اطبع هذه الصفحة


زغل الإخاء..! (3)... أكذب الحديث !

خالد عبداللطيف


قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات.. في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
مدارها: شوائب تكدّر الصفاء، وتشوّه وجه الإخاء!
ومدادها: قطرات ندى للأخلاّء.. وعبرات من عيون الأوفياء!

قبسـات
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...} (الحجرات: 12).
وقال جل وعلا: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا...} (النور: 12).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً" (متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه).

مـد وجزر..!

إنها "الغيبة الخفية"... وما خفي يكون - في كثير من الأحيان - أشد خطراً، وأبلغ ضررا!
فالظاهر يُعلم؛ فيحذر منه ويُتوقى!
لكن المستتر يُضمر؛ فيكون أشد وأنكى!
أرأيت إن تربص بك عدوان: أحدهما يواجهك بالعداوة ويطلب النزال؛ فيما يخفيها الآخر ويدسها بين جوانحه، فأيهما أشد خطرا؟!
وإنه "أكذب الحديث".. كما وصفه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم؛ فما الظن بما يخبرك به أكذب الحديث؟! لذا أوجب الحكيم الخبير جل جلاله علينا اجتناب كثير منه؛ وإنْ كان بعضه قد يوافق محله!
وفي هذا ابتلاء لقلوب المتقين، ومد وجزر بين ظن ويقين، وامتحان للإخاء مبين!
فطوبى لمن ألجم نفسه بأمر التنزيل فاجتنب منه الكثير، وألهمه الله من السداد ما يفرّق به بين الحق والباطل في هذه المحنة المستمرة التي تغشى القلوب ليل نهار بعدد الأنفاس!

معالم وحدود..!

وما بين حديث نفس عارض، وبين ظن سوء رابض، يضيء الإمام النووي رحمه الله معالم الحق على هذا الدرب، ويضع حـدودا فاصلة تعين المسلم وتهديه إلى اجتناب ظن السوء بأخيه!
قال رحمه الله:
"اعلم أن سوء الظن حرامٌ مثل القول، فكما يحرم أن تُحَدِّث غيرَك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدث نفسك بذلك وتسيء الظن به، قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ..}، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث"، والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة. والمراد بذلك: عقد القلب وحكمه على غيرك بالسوء.
فأما الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل".
قال العلماء: المراد به: الخواطر التي لا تستقر. قالوا : وسواء كان ذلك الخاطر غيبة أو كفرا أو غيره، فمن خطر له الكفر مجرد خطر من غير تعمد لتحصيله، ثم صرفه في الحال، فليس بكافر، ولا شيء عليه .
وسبب العفو ما ذكرناه من تعذر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراماً، ومهما عرض لك هذا الخاطر بالغيبة وغيرها من المعاصي، وجب عليك دفعه بالإعراض عنه، وذكر التأويلات الصارفة له عن ظاهره" انتهى كلامه رحمه الله (مختصراً من: الأذكار).
أما إذا قامت البينات القاطعة، والأدلة الظاهرة، على تلبس أحد المسلمين بسوء، وكانت هناك مصلحة تقتضي التحذير منه بعد التثبت، فلا حرج مع هذه الضوابط.
أبان وأفاد في ذلك العلامة ابن عثيمين رحمه الله، فقال:
"وليس كل الظن إثما، فالظن المبني على قرائن تكاد تكون كاليقين لا بأس به، وأما الظن الذي بمجرد الوهم فإن ذلك لا يجوز، فلو فرضنا أن رجلا رأى مع رجل آخر امرأة، والرجل هذا ظاهره العدالة، فإنه لا يحل له أن يتهمه بأن هذه المرأة أجنبية منه؛ لأن هذا من الظن الذي يأثم به الإنسان.
أما إذا كان لهذا الظن سببٌ شرعي فإنه لا بأس به ولا حرج على الإنسان أن يظنه، والعلماء قالوا: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة" انتهى كلامه رحمه الله )فتاوى إسلامية).
ولكن.. يبقى ضابط "تقدير الضرورة بقدرها" رقيباً في قلب كل مسلم يخشى الله؛ فلا يتخذ من ذلك ذريعة لاسترسال يجاوز الحدود، أو تماد في سوء الظن بلا قيود؛ وإلا فقد يسلمه التجاوز إلى الأذى والتعدي، ويسوّل له التمادي: الانجرار إلى سلسلة من الآفات ترديه، وتربو على ما ظنه بأخيه!

الآفة الفتـَّاكة..!
وقد أبعد وجانب الصواب من حصر خطر "سوء الظن" في محض وساوس تتلجلج في الصدر!
وذلك أن هذه "الغيبة المستترة" بين جدران القلب إنما هي:
سبيل وسفير إلى "سلسلة من الآفات" كأنها حبات منتظمة في عقد؛ يطوّق عنق حاملها بالأخطار!
فأول الأمر: سوء ظن في القلب، يؤز صاحبه إلى التحقق من الأمر؛ فيكون تحسس وتجسس، فهلم جرّاً من الوزر والشر، بدعاوى وتلبيسات يزيّنها حامل لواء التحريش بين المسلمين وجنوده!
وهل من التثبت: أن يهتك أخ ستر أخيه؛ ليرى من وراء الحجب ما يخفيه؟!
أو بزعم الحرص والاطمئنان: يُستحلُّ التنقيب عما وراء الجدران؟!
أو بدعوى رفع الريبة: تلـوّك الأعراض بالنميمة والغيبة؟!  
إلى هذه السلسلة المظلمة.. أشار الشيخ محمد الراشد في كتابه "العوائق"، فقال:
"العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان، وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال: "من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة".
ولا شك أن الفضيل قطع ذكر التوالي استفزازاً لنباهتك، فإن العيوب تترى، بعضها يردف بعضا فآخر ما ذكره الفضيل، وهي الغيبة: هي أول سلسلة أخرى، فإن الغيبة تقود إلى الحسد، والحسد يقود إلى النميمة، والنميمة تقود إلى الكذب، ومن استجاز الكذب لم يتورع عن النزاع، إلى مائة عيب...
ورأس هذه الشرور في مشاهدات الفضيل: ارتفاع الأخوة. يقول رحمه الله: "إذا ظهرت الغيبة، ارتفعت الأخوة في الله. إنما مثلكم في ذلك الزمان مثل شيء مطلي بالذهب والفضة، داخله خشب، وخارجه حسن"! هي سلسلة طويلة من العيوب، كل يكشف بعض الحلقات المتقاربة منها، وكما وصف الفضيل بعضها، كشف الرجال الصالح أبو بكر الحكيم الوراق بعضا آخر منها، فقال:
"إذا غلب الهوى: أظلم القلب، وإذا أظلم القلب، ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر: ساء الخلق، وإذا ساء الخلق، أبغضه الخلق"!
توالد مستمر: وكما كانت الغيبة وكان الهوى نقاط انطلاق لعيوب كثيرة: يكون الانتصار للنفس نقطة تنطلق منها أيضا جملة وسائل ملتوية. ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل إلى الهزيمة التامة" انتهى كلامه وفقه الله (من: العوائق).
وهكذا.. ترتسم الصورة الكريهة لهذه الآفة الفتـَّاكة؛ حين تجاوز الحدود وتكسّر القيود، في مخيلات من يتقون يوماً يُرجعون فيه إلى الله؛ فتردهم إلى الضابط القرآني العظيم {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ..}؛ مخافة الوقوع في الحرج والإثم، والانجرار إلى العدوان والظلم!

وقاية وعلاج...!

فإذا تقرر أن الداء مستشرٍ، والسلامة منه عزيزة؛ تهيأت جنود الإيمان لصد عاديات الزور والبهتان؛ بعقد القلب على حسن الظن بالإخوان، والتشاغل عما تلقيه الشياطين بعيوب للنفس هي منها على يقين، فهل يستويان؟!
فينبغي إذا دخل الشيطان إلى قلب المسلم من هذا المدخل أن يدفعه ما استطاع، وليصرف نفسه وقلبه عن الاسترسال معه؛ بالإقبال على عيوب النفس، والاشتغال بتقويمها وإصلاحها، فإن من عرف عيوب نفسه تواضع لله وللناس، وظن النقص بنفسه وليس بالناس .
ومن أعظم ما يعين على ذلك:ذكر التحذير والنكير الوارد في هذا الشأن، مع  النظر في جوانب الخير فيمن أسيء به الظن، وامتثال ما أمر الله تعالى به من العدل!
ولأبي حامد الغزالي في ذلك.. كلام نادر، يوقظ الشارد، ويوقف السادر!

قال رحمه الله:
"إذا وقع في قلبك ظن السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد، واحتمل خلافه، لم تجز إساءة الظن .
ومن علامة إساءة الظن: أن يتغير قلبك معه عما كان عليه، فتنفر منه، وتستثقله، وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته، فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيالٍ مساوئ الناس، ويلقي إليه: أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك، وإن المؤمن ينظر بنور الله!
وإنما هو على التحقيق: ناطق بغرور الشيطان وظلمته، وإن أخبرك عَدْل بذلك، فلا تصدقه ولا تكذبه؛ لئلا تسيء الظن بأحدهما، ومهما خطر لك سوء في مسلم، فزد في مراعاته وإكرامه؛ فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله؛ خيفة من اشتغالك بالدعاء له! ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة لا شك فيها، فانصحه في السر، ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه فينظر إليك بعين التعظيم، وتنظر إليه بالاستصغار، ولكن اقصد تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخلك نقص، وينبغي أن يكون تركه لذلك النقص بغير وعظك أحب إليك من تركه بوعظك".
(انتهى كلامه، نقلا عن "الأذكار" للنووي، رحمهما الله).
وبه نختم هذه الذكرى لقلوب المتآخين..!
 

خالد عبداللطيف
  • إصلاح البيوت
  • نصرة الرسول
  • زغل الإخاء
  • استشارات
  • أعمال أخرى
  • الصفحة الرئيسية