اطبع هذه الصفحة


أين الله ؟!

أبوأنس-حسين بن سعيد الحسنية
@h_alhasaneih


بسم الله الرحمن الرحيم

يعجب المبتلى والمصاب من نفسه حينما يسعى باحثاً لمن يخرجه من مصابه ومشكلته، أو يتنقل من مشفى إلى آخر، ومن طبيب إلى مداو، علّه يجد العلاج الذي يريحه من تفكيره السلبي، أو مرضه العضوي، أو النفسي، أو يسأل قريبه أو جاره أو صديقه عن الحلول التي تعينه على إنهاء ما هو فيه من ألم ومعاناة، أو يستشير مختص نفسي، أو مرشد أسري، أو مصلح اجتماعي علّ ما سيضعه بين أيديهم من همومه التي يحملها في صدره تخفف عنه أو تنسيه بعض ما يشعر به.

وإذا تأملت في حال هذا المبتلى أو المصاب تجده علق آماله بالمخلوقين، راكناً عليهم في ما يهمه ويعتقده، معتقداً أنهم سيخرجونه من دائرة البلاء أو المصاب بقوتهم، أو قدرتهم، أو ذكاؤهم، أو علاقاتهم، وما علم أنهم خلق من خلق الله، ليس لهم من الأمر شيء، وليس في استطاعتهم إحداث أمر أو معالجة ألم أو تفريج هم إلا بإذن الله تعالى، فهو المدبّر سبحانه وتعالى، وهو من يشفي ويعافي ويمنع، ويكشف الغم، ويفرج الهم، وينفس الكرب، ويقضي الحاجات سبحانه وتعالى.

لذا فإن على المؤمن أن يتعرف على ربه سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا عرف ربه حق المعرفة التجأ إليه صادقاً في اموره كلها، خاصة حين البلاء والكرب، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم " وفي الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اكربه امر قال: " يا حي يا قيوم برحمتك استغيث "، وفيه أيضاً عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا همه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: " سبحان الله العظيم ".

ومن معرفة العبد المبتلى لربه استشعاره بأنه الملاذ من كافة الشرور والكروب والفتن، وأن في القرب منه جل وعلا الأمن والاطمئنان، مع التذلل والخضوع وصدق اللجأ والاعتراف بوحدانية التوجه إليه بالعبودية الحقة الخالصة، عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت " رواه أبو داود، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: " دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له ".

وفي حديث عظيم شمل ما قد يصيب الانسان كالهم، وهو ما يخشاه في مستقبله ويهمه، والحزن على ما كان في ماضيه كفوات مصلحة أو حصول مكروه أو تذكر حدث، والغم هو ما ينتج على مكروه حاصل حاضر في الحال، يعلمنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم كيفية علاج ما تقدم بكلمات عظيمة، ودعوات جليلة، السعيد فعلاً من أخذ بها، وزالت بسببها كل مصيبة وبلاء، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَا أَصَابَ مُسْلِمًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أُمَّتِكَ، نَاصِيَتِي فِي يَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَ لَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَجًا "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَعَلَّمُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ ".

إن مثل هذه الأحاديث العظيمة تبين تماماً حجاة العبد لربه جل وعلا، خاصة في زمن البلاء والكرب والفتنة، وتجعله على قرب منه وهذه والله من فوائد المكائد، ومن منح المحن، ومن الوهايب في المصائب، قرب العبد من ربه، وصدق لجأه به، واستشعاره بأنه هو الذي قضى وقدر.

بشرط أن يعي هذا العبد قيمة القرب من الله، وحقيقة الصدق معه، وثمرة اللجأ به، فلا يكون ذلك كله مؤقتاً حال البلاء والكرب؛ بل يكون في جميع الأحوال والأزمان والأحداث، وأن يبحث عن المواطن التي يجد فيها ربه، وعن الأشخاص الذين يذكرونه بخالقه، وعن الأسباب التي تزيده خضوعاً وخشوعاً لله جل وعلا.

ليس هناك ما يمنع العبد أن يبحث عن الدواء، أو الفرج، أو الحل عند غيره من المخلوقين، لكن لا بد أن يسأل نفسه: أين الله؟ ما دام أنه المعافي من البلاء وإليه تعود كل الأمور وبيده تتغير الأشياء.

" أين الله؟ "، ما سأل عبدٌ نفسه هذا السؤال وسعى في البحث عن إجابته، إلاّ وقد وجد الله عنده قريباً منه مطلّعاً على أمره كافياً له من كل سوء وشر وبلاء وفتنة.


سَهِرَت أَعيِنٌ وَنامَت عُيونُ --- في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ
فَاِدرَأِ الهَمَّ ما اِستَطَعتَ عَن --- النَفــسِ فَحِملانُكَ الهُمومَ جُنونُ
إِنَّ رَبّاً كَفاكَ بِالأَمسِ ما --- كانَ سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ
( الشافعي )


 

حسين الحسنية
  • مقالات
  • كتب
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية