اطبع هذه الصفحة


من أدب المقاومة..
المذعور..! (قصة قصيرة)

خالد عبداللطيف

 
صعد إلى الحافلة، تعلو قسمات وجهه ملامح مضطربة غامضة، بدا غريباً مريباً، لم يجلس.. مع أنَّ بعض المقاعد خالية، أخذ يتأمل بتمعن في وجوه الركاب بأعين واجفة، حريصاً كل الحرص على ألا يثير انتباه أحد منهم، حتى أتى على جميع من في الحافلة فحصاً وتمحيصاً؛ رجالاً ونساءً، حتى الأطفال، بل خصَّهم بمزيد فحص وتمحيص (فمعظم النار من مستصغر الشرر)!

حتى السائق نفسه لم يسلم من ظنونه وهواجسه! (من يدري؟!)..

تابع مراقبة تحركات ركاب الحافلة وتصرفاتهم، وبخاصة حركات الأيدي.. التي قد تكون إحداها في جسد ملغّم يتخفى في ثياب يهودية!! بعض الوجوه مرَّ عليها مروراً خفيفاً، ووجوه أخرى تمعَّر لها وجهه وارتاب فيها وتوقف عندها أكثر، بينما يدور في رأسه شريط ذكريات الأمس القريب... هجرة الوطن والعائلة والرفاق.. إلى مستوطنات الرعب والأشباح في "إسرائيل"، ولعنة هؤلاء الذين يتخفون في هيئات شتى، ويفجرون أنفسهم وعشرات معهم أينما يريدون!

لم يستفق من تأملاته المتتابعة إلا على وَجْهٍ استوقفه وأثار ريبته.. اعترته رعدة، حاول أن يتماسك، أحسَّ بشرر يتطاير من هاتين العينين يوشك أن يحرقه! لوى عنقه ملتفتاً إلى الاتجاه الآخر قبل أن تلتقي عيناه بعينيه، أخرج منديلاً من جيبه.. جفَّف عرقاً غزيراً متصبباً على وجهه، ومرَّت عليه ثوان كأنَّها ساعات، تتنازعه أفكار ومخاوف.. أحقاً يكون هذا الرجل قد أتقن التخفي إلى هذا الحد؟! كأنَّه من جلدتنا! لا أدري! أياً كان الأمر لا بدَّ من تصرف عاجل.. هاهو يعبث بأزرار سترته.. يا إلهي! إنَّه يمد أصبعاً بخفة ودون أن يشعر أحد إلى داخل سترته البنيّة.. إنَّها اللحظة الحاسمة.. النجاة النجاة!!

جلبة وضوضاء في الحافلة.. أصوات مختلطة.. قلق على بعض الوجوه وصمت.. دهشة على وجوه أخرى.. أوقف السائق الحافلة..

صاحب السترة البنية (من هاتفه النقال): "آلو.. الشرطة؟ معك"ديفيد بنيامين".. أحدثكم من الحافلة رقم (17) في قلب "تل أبيب".. أحد الركاب (يبدو أنَّه مختل عقلياً) ألقى بنفسه فجأة من نافذة الحافلة أثناء سيرها"!

 

خالد عبداللطيف
  • إصلاح البيوت
  • نصرة الرسول
  • زغل الإخاء
  • استشارات
  • أعمال أخرى
  • الصفحة الرئيسية