسة حقوق الإنسان، د.محمود سلام زناتي، ط: الأولى 1987م ص258-260.
([3]) المصدر السابق: 118.
([4]) الحماية الدولية لحقوق الإنسان، نصوص ووثائق، الطبعة العربية، باتريس رولان، وبول تافيرنييه، تعريب د.جورجيت الحداد، منشورات عويدات، بيروت، الأولى 1996م، ص: 170.
([5]) التجديف مصطلح نصراني يعني: الشتيمة، ويقصد بها في كتبهم المقدسة عندهم: كلام غير لائق في شأن الله تعالى وصفاته، ويذكرون من أنواع التجديف الطعن في معجزات المسيح عليه السلام، وينسبون إلى شريعة موسى عليه السلام أن عقاب التجديف فيها الرجم. ينظر: قاموس الكتاب المقدس، تأليف نخبة من الأساتذة ذوي الاختصاص ومن اللاهوتيين، هيئة التحرير: د.بطرس عبد الملك، ود.جون الكساندر طمسن، وإبراهيم مطر، دار مكتبة العائلة، القاهرة، ط14، 2005م، ص:253. وفي فهرس الكتاب المقدس ذكروا ثلاثة عشر نصاً من أناجيلهم فيها ذم التجديف: 99.
أما عند علماء المسلمين فينقلون فيه أثراً عن كعب الأحبار أنه قال:«شر الحديث التجديف« رواه أبو عبيد في غريب الحديث: 4/342، وأبو بكر السامري في فضيلة الشكر لله على نعمته:70، رقم (105) والبيهقي في الشعب: 4/131، رقم (4555) وعزاه السيوطي في الدر المنثور للخرائطي: 1/374.
ونقل أبو عبيد في معناه عن الأصمعي قوله: التجديف هو الكفر بالنعم. وعن الأموي: هو استقلال ما أعطاه الله تعالى. وقال ابن قتيبة: التجديف: الكفر بالنعم، وهو: تنقصها واستصغارها. غريب الحديث:3/735. وينظر: تهذيب اللغة: 10/354، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 1/247.
([6]) ينظر: الأديان وحرية التعبير، إشكالية الحرية في مجتمعات مختلفة: 42، والدكتور آجنس هو رئيس هيئة (19) التي أخذت اسمها وهدفـها من المـادّة التاسعة عشرة من الإعـلان العـالمي لحقوق الإنسـان وحرية الرأي والتعبير، وهي هيئة حقوقية غير حكومية.
([7]) ينظر: الأديان وحرية التعبير، إشكالية الحرية في مجتمعات مختلفة: 44.
([8]) المصدر السابق: 44.
([9]) المصدر السابق: 44.
([10]) المصدر السابق: 58.
([11]) المصدر السابق: 59.
([12]) المصدر السابق: 61.
([13]) المصدر السابق: 71.


 

إبراهيم الحقيل
  • مقالات
  • كتب
  • خطب
  • الصفحة الرئيسية