اطبع هذه الصفحة


(علي الجابر)
شهيد قطري لن ينسى !

خبَّاب بن مروان الحمد


البطل المُصور لقناة الجزيرة الأستاذ علي حسين الجابر ( رحمه الله وتقبله في الشهداء) استُشهد في كمين مسلح قرب بنغازي شرقي ليبيا أعدَّه زبانية النظام الليبي من المرتزقة شاربي حبوب الهلوسة والمخدرات حيث استهدفوا طاقم قناة الجزيرة الذي كان يغطّي أحداث حرب القذافي المجنونة ضد أبناء شعبه  !!!

هذه الحادثة أثَّرت في شخصياً أثناء متابعتي لأحداث الثورة الليبية وإذاعة خبر استشهاد علي الجابر، ولقد حاولت أن أخنق الدمعات من عيني وهي ترى صورته ـ رحمه الله ـ وهو مسجَّى كالمبتسم بعد استشهاده ـ نحسبه كذلك ـ لكن سقطت الدموع منهمرة مدرارة لا أعرف كيف أوقفها..... وأعترف أنَّني تأثرت بنبأ استشهاده كثيراً رغماً عني، مع أنَّه لم تكن هنالك بيني وبينه سابق معرفة، كنت أتمنَّى أن تكون ، فرحمه الله رحمه واسعة.

 يكفيه فخراً ما سمعناه من مراسل قناة الجزيرة الأستاذ (بيبه) وهو يحدث الإعلامي أ. علي الظفيري أثناء إيراده لنبأ استشهاد علي الجابر في قناة الجزيرة أنَّ آخر كلام كان لعلي حسين الجابر (
أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله) فهنيئاً له... فتكفيه هذه !!

أثناء تصفحي في الفيس بوك ودخولي على صفحة زميلي العزيز د. جاسم سلطان، ورؤية جديده، لفت انتباهي أنَّ الفقيد ( علي حسين الجابر) رحمه الله كان من أصدقاء د. جاسم سلطان المقربين، وكذلك فإنَّ الفقيد كان متزوجًا من أخت الدكتور جاسم سلطان...

وبعد أن قمت بواجب العزاء لأخي العزيز د. جاسم سلطان... دار بيني وبينه حديث حول الشهيد ، نحسبه كذلك (علي الجابر) وطلبت من د. جاسم أن يحدثني عن هذا الفقيد الذي أسر الناس بحبِّهم له، وتواردت عشرات البيانات الصادرة من أحزاب ومؤسسات وتكتلات في تعزية أهله به، وتعزية قناة الجزيرة باستشهاد فقيدهم كذلك، فقلت للدكتور جاسم حدثني عن هذا الرجل الذي كان مغموراً قبل استشهاده بساعة فصار مشهوراً بعد استشهاده بساعة، والكل يحاول أن يكتب بياناً في إدانة هذه العمليَّة البشعة وتعزية ذويه بفقدهم له.... !!!

قال د. جاسم: لقد سألتني عن حبيب يصعب أن أوفيه حقه؛ فهو ليس زوج أختي فقط، ولكنه رفيق العمر في الدراسة، ومع محبتي له فإني لم أكن أتابع كل شيء في سيرته بدقة؛ لأني كنت أقول دائمًا: لو احتجت لتفاصيل لسألته، فلم يخطر في بالي أن أفقده وبهذه السرعة.

وذكر لي د. جاسم أن الفقيد الشهيد - نحسبه كذلك- كان يؤدي عن الدكتور جاسم كل الأعمال العادية أو العائليَّة مما فرّغ الدكتور جاسم للكتابة والسفر .

وهنا يبدو كذلك أن الرجل كان خدومًا لأقاربه وأصحابه وكان يهتم بشؤونهم وهو ما حدا بالدكتور جاسم أن يقول بعد ذلك: فكل حياتي تحتاج لإعادة تنظيم بعده إلى هذا الحد!!

يقول د جاسم : لقد كان علي حسين الجابر ذا دين صلب ، وكان محباً للخير، وكان من القائمين بالعمل الصالح في العلن والسر!!! ويكمل قائلا :( لو سألتني عن سريرته لوجدتها طيبة، وقلبه لم يكن يحب أن يُذكَر أحدٌ من المسلمين إلا بخير).

كان علي حسين الجابر قريبًا للقلوب ودودًا أبيض القلب ( وهذا الأمر لاحظته بالفعل فلم أسمع من أحد يعرفه إلا وذكره بخير، وقد شاهدت وصف زملائه له بأنه شيخ؛ عرفانًا منهم له بالأبوَّة والفضل والتدين رحمه الله، ولاحظت كيف كان زملاؤه يثنون عليه بشكل شديد، مما يدل بالفعل على محبة أصحابه له).

وذكر لي الدكتور جاسم سلطان أن الفقيد الشهيد علي الجابر –رحمه الله رحمة واسعة- كان محبًّا لكل ما يخدم الإسلام، فمعظم حملات العمل الخيري كان يديرها ويصورها، كما أنَّه كان محباً للمساكين عطوفاً عليهم شفيقاً بهم محبًا لهم.


·
   علي الجابر .... ومحبته للعمل وخدمته لقضايا أمَّته في عمله :
أود الإشارة إلى أنَّ علي الجابر من مواليد 1955م, وأنَّه حاصل على بكالوريوس وماجستير في التصوير السينمائي بأكاديمية الفنون في القاهرة،, وكان رئيس قسم التصوير في تلفزيون قطر لأكثر من عشرين عاما، وقد استغلَّ دراساته في مجال التصوير والفنون في خدمة قضايا الأمَّة، لا كما يفعل من يُشوِّهون صورة الأمَّة الإسلاميَّة ويستعينون بدراستهم على ما يضيرها ويضر بها !!

يحدثي د. جاسم أنَّ الفقيد (علي الجابر) كان رحمه الله محباً لعمله، فطالما وقف الساعات الطوال لتصوير ما يهم شؤون الأمَّة المسلمة، ومع أنه كان رئيس قسم التصوير لأكثر من خمس سنوات في قناة الجزيرة، ويقوم بنقل أحداث الأمة الإسلامية، فإنَّه مع ذلك ما كان يوفد أحداً بديلاً عنه في الغالب، بل كان يمتشق كاميرته ويحملها للمناطق الساخنة وفي كل مكان خطر ويدخله محتسبًا في نقل أحوال المسلمين في أقصى البلاد من أفغانستان للبوسنة والهرسك، ومن الشيشان لأوكرانيا .

ويحدثني د. جاسم أنَّ الفقيد علي الجابر رحمه الله كان يحدثه أنَّه كان يتطلب يتطلَّب الشهادة، وما كان هناك مكان يعرفه إلا وذهب إليه وغطَّى أحداثه بكاميرته، مهمومًا بهمّ أمته الإسلامية، طالبًا رضا الله تعالى ثم الشهادة، ولم يترك مكانًا في العالم فيه ثورة وجهاد إلا زاره وصوّر فيه، كما أنه دخل العراق في الحرب ودخل الكويت في الحرب، ودخل مناطق نزاعات متعددة، وزار أفغانستان أثناء حكم طالبان.

وحينما سألته كيف كان انطباعه عن حركة طالبان أثناء زيارته لهم ؟

أجابني الدكتور جاسم أن الشهيد علي الجابر: كان باستمرار لا يصدر أحكامًا، ولكن يساعد ما هو قائم فكان يتمنى نجاحهم وكان يأمل أن يقفوا على أرجلهم.

يواصل د. جاسم حديثه فيقول: وكان جريء القلب -رحمه الله- فحين بدأت قوافل الحرية تأتي لفلسطين تطوع أكثر من مرة للذهاب معها، وذهب مع أسطول الحرية مرة لفلسطين لرفع الحصار عن غزة، ودخل فلسطين كذلك مع وفد الجزيرة لتغطية حروب اليهود الصهاينة أثناء حرب غزَّة.

وحينما سألت د. جاسم عن نفسية  أخته ( زوجة الفقيد علي الجابر) بعد استشهاده؟ وكيف تلقت صدمة رحيل الرفيق والزوج؟

أجاب بأننا حين أحضرناه فرأت البسمة على وجهه زال عنها الألم، وربط الله على قلبها الذي كاد يقف، وأتبع حديثه قائلاً: كل أقاربه -بما فيهم أنا- حين رأيناه مبتسمًا نسينا الألم، فأنا لم أنم أول ليلة حتى وصوله، ولكن بعد رؤية وجهه الكريم مبتسمًا قلت: هذا ليس بوجه ميت!!

الشهيد الفقيد له ولدان وأربع بنات، أصغرهم في الثانوية العامة، أعانهم الله، وكتب الله لهن شهادة بشهادة والدهم.

وختم الدكتور جاسم كلامه قائلاً: الحمد لله الذي أكرمنا بشهادته وربط المشرق بالمغرب العربي.

وإنَّني من هذا المنطلق أدعو أخي العزيز د. جاسم سلطان أن يكتب كتاباً أو مقالة وافية عن سيرة علي الجابر ، رحمه الله وتقبله في الشهداء ، فمثله مدرسة يجب أن يتعلَّم منها أهل الصحافة والإعلام، من فنون التضحية والشجاعة والإباء وحمل هموم الأمَّة لتغطية أحداثها بكاميرتهم فالصورة لا يمكن أن تكذب أبداً، ولأجل ذلك استشاط الطغاة غضباً فقرروا أن يرسلوا رسالة لقناة الجزيرة لكي يسكتوها وهي تفضح جرائم النظام الليبي، وكان قدر الله النافذ حيث أصابت طلقات النيران مصور قناة الجزيرة (علي الجابر) بيد أنَّ الله خيَّب مسع النظام الليبي وجنوده المرتزقة فكتب الله تعالى الشهادة لعلي الجابر ـ نحسبه كذلك ـ وبدلاًُ من أن يسكتوا صوته لمع نجمه في السماء، وازداد الثوَّار قناعة بأهميَّة سقوط نظامهم البائد، ورفعوا صوراً تعبيريَّة عن اختلاط الدم المشرقي مع المغربي محبة وعرفاناً لقدر الشهيد ـ رحمه الله ـ.

من كان يعرف الجابر قبل يوم من نبأ استشهاده، وكم الذين عرفوه بعد استشهاده، ذلك أنَّ الشهادة حياة لصاحبها وصدق الله عزَّ وجل: (
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) ) سورة آل عمران  .

ونردد مع شاعر الثورة المغربي (رضا محمد جبران) ما رصعه في درره الشعرية، حينما رثى الفقيد البطل علي الجابر قائلاً:

جَلَّ المُصَابُ وَمَسَّنَا الإيذَاءُ * فَرَحِيلُ مِثلكَ يَا (عَلِيُّ) عَزَاءُ
بُشرَاكَ يَا رَمزَ الفِدَاءِ كَرَامَةً * يَرقَى بِهَا مِن حُسنِهَا الشُّهَدَاءُ
بُشرَاكَ أَن تَلقَى النَّبِي وَآلهِ* غُرَّ الوُجوهِ وَيَعتَلِيكَ صَفَاءُ
بُشرَاكَ مَا قَالَ الإِلهُ مُحَبِّبَاً* فِيمَن يَموتُ بِأَنَّهُم (أَحيَاءُ)

لقد كان من عجائب الأقدار الربانيَّة أنَّ الشهيد علي الجابر كتب الله له الشهادة اصطفاء بعد زيارته وتصويره لضريح شهيد ليبيا المجاهد البطل عمر المختار رحمه الله، فهنيئاً له الشهادة، فإنَّها اختيار واصطفاء من الله تعالى له كما قال تعالى (وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَيُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (آل عمران : 140) .

إنني لأتذكر ما كنت أقرؤه في كتب الشيخ الدكتور شيخ المجاهدين عبد الله عزَّام رحمه الله وتقبلَّه في الشهداء، بأنَّ كثيراً من المجاهدين كانوا يخرجون من المعركة وألبستهم مخرقة من الرصاص ولكن لم يدخل جسدهم رصاصة واحدة .. وأنَّه لا ينال الشهادة في سبيله إلاَّ من اصطفاه الله وكان سيرته طيبة بين الناس، وإنَّنا لنحسب أنَّ الأخ المصور علي الجابر كان من هؤلاء الذين اصطفاهم الله، هكذا نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا .

اللهم إنَّا نشهد أنَّ علي الجابر كان قد آمن بك، وكان يريد الشهادة في سبيلك، وكان يكره الظلم والظالمين، فاكتبه شهيداً عندك، وشفِّع به سبعين رجلاً من أقاربه.
اللهم إنا نسألك أن ترفع درجته في عليين، وتخلفه في عقبه بخير، وأن تبارك لهم في صفقة أيمانهم، وأن تحسن لنا الختام أجمعين.



--------------------
 
رئيس تحرير المركز العربي للدراسات والأبحاث.


 

خباب الحمد