اطبع هذه الصفحة


الزيارة المنسيَّة

أبوأنس-حسين بن سعيد الحسنية
@h_alhasaneih


بسم الله الرحمن الرحيم


إنّ من أعظم ما يُذكِّر بالله وبالدار الآخرة، ويكون سبباً في رقّة القلب، وانكسار النفس، هو ما أُسميه بالزيارة المنسيّة، وهي زيارة المؤمن لإخوانه الذين في قبورهم تحت الأرض، وقد أصبحوا مرهونين بأعمالهم، وقد أفضوا إلى ما قدّموا وعملوا في دنياهم.

قال الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – في معرض إجابته عن سؤال عن فضل زيارة المقابر، وكيفيتها، وآدابها، قال رحمه الله: زيارة القبور سنَّة مؤكّدة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من التذكير بالموت، والتذكير بالآخرة، والسنَّة أن يزورها المؤمن بخشوع، ورغبة في الآخرة، وقصد للإعتبار والذكر، ورحمة الأموات، والدعاء لهم لقوله عليه الصلاة والسلام: " زوروا القبور فإنها تذكّركم الآخرة "، وكان عليه الصلاة والسلام يزورها من وقت إلى آخر، في الليل والنهار، يزورها ويسلّم عليهم عليه الصلاة والسلام، ويدعو لهم، ويقول: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، يغفر الله لنا ولكم ".

ولقد غفل كثير من الناس عن هذه الزيارة، وتعمد بعضهم عدم القيام بها؛ إمّا لخوفه من هذه المقابر، أو أنّ زيارتها تسبّب له الضيقة والكدر، وإما لانشغاله بدنياه وغير ذلك، والأصل زيارتها؛ لما ذكر في تلك الزيارة من فضائل على المؤمن الزائر لها.

وأقول هذا الأمر وأنا أتحدث عن الابتلاءات وأثرها في حياة المؤمن، وهو أن زيارة المقابر تذكّر الزائر بالموت، فإذا استشعر أن نهايته الموت، وأنه سيصبح يوماً من الأيام من ساكني هذه القبور، عندها يهون كل أمر عسير في صدره، ويذوب كل مبتلى في نفسه، وأصبح يفكر في ما هو أعظم من ذلك كله، وهو الموت، وكيفية الاستعداد له، والاستعداد أيضاً لهذا القبر، والذي هو المنزل القادم الحقيقي الذي لا مناص منه البتّة، وجرّب بنفسك فإذا ضاقت عليك يوماً ما الدروب، وتكالبت عليك الخطوب، وتجمعت عليك الكروب، فارتحل مركبتك، وتوجه إلى المقابر، هدفك من تلك الزيارة هو أن تخفف على نفسك من تلك الهموم التي تحملها، والآلام التي تعانيها، ثم قف مطالعاً لها، واسأل نفسك ما هي تلك الخطوب والكروب أمام الموت، وسكنى هذه القبور؟ لِما أضيّق على نفسي في دنياي بما أحمله من هموم ومعاناة وآلام، وهناك ما هو أهم منها أحمله واهتم به وهو الإستعداد للموت وسكنى القبور؟ لماذا أقاطع واخاصم وأهجر أرحامي وأبناء مجتمعي وإخواني في الإسلام، وأنا أعلم أني بحاجة ماسة لدعاء أحدهم إذا أصبحت في قبري، لا أقوى على قول كلمة أو فعل شيء؟ لماذا أحزن واشقى واتعب من أجل الدنيا ومصالحها، التي ستنتهي فور انتهاءها، أو انقطاعي أنا عن الدنيا، وسكني هذه القبور؟

إنها أسئلة مهمّة وجديرة بالاهتمام خاصة وانت ترى القبور وتعلم أنّها قد حوت إخوانك الذين أصبحوا فيها، لا حِراك لهم، ولا رجوع لهم إلى هذه الدنيا القصيرة.

إنّ من يتذكّر الموت تهون عنده كل مصيبة، ومن يتذكّر إخوانه ساكني القبور تصغر في عينه كل عظيمة، وإنّ المحروم فعلاً من أشغلته الدنيا بكل ما فيها من لذات ومتاع عن الآخرة، ومن انهزم أمام مصائبه وابتلاءاته؛ لأنه لم يتذكّر الحدث الخطب، والمُصاب الجلل، وهو الموت وما بعده.

فيا شاكي الهم، و يا ناعي الغم، و يا أسير الدّين، و يا رهين المرض، و يا صريع الخوف، و يا ساهر السجن، تذكر عن مُصابك المصاب الأعظم، وهو الموت وما بعده، لتعلم أن لكل بلاء نهاية، ولكل مصيبة خاتمة، ولتزداد ثباتاً أمام ما تعانيه من بلاء وفتن، وليقوى بأسك في دنياك استعداداً لآخرتك، ولتحتسب ما ابتليت وأصبت به عند ربك، فيكون سبباً في أن يخفّف عليك سكرات الموت، أو سبباً في أن يغيّر لك قلبك، أو سبباً في أن يؤمّنك ربك يوم الفزع الأكبر، أو سبباً في أن لا يطول وقوفك يوم الحساب، أو سبباً في أن تشرب من كف الرسول صلى الله عليه وسلم شربة لا تظمأ بعدها أبداً، أو سبباً في ثباتك على الصراط حال مرورك عليه وهو فوق جهنم، أو سبباً في أن تكون من أهل الجنَّة، جعلني الله وإياك من أهلها.

زوروا القبور؛ فإنها تعينكم على ثباتكم على العبادة والطاعة، وعلى صبركم على البلاء والشدّة، وعلى تذكركم الحال والمآل.


انتهى



 

حسين الحسنية
  • مقالات
  • كتب
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية