اطبع هذه الصفحة


لا تتخذوا آيات الله هزواً ومجالاً للضحك والسخرية أو الاعتراض على القضاء والقدر

خبَّاب بن مروان الحمد
@khabbabalhamad


لاحظتُ أنّ بعض الناس يكتبون في حساباتهم الفيسبوكية عبارات يقولونها من قبيل الهزل أو السخرية واللعب، أو الضحك واللهو ، ومن ذلك:
(مش قد المطر و الثلج ليش بتصلوا صلاة الاستسقاء!!)
(ليش أجيتي يا هدى ؟!)
(أتتوعدنا بما ننتظر يا ابن القطبيّة، والذي رفع السماء بلا عمد ستنتظرك الجرافات وكاسحات الثلوج !!).

فأقول وبالله التوفيق:
هذه الكلمات لا يليق أن تخرج من فم المسلم؛ فنحن جميعاً لا نملك من أمرنا شيئاً وقد خُلق الإنسان ضعيفاً أمام جميع ما يُقدِّره الله تعالى من آياته العظيمة ومنها المطر والرياح وغيرها من آياته، ثمَّ من هو الإنسان الذي يكون يكون قادراً علي مواجهة المطر أو الثلج أو الرياح؛ فنحن عباد ضعاف نرجو من الله الخير ونعوذ به من أي ضر، ونحن نعلم أنَّ أقوماً كافرة أهلكهم الله بالمطر والريح العاصف الصرصر!
وإن كانت هذه الثلوج والأمطار الشديدة والرياح العاصفة تأتي بقوّة؛ فعلينا أن نسأل الله خيرها وخير ما أرسلت له؛ لا أن نعترض عليها بعبارات فيها سخرية وسفاهة في القول !
قَالَ تَعَالى : «وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأعراف: 57).
وقَالَ تَعَالى : «ومِنْ أيَاتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ولِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (الروم: 46).

لقد قال الإمام ابن تيمية: ( وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في هذا العام حتى طلبوا الاستصحاء غير مرة . وكنا نقول لهم : هذا فيه خيرة عظيمة . وفيه لله حكمة وسر فلا تكرهوه ) مجموع الفتاوى : ( 28 / 463)
كما أنّنا نرى ونسمع من بعض الناس كذلك سبّاً لهذه الريح وألوان من السخرية بها ؛ وكُلّ ذلك لا يجوز وفاعله آثم؛ وقد قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -:( ولا ينبغي لأحد أن يسب الرياح فإنها خلق لله تعالى مطيع، وجند من أجناده يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء) الأم: (12 /55).

لقد حثَّت السنَّة النبويَّة على طلب السقيا من الله إن تأخَّر نزول المطر، لصلاة الاستسقاء؛ وقد استستقى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمام الصحابة حين طلب أحدهم منه الدعاء ، فدعا ربَّه وطلب الغيث، وحين نزل المطر وتأذَّى الناس منه؛ أتاه من يطلب منه أن يرفع الله المطر عنهم؛ فتبسَّم رسول الله ؛ وكان سبب تبسّمه كما في رواية ثَابِت ورواية حُميد" لِسُرْعَةِ مَلَال اِبْن آدَم "كما ذكر الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" أي أنَّ ابن آدم يملّ من بقاء نزول المطر؛ فكان هذا سبب تبسمه صلّى الله عليه وسلّم وليس كما ظنّ بعضهم لأجل استعجال الصحابة نزول المطر.

أمَّا إن نزل المطر وكان الناس ليس لهم قدرة على الانتفاع عنه؛ أو أنَّ بعضهم قد تضرَّر منه؛ فبمثل ما يسأل العبد ربَّه بدعاء "الاستستقاء"؛ فليسأله تعالى بدعاء "الاستصحاء" أي: إيقاف المطر وانكشاف السحاب؛ كما فعله رسول الله حيث قال: (اللَّهُمَّ حَوْالَينَا وَلا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ والآجام وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) .

جاء في كتاب مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: (2 /205) ما نصُّه: قال ابن ناجي في شرح المدونة وقال السهيلي : وإذا تضرروا من كثرة المطر فليسألوا الاستصحاء [ اللهم حوالينا ولا علينا ] وفي الحديث الآخر { اللهم منابت الشجر وبطون الأودية وظهور الآكام } فيه تعليم كيفية الاستصحاء ، ولم يقل ارفعه عنا ; لأنه رحمة ونعمة فكيف يطلب رفعه ولم يقل : اللهم اصرفه إلى منابت الشجر ; لأنه سبحانه أعلم بوجه اللطف وطريق المصلحة انتهى .

فالمراد أنَّ هذا الكلام غير لائق بالمسلم أنيقوله؛ وليس من المناسب أن تخرج من المسلم بقصد الضحك والتلاعب؛ حتَّى وإن لم يقصد السخرية !!

أسأل الله تعالى أن يجعل الغيث الذي أغاثنا به غيثاً نافعاً صيباً مُباركاً فيه وأن ينفع به العباد والبلاد والشجر والدواب.

 

خباب الحمد