اطبع هذه الصفحة


من مِنَحِ المِحَنْ

أبوأنس-حسين بن سعيد الحسنية
@h_alhasaneih


بسم الله الرحمن الرحيم


1. أن المؤمن يتعرف على ربه، ويقرب منه أكثر، ويمد بينه وبينه روابط الإتصال، وجسور التواصل كالذكر، والاستغفار، والشكر، والحمد، والتهليل، وقراءة آيات كتابه العزيز، وبناء الأسرار بالعبادات الخفية، وإظهار شعائر الله؛ بالاستقامة الجادة، والايمان الصحيح، والعقيدة الحقة.

2. أن المؤمن يدرك قيمة وقته وحياته، فيسخرها كلها للطاعات والعبادات؛ فإذا أصابته المحنة أو البلاء، راجع نفسه، وأدار وقته، وكيّف حياته بالشكل المناسب الذي يجعله مستفيداً من وقته حال بلاءه، ويدرك أيضاً أن ما بعد البلاء فرج وعافية، فيبني وقت بلاءه، لينعم بوقت عافيته، وكذلك يدرك أنه معرّض للفتن والمصائب، فيجهز في وقت عافيته لما يثبته في وقت بلاءه.

3. أن المؤمن يكون أكثر تدبراً وتأملاً، ومن ذلك تدبره في حال الأقوام الذين سبقوا، كيف كان مآلهم وعاقبتهم لمّا هم ظلموا وطغوا وتجبّروا وافتتنوا بحياتهم الدنيا، ومن ذلك أيضاً تدبره في حال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين ابتلوا في دعوتهم، وعانوا من أقوامهم، وأُصيبوا من أجل دينهم في أنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وأقوامهم، ومن ذلك تدبره في حال السجين الذي حُرِم من حريته، فيتذكر ما يعيش فيه من حرية وحركة، وحال المريض الذي أقعده المرض، وأضناه الوجع، فيتذكر صحته وعافيته، وحال المهموم الذي أسره همّه، واتعبه حزنه، فيتذكر سعادته بطاعة ربه، وحال الغريب الذي أهلكه فراق أهله، ووطنه، فيتذكر عيشه بين أسرته، وفي طنه.

4. أن المؤمن يعرف أصدقاءه الأوفياء الذين وقفوا معه حال بلاءه وكربته، وكيف قدموا الغالي والنفيس؛ من أجل خروجه من مأزقه وعافيته من بلاءه، فمنهم من قدّم نفسه، ومنهم من أرخص ماله، ومنهم من ضحى بوقته، كل ذلك من أجل صديقهم المبتلى، وأخاهم المكروب، ومن الأصدقاء من لم يسعه إلا الخلق الجميل، والكلمة الطيبة، التي تخفف من حجم الألم والمعاناة، ومن الأصدقاء من ذب عن العرض، ودافع عن صاحبه حال غيابه، متى ما سمع الشامتون يتحدثون عن بلاء صديقه، أو الساخرون بمحنته وكربته، وفي المقابل يعرف أيضاً اعداءه الذين تمالوا عليه، وحاكوا الخطط لإضعافه، أو تدميره، أو سحقه، والذين لا همّ لهم إلا إطلاق التهم والشتائم عليه، دون دليل واضح، أو اثبات ظاهر، واعداءه الذين كانوا معه حال صحته وعافيته وسلامته، فلمّا أصيب بالمحنة أو البلاء تخفّوا عنه؛ كالجرذان القذرة الصغيرة إذا ولجت الى جحورها، وهربوا منه كهروب الصراصير النتنة إلى مستنقعاتها الموبوءة، ومن الأعداء أيضاً من يستشفي بصاحبه إذا ابتلي في كل مجلس، ومجمع، ومنتدى.
فإذا عرف كل أولئك أثنى على الله وشكره؛ لما عرفته المحن بأصدقائه الافياء، وبأعدائه الأشقياء.

جزى الله الشدائد كل خير ---وإن كانت تغصّصني بريقي
وما شكري لها حمداً ولكن  --- عرفت بها عدوي من صديقي
 

5. أن المؤمن يستفيد من بلاءه ومصابه في توسيع مداركه المعرفية، وصقل مواهبه العلميّة، وتدريب جوارحه المختلفة، فالبلاء يجعل المبتلى يفكر ويتأمل، وتجبره بعض المصائب على أن يتعلم ويتقن، فتظهر طاقات لم تظهر لولا تلك المحنة أو الفتنة، وتخرج مهارات وإبداعات ما كان لها أن تخرج لولا الحاجة إليها حال المصاب والبلاء، فكم من أعمى أبصر من بصير، وكم من مريض أصح من صحيح، وكم من سجين أشهر من حُر، وكم من غريب أكثر استقراراً وطمأنينة من حاضر بين أبناءه وأفراد مجتمعه، وكم من مديون أغنى من غني وموسر.

6. أن المؤمن حال محنته وبلاءه ينكسر قلبه لله، وتزول كل معاني وصور الكبر والفوقية والتعالي من قبله، وترق العيون فتدمع، وتخضع الجوارح فترتعد، ويخضع القلب فيخشع فيبتعد عن الشيطان ومصائده، ويترفع عن مزالق الهوى، ومستنقعات الرذيلة، ومهاوي الردى، وبيئات الباطل، ورد أن موسى عليه الصلاة والسلام، سأل ربه تعالى يوماً فقال: " أين أجدك؟ قال عز وجل: " عند المنكسرة قلوبهم فإني أدنو منهم كل يوم قيراطاً ولوا ذلك لا نصدعوا "

 

حسين الحسنية
  • مقالات
  • كتب
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية