اطبع هذه الصفحة


حول الفتوى والمفتي والمستفتي

خالد بن عبدالله الغليقة

 
هناك اختيارات - أو قل: تصويبات - لبعض المسائل الخلافية - أو قل: بعض(1) الاختيارات الفقهية - تخلص أنها خالية من المصلحة، وجوفها لا مصلحة فيه، فليست العبرة بتحرير الأدلة فقط، بل العبرة متى يقال بهذا الاختيار ؟ وفي أي وقت يفتى به ويشاع؟ وليس العلم هو تحقيق المناط في المسألة فقط، بل العلم متى يبذل ذاك التحقيق ومتى يحجب.
ففرق بين الحكم الأصلي والتحقيق والتحرير للمسألة والفتوى فالحكم شيء والفتوى شيء آخر فقد تنطبق الفتوى على الحكم، وهذا هو الشرع، وقد يخالف الفتوى الحكم، وهذا شرع أيضا . والذي يفرق بين الحكم والفتوى هو النظر إلى المصلحة .
يقول ابن القيم - رحمه الله -: " إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله". والذي يميز المفتي المهيأ للفتوى عن طالب العلم فقط هو الاعتبار بالحكمة، فالنظر إلى المصلحة والاعتبار بالحكمة تميزان المفتي عن غيره من طلبة العلم.
وقد يعبر بعض العلماء عن هذا الأمر بقوله: "الفتوى بالمرجوح وترك الراجح" كما قال ابن رجب: - رحمه الله -.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهما الله - فيمن يفتي بجواز مس المصحف للمحدث: " إنَّ القول بعدم الجواز ولو كان مرجوحاً مقدم على ما يسبب التزعزع في العقيدة"(2)..
وأيضا من علامات المفتي - أو المهيأ للفتوى - عن غيره من طلبة العلم أنه إذا رأى جماعة أو قوماً يحرِّمون ما ثبت ضرره، فمن الحكمة ومن المصلحة تركهم على تعظيم ذلك التحريم، وعدم تهوينه بذكر الخلاف فيه أو التقليل من شأن الالتزام به، بمحاولة إيراد الشبه على القول الآخر ما دام أنهم على قول له حظ من النظر، والقائل به خلافه معتبر؛ لأن الفتوى بذكر الخلاف للعوام في تلك المسألة فتوى بالجواز، كما قال الشيخ محمد الخضر حسين: " ذكر الخلاف للعوام في مسألة فيها حلال أو حرام فتوى بالجواز".
فمثلاً شرب الدخان من الخطأ أن يأتي طالب علم في السعودية ويذكر للناس الخلاف في شربه، وأن هناك علماء خارج هذه البلاد قالوا بالجواز، وإن كان هو يرى تحريم ذلك، لكن مجرد ذكر الخلاف لهم فتوى بالجواز.
ومما يبين أنه خطأ أنه لا مصلحة في القول بالقول الآخر؛ لما فيه من إتلاف للمال فيما لا منفعة فيه، بل إلى المضرة أقرب، ولما فيه من إتلاف الصحة فقد أجمعت المراكز والمنظمات والجمعيات الصحية على ضرره، ومن أوضح أدلة مضرته أن صانعيه يحذرون منه ومما يقرب القول بالتحريم أنه لا فائدة منه البتة مع مضرته.
ومما يوضح صحة هذا المنهج في التعامل مع الخلاف أن من العلماء من يرى (عدم تفسير بعض الآيات والأحاديث التي فيها شدة وغلظة على المكلفين حتى تكون زاجرة ورادعة لهم عن ارتكاب المنهي عنه)، كما قال الطاهر بن عاشور في قول ابن عباس - رضي الله عنهما - (بأن القاتل لا توبة له) إنَّ ابن عباس قال ذلك تغليظاً لزجر الناس عن القتل، وإلا فإن علم ابن عباس لا يترك في نفسه شكًّا أن كل ذنب من المسلم يقبل التوبة إن تاب من ذنبه وأقلع عنه" .
ومن العلماء من تأدب فلم يقسم المعاصي إلى كبائر وصغائر إجلالاً لمن يُعصى، قال محمد الخضر حسين: " إنَّ بعض العلماء تأدب فلم يذكر في المعاصي (صغائر) إجلالاً لمن يعصى بها، وإلا فهم متفقون على أن المعاصي منها كبائر ومنها صغائر بدليل الكتاب والسنة والقواعد المأخوذة منهما".

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهما الله - في حديث: " من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»(3):
"قيل: إنَّ هذا من أحاديث الوعيد، فيمر كما جاء ولا يتعرض له بتأويل.
وهذا قول أحمد وعامة السلف؛ لأن هذا أبلغ في الردع عن الجرائم (4)
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية(5) عن أحمد أنه قال ذلك في حديث: «من غشنا فليس منا»(6)
قد يقول قائل: ما دامت المسألة فيها خلاف فهذا توسيع وتيسير من الله للعباد.
فيقال: نعم، هذا صحيح ؛لقاعدة (إن المشقة تجلب التيسير)، وقاعدة (كلما ضاق الأمر اتسع)، وأصل القاعدتين نصوص شرعية:منها حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُـيّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً " (7).
لكن إذا كان التيسير يجر إلى وقوع الناس فيما لا يرضي الشارع، وكان هذا التيسير سبيلاً إلى التهاون بالنواهي، وطريقاً إلى فساد أو ضرر فلا يؤخذ به.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: "إنَّ الذي يطرد الجراد والدبا يلحقه مشقة له الفطر، لكن إذا سئلت، لم أرخص في هذا لأهمية هذه الفريضة ولكون العوام لا يبالون، وإذا وجد ذلك جاء أناس يترخصون أكثر، وهكذا، فيعم الضرر في الدين في الإخلال به.
والفتوى تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وإلاَّ فالرخصة دليلها معلوم" (8)
فالقصد من كلام الشيخ هو أن التيسير إذا كان يجر إلى التساهل، أو سبيلاً إلى التهاون أو طريقاً إلى فساد وضرر فلا يفتى به.
لذا من الخطأ أن يأتي شخص إلى مجتمع مستقر في نفوس أصحابه كفر تارك الصلاة، ومستيقنة قلوبهم بأن تارك الصلاة كافر، وهم بذلك على قول معتبر له حظ من النظر، فذكره للخلاف تهوين لأمر الصلاة عندهم، وتقليل من شأنها.
 لكن قد يحتاج إلى الخلاف، وذلك مثلاً إذا جاءت امرأة تريد طلاقها أو فسخ نكاحها لأن زوجها لا يصلي فهنا تأتي فائدة الخلاف، وهناك تجنى ثمرته بأن لا يفسخ نكاحها ولا تطلق لوجود قول قوي بعدم كفر تارك الصلاة، ولو جاء شخص ممن أفتاهم الشيخ محمد بن إبراهيم بعدم الفطر وكان يطرد الدبا والجراد، فأفطر في نهار رمضان فسبب له ذلك الفطر هجران والديه مثلاً، أو كان المفطر عاملاً عند شخص فامتنع من إعطائه أجرته بسبب أنه عصى الله بفطره، فهنا ينتصر لهما بأصل الحكم وهو (الرخصة في الفطر).
ويذكر عن الزهري - رحمه الله - أنه إذا سئل: هل للقاتل توبة؟ كان يستفهم السائل، فإن ظهر له أنه لم يقتل يفتيه بأنه لا توبة له، وإن عرف بأنه قتل أفتاه بأن التوبة تصح منه.
وكما فسر ابن عاشور - رحمه الله - قول ابن عباس - رضي الله عنهما ـ: بأن القاتل لا توبة له "بأن ابن عباس قال ذلك تغليظاً لا نزجار الناس عن القتل، وإلا فإن علم ابن عباس رضي الله عنهما لا يترك في نفسه شكًًّا بأن كل ذنب من المسلم يقبل التوبة إن تاب من ذنبه وأقلع عنه)(9).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في حديث: «من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»(10).
"إن أحمد وعامة السلف يرون أن أحاديث الوعيد تمر كما جاءت، ولا يتعرض لتأويلها؛ لأن ذلك أبلغ في الردع عن الجرائم، ولكن الأولى أن يقال لمن يظن أنه يرى مذهب الخوارج القول الآخر،أي عدم الكفر المخرج عن الملة، فإن كان الحال مأموناً أن ينزع به أحد إلى تكفير العصاة قيل كما في النص أطلق كما أطلق النص". (11)
 
يقول الشيخ محمد الخضر حسين - رحمه الله -: "حكاية خلاف العلماء في الفتوى عند العامة فتوى بالجواز والإباحة".
هذا ضابط من ضوابط الفتوى؛ لأن ما من حديث ينهى عن أمر إلا ويوجد من العلماء من يقول بخلافه - أي بإباحة هذا الأمر - لعدة أسباب ذكرها العلماء في أسباب اختلاف الفقهاء، وهؤلاء المخالفون للحديث لهم أجر اجتهادهم، ومعذورون في خطئهم؛ إما لعدم وصول الحديث إليهم، أو وصل لكن بطريق ضعيف، وغير ذلك من الأعذار، لكن غيرهم ممن يعرف أن القول بخلاف الحديث، أو القول بإباحة المنهي عنه مخالف للحديث الصحيح الصريح، أو مخالف للمقاصد الشرعية في قطع سبل الشر، ومعارض للمصلحة الدينية في تضييق مجاري الفساد.
فنشر هؤلاء الخلاف عند العامة دليل على عدم الفقه الذي هو سبب الخيرية عند الله لأن الخيرية عند الله ؛ مربوطة بالخيرية في الأرض، فكل من كان فقهه وفتواه خيراً للناس كان خيراً عند الله، ويدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: [من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين] (12)، ومن كانت فتواه وفقهه سبباً لفساد الناس، وذريعةً للشر في المجتمع فهذا دليلٌ على أنه ممن لم يرد الله بهم خيراً، وأن علمه ليس هو المطلوب، بل يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: [أول من تسعر بهم النار ثلاثة]،(13)وذكر منهم من قرأ ليقال قارئ، وغيرها من الأحاديث التي تذم من تعلم ليقال عالم.
ويقيناً لا تصدر الفتاوى التي هي سبب لفساد الناس إلا ممن لم يكن صادقاً في علمه، بل يريد الجاه، والشهرة، والمنصب، ولا تصدر الاختيارات الفقهية التي هي ذريعة للشر في المجتمع إلا من شخص يبحث عن صرف وجوه الناس والعامة إليه ؛ لأن العامي لا يُقبل إلا على من يفتيه بالإباحة، والحل، ولا يشغل ذمته بالمنهيات والمحرمات.
فيجب على المجتمع أن يعرف، ويتعرف على هؤلاء الأشخاص الذين تسعر بهم النار، ولم يتعلموا العلم إلا لصرف وجوه الناس إليهم، ويميزهم عن العلماء الصادقين الصالحين الذين تستغفر لهم الملائكة.
وإذا لم يتعرف المجتمع على هؤلاء الأشخاص الذين قصدهم صرف وجوه الناس إليهم من أولئك الذين وصفهم الله بالخشية، وربط خيريتهم عنده بخيريتهم للناس والمجتمع، فلينتظر الفساد كما هو مجرب في بعض المجتمعات الإسلامية الأخرى، فبعض المفتين هناك الذين لا يعرفون (مقاصد البدايات)، ولا يدرون عن المقاصد الشرعية، ويتتبعون القول بالجواز من كتب الفقهاء كانت فتاواهم في الترخيص للناس بداية برامج دعاة الفساد، وكانت خلاصة حكايتهم للخلاف بين العامة طريقا للإباحية شعروا بذلك أو لم يشعروا.

قد يقول قائل: وكيف نعرفهم، فما من عالم رباني إلا وله فتوى تبيح ما نهي عنه أو ترخص ما حظر على الناس؟
فيقال: ليس المقصود من تصدر منه فتوى واحدة أو اثنتان وإنما المقصود من لو اجتمعت فتاويه في عامي لاجتمع في هذا العامي الشر كله، ولدخل هذا العامي في مقولة العلماء (من تتبع الرخص تزندق)،فهذا العامي لم يتتبعها، بل وجدها عند شخص واحد، فإذا كان هذا الحكم بالزندقة من العلماء لذاك العامي فما بال الشخص القادر على الاجتهاد، ويملك أدوات المجتهد والبحث، وتحري الحق بنفسه، ويذهب يتتبع الرخص، وينشرها بين العامة في مجتمع مؤصد كمجتمعنا في وجوه دعاة الفساد مؤصد (ولو بقول مرجوح لكن هو العزيمة وفيه الحزم)، ويبثها في مجتمع مغلق أمام مخططات دعاء الشر والرذيلة (بالرأي الثاني ولو كان هذا الرأي مخالفاً لرأي الجمهور لكن هو الشرع في هذا المجتمع، وفيه تحقيق لمقاصد الشارع في هذا الزمن).
قد يقول قائل: هل هناك علامة أخرى لهؤلاء؟
فيقال: نعم، من علاماتهم أن تجد أدلة فتاواهم قرارات السلطة، وأوامر الرؤساء هي التي توجه اختياراتهم الفقهية، وأن أمر الأمير هو السياسة الشرعية. ومن علاماتهم تتبع ما يريده الناس وما يطلبونه فيفتيهم بالجواز والإباحة.
وإن لم يكن هذا هو ظاهر الفتوى إلا أنَّ باطنها بحثاً عن منصب، أو لتحصيل منفعة، أو التفاف حول حاكم، أو بحثاً عن جمهور .فلهذا الباطن وعلاقة العامي به نصيب من الحديث المروي عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}  [التوبة: 31].
فقال عدي: يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم. قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه". فقلت: بلى قال: "فتلك عبادتهم "(14).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وعكسه - يكونون على وجهين:
** أحدهما :
أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون.
** الثـانـي :
أن يكون اعتقادهم، وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف»(15) ا هـ.
والوجه الثاني هو المراد الذي ينطبق على هؤلاء المفتنين.

سمعت رجلاً يعد نفسه من العامة التي لا تستطيع الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولا تقدر على الاستقلال والنظر، يقول: بم نأخذ؟ وماذا نختار من يقول بجواز الغناء أو بمن يقول بحرمته؟ يلاحظ أن هذا العامي في بلد يرى بعض علمائه جواز الاستماع للغناء،فعلى هذا كان الجواب التالي:
بأن الله سبحانه تعالى لم يترك العامة هملاً،بل أمرهم بأن يسألوا أهل الذكر، فقال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7].
ولم يتركهم بلا تكليف بل جعل لهم نوعاً من الاجتهاد، وهذا الاجتهاد يكمن في البحث عن أهل الذكر الذين عناهم الله - سبحانه وتعالى - في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وهذا الاجتهاد يتطلب اجتهاداً مسبقاً، وهو معرفة صفات أهل الذكر الذين أرادهم الله
فإذا كان العامي حريصاً على طلب الحق، والوصول إلى مراد الله في الأحكام الشرعية فعليه الاجتهاد في معرفة صفات أهل الذكر المعروفة من جهة الفطرة، والعقل، والشرع بقدر المستطاع، كما قال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}  [التغابن: 16] .
والعامة في هذا الباب على مراتب كالعلماء، فمن اجتهد في البحث نال من الأجر أكثر ممن قصر.
وهنا نقطة مهمة، وهي أنه يجب على العامي أن يستفتي نفسه بعد ما يستفتي أهل الذكر، فهي مكملة لتلك في الوصول إلى مراد الله وشرعه، ومكملة للطريق الموصل إلى الحق والصواب.
ومثال على هذا الاستفتاء قضية الغناء، (فإذا أراد العامي معرفة هل سماع الغناء يعكر صفو الغاية المنشودة من معرفة الأحكام، وهي (التقوى) المُعَرَّفة بأن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى).
فالطريق إلى التقوى - التي هي وقاية من عذاب الله يكمن في سؤال أهل الذكر المعنيين بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7].
ومن ثم سؤال الإنسان نفسه، واستفتاء قلبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " استفت قلبك واستفت نفسك ثلاث مرات البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك"(16)

وكيفية هذا الاستفتاء في قضية كقضية الغناء فقد يستفتي العامي العالم فيفتيه بالجواز مثلاً، فعليه أن يستفتي قلبه: هل سماع الغناء يقرب إلى الله، ويزيد في تقوى الله التي هي وقاية من عذاب الله؟أو أن سماع الغناء لا يزيده إلا بعداً عن الله وخذلاناً وظلمة في القلب، وقربةً إلى المعاصي؟
فقد فسر ابن مسعود t قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [ لقمان: 6].
فقد فسر لهو الحديث بأنه الغناء، وقول بعضهم: (الغناء بريد الزنا)، فمن وجد أثر الغناء في نفسه سلباً فيجب عليه البعد عن سماعه، ويحرم عليه في تلك الحالة.
وليعرف أن شرع الله والحق، والصواب في عدم سماعه للغناء، وبما أن من القواعد الكبرى في الفتوى أنها تتغير من شخص إلى شخص، ومن حال إلى حال.
 ومما يبين أن المباحات قد تكون مباحة لشخص دون آخر، وحالة دون أخرى حديث " إنَّ من عبادي من لا يصلح معه إلا الغنى، وإنّ منهم من لا يصلح معه إلا الفقر»(17)، ولذلك كما في الحديث المروي: «كاد الفقر أن يكون كفراً» (18) مع أن الفقر أبعد للإنسان من الطغيان، والكيد، وما يترتب على الغنى من تكاليف شرعية قد لا يقوم بها الغني فتكون عاقبته وخيمة عليه، فهذا يدل على أن المسلم قد يعرف بالتجربة حكم بعض المباحات بالنسبة له هل هي جائزة أم محرمة، فما كانت وسيلة إلى محرم فهي محرمة مع أن الأصل فيها الإباحة،فهي مباحة لشخص دون شخص، وفي حالة دون حالة.
وانطلاقا من مقولة بعض السلف: من تتبع الرخص فقد تزندق.
إنَّ العامي أو غيره إذا لم يستخدم الاستفتاء النفسي والقلبي - بعد استفتاء أهل الذكر - فقد يجتمع فيه الشر كله فتكون تلك الاستفتاءات التي لم يستفت بها قلبه لم تزده من الله إلا بعداً.
وإن تذرع بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. فتلك حجة داحضة عند الشارع ؛لأنه أوحى إلى نبيه بحديث: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون»(19) وأوحى إليه بقوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85].
وبهذا الاستفتاء النفسي أو القلبي نعرف بطلان المقولة المنتشرة عند بعض العوام: (اجعلها في رأس عالم واخرج منها سالم)! أو قولهم: (اجعل بينك وبين النار مطوَّع).
فالله سبحانه وتعالى الذي أمر الناس بأن يسألوا أهل الذكر قال: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النجم: 38 ـ 40].
فهذا يدل على أن محاولة العامي تتبع عبارة (هذه مسألة جائزة)، أو هذه القضية (ليس فيها بأس)، أو (هذا أمر مباح)، أو (هذا حلال).... من أفواه أهل الذكر، وترك عبارة (هذه مسألة محرمة)، أو (هذه قضية بها بأس)، أو (هذا أمر ممنوع منه)، أو (هذا حرام) .... فهذا سعي العامي، وعليه وزره، ولا يتحمله أهل الذكر، بل هم تقربوا إلى الله بهذه الفتوى، وتعبدوا لله بها، واجتهدوا فهم مأجورون، ومثابون على تلك الفتوى، بخلاف العامي فقد ترك الاجتهاد المأمور به من معرفة صفات أهل الذكر، ثم استفتائهم، ثم استفتاء النفس والقلب، فهو آثم على عدم اجتهاده، وعدم استفتائه .
وليعرف العامي أنه إذا اجتهد في معرفة صفات أهل الذكر الذين أرادهم الله، ثم استفتاهم ثم استفتى نفسه وقلبه فإن أصاب مراد الله وشرعه فله أجر مضاعف، وإن لم يصب فله أجر اجتهاده.
 
من عوامل طمر الخلاف في المجتمع الإسلامي وغمر الفرقة من جسد الأمة ومحو الشذوذ في الفتاوى عامل (التقوى والخشية)، فمنذ أن تسمع بعض الفتاوى - أو بعض الاختيارات الفقهية - تقول في نفسك: هذا المفتي أو صاحب الاختيار يحتاج إلى زيادة في العبادة وخشية حتى توافق فتواه النقل الصحيح واختياره العقل الصريح.
لأن هذا الشرع والفتوى فيه متعلق ومتعلقة بالأنبياء، وهم أعرف الناس بالشرع من طريق الوحي، وهؤلاء الأنبياء خطوا خطوطاً لمن يريد أن يكون وريثاً لهم في الفهم والتفكير، ومن تلك الخطوط التي خطوها لورثتهم (أن يكون وريثاً لهم في التقوى والخشية من الله، فأوحى إليهم أن يقولوا لورثتهم: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]، ولذلك قال من أجمع المسلمون على أنه من ورثة الأنبياء عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "العلم الخشية"، ولا تستغرب صدور هذه العبارة من مشكاة أخرجت عبارة أخرى وهي "الخلاف شر"، فقد أفتى بأن حكم الشرع في صلاة المسافر القصر، ومع ذلك أتم خلف عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في منى وقال عبارته المشهورة: " الخلاف شر" التي يستدل بها على أكبر دعائم أصول الفقه فيستفاد من هذا أن من أكبر عوامل طمر الخلاف وغمر الفرقة ومحو الشذوذ (التقوى وخشية الله).
ويوضح ذلك ما أوحاه الله إلى أنبياءه من قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة: 282].
وقوله: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100].
فهذه الآيات ترسم طريقاً للوريث الذي يريد أن يصيب الحق وينتفع المسلمون بفتواه واختياره.
وهنا نقطة مهمة فإذا أراد المسلمون أن تصلح أمورهم وينالوا عزتهم وكرامتهم فليأخذوا بالشرع،وطريق معرفة الشرع العلماء الذين هم ورثة الأنبياء في فهم الكتاب والسنة ومقاصدهما، والطريق إلى معرفة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء معرفة التقاة وأصحاب الخشية منهم، والطريق إلى التفريق بين العالم التقي الذي علمه يسبب تقواه كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة: 282].
والعالم صاحب الخشية الذي علمه يسبب خشيته، كما قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [فاطر: 28].
قال صلى الله عليه وسلم: [ألا، إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب](20)، فيأخذ من هذا الحديث أن الطريق إلى التفريق بين العالم التقي وصاحب الخشية وغيره ممن لم يكن كذلك (الظاهر) والمقصود بالظاهر أن يكون ورث ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ظاهره موافقاً لظاهر الرسول صلى الله عليه وسلم من عمل بالواجبات وتحلّ بالسنن والمستحبات، وترك للمكروهات، فالشارع جعل وراثة الأنبياء باطناً وظاهراً.
فيقاس العالم وارث الأنبياء في الفهم والإدراك لمراد الشارع ومعرفة النوازل والمقاصد الشرعية بهذه الأمور، فكلما كان العالم متحلياً بهذه الأمور كان أقربَ إلى الوراثة في الفهم والإدراك لمراد الشارع، وكلما كان متخلياً عنها كان أبعد عن الوراثة في الفهم والإدراك.
وبما أنه ليس لنا الاطلاع على ما في القلوب والحكم عليها، وهل هذه القلوب تتصف بصفات الوراثة أم لا، جعل الشارع لنا علامات ظاهرة يستدل بها على صفات الباطن، وهل هي وريثة للأنبياء أم لا؟!
ولذلك قال الحسن البصري: "ادعى قومٌ محبةَ الله فأنزل الله علامةً على رسوله تبين له هل هم صادقون في ذلك أم لا، وهذه العلامة الظاهرة يستدل بها على أمر باطني، فالمحبة محلها القلب، وهذه العلامة الفاضحة هي في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران: 31].
ومما استدل به الرسول صلى الله عليه وسلم على الباطن بالظاهر جعل شعيرة الأذان دليلاً على إسلام أهل البلدة فيغزو القوم أم يتوقف عن ذلك.‍
وبما أننا تطرقنا إلى المحبة وهي عمل باطني من أعمال القلوب، واستدلالنا عليها بكون مدعي المحبة يجب أن يكون متبعاً في الظاهر للمحب، وتاركاً لهواه، فمثل هذا أولى في فهم مراد هذا المحب، وعارفاً بما يحب ويكره، وعارفاً بمقاصد كلامه، فمن أحب الرسولَ في قلبه اتبعه في ظاهره، وهذا القانون سماه أبو حامد الغزالي قانونَ المنعكس الشرطي، فمن أحب شخصاً اتبعه في كل شيء، وجعله علامةً على الحسن والقبح، فمن ترك بعض المأمورات الظاهرة، وفعل بعض المنهيات الظاهرة فهو لم يجعل الشارعَ هو المحكم والحاسم في التحسين والتقبيح والانقياد له، والتقليد الأعمى للشارع، بل جعل لهواه دخلاً في ذلك، ولذلك كما في الأثر المختلف في ثبوت إسناده «لا يؤمن أحدكم حتى يكونَ هواه تبعاً لما جئت به»(21).
فعلى هذا من كان وريثاً للأنبياء - عليهم السلام - في الظاهر فهذا دليل على أنه نال وراثة الباطن، ومن كان وريثاً لهم في الباطن حاز على وراثتهم في الفهم والإدراك والتمييز بين الحق والباطل والتفريق بين المصالح والمفاسد والمضار والمنافع.
فيجب على المسلمين أن يعرفوا أن الطريق إلى عزتهم وكرامتهم وقوتهم ومنعتهم معرفة مراد الله وشرعه في القضايا والنوازل، والطريق إلى معرفة ذلك هم العلماء وهم ورثة الأنبياء، والطريق إلى معرفة هؤلاء العلماء الوارثين للأنبياء من غيرهم من كان منهم متحلياً بفعل الواجبات وترك المنهيات وفعل المستحبات والسنن والفضائل وترك المكروهات.

قد يقول قائل: إن هناك حديثاً يقول: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»(22) وأيضاً هناك من العلماء من كان مخلاًّ ببعض السنن والمستحبات والفضائل، وأيد الله بهم هذا الدين؟
فيقال: إنَّ الأصل في الحاكم والعالم الذي يؤيد الله بهما الدينَ أن يكونا على أكمل وجه، وكلما صارا أكمل كمل الدين بكمالهما، فهذا هو الأصل في العالم والحاكم اللذين يؤيد الله بهما الدينَ، وليس معنى الحديث أن نبحث عن حاكم ظالم غير ملتزم بالشرع فاجر وننتظر من الله أن يؤيدنا ويعزنا به ! فهذا لا يقوله عاقل، وإن كان لسان حال كثير من المسلمين يقوله في هذا العصر.
قد يقول قائل: إذاً ما فائدة هذا الحديث؟
** الجـــواب:
ليس هناك حرف نبوي إلا وتحته فائدة، فهمها مَنْ فهمها، وعقلها مَن عقلها، وقد يكون من فوائد الحديث النهي عن الخروج على الولاة والحكام الذين يترتب على الخروج عليهم من الفساد أعظم من فساد وجودهم، كما قال سفيان الثوري: " سبعون سنة تحت إمام جائر خير وأفضل من ساعة بلا إمام". فالأصل في العالم والحاكم اللذين يؤيد الله بهما الدين ويعز أهله أن يكونا على أكمل وجه.

وقد يقول قائل: قد يترك العالم بعض السنن والمستحبات ويفعل بعض المكروهات لأجل مصلحة الدين أو الدعوة إليه أو غير ذلك من المصالح؟
**  فـيجــــاب:
إنَّ تركه لهذه الأمور لأجل مصلحة ظاهرة وضرورة ملحة، هذا يدل على الفهم والعقل، وهذا هو منهج العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، لكن هناك فرق بين الترك لأجل المصلحة، وتركها لأجل المجاملة، فالمجاملة تضر بالدين والدعوة إليه وتعليمه، بخلاف المصلحة فإنها تفيد الدين وتنفع الدعوة إليه وتعليمه فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها كما قال الإمام مالك، والله سبحانه وتعالى علق نصرته لنا بنصرتنا له فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
ولا يستطيع أحد أن يقول: إنَّ الله سينصرنا ولو فعلنا الصغائر وتركنا بعض السنن أو يقول: إنَّ فعل المستحبات والسنن، وترك المكروهات لا دخل له في النصرة، فمجرد انتشار هذه المقولة بين المسلمين والسكوت عليها كافٍ في عدم النصرة والخذلان، فضلاً عن أن يتبناها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
فالله - سبحانه وتعالى - أهلك الأممَ السابقةَ بسبب ما صدر منهم من فساد وضلال، وهذا الفسادُ والضلالُ نتيجةٌ لفساد علمائهم وضلالهم، وفسادهم وضلالهم لم يكن في خطوة واحدة بل تدرج في الخطوات، ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من تدرج الشيطان بالإنسان فقال: [كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه] (21) فالعالم إذا لم يجعل بينه وبين المحرمات وقاية، وهذه الوقاية تتكون من فعل السنن والمستحبات وترك المكروهات، فإذا فعل المكروهات وترك السنن والمستحبات صار يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه،فإذا وقع في الحرام زين له الشيطان سوء عمله فراح ينقب في الكتب عن مسوغات فقهية وهي في الحقيقة زلات، تاب أصحابها منها، ثم زيَّن له الشيطان الفتوى بتسويغها فيَضل ويُضل، وهؤلاء هم الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: [إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا] (23).
 

----------------------------------------------
(1) الفتاوى 2/19.
(2) كتاب «الاستخراج لأحكام الخراج» (ص 89).
(3) أخرجه أبو داود (3904) من حديث أبي هريرة.
(4)  "الفتاوى " (1/164).
(5)  "مجموع الفتاوى " (13/295).
(6) أخرجه مسلم (101) من رواية أبي هريرة.
(7)  أخرجه البخاري (3560)،ومسلم (2327)
(8)  " الفتاوى " (4/184)
(9) «النظر الفسيح» لابن عاشور (ص 240).
(10)  تقدم تخريجه قريبا.
(11) الفتاوى 1/164.
(12)  أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037) من حديث معاوية t.
(136) أخرجه مسلم (1905) من حديث أبي هريرة.
(14)  أخرجه الترمذي (3095) بنحوه وقال: "حديث حسن غريب ". وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى "(7/67)
(14) أخرجه البخاري (7145)، ومسلم (1840) من حديث علي رضي الله عنه، وفيه قصة.
(15) أخرجه أحمد في المسند (4/228) و إسناده ضعيف
(16) عزاه ابن رجب "في جامع العلوم والحكم " (1/359)إلى الطبراني من رواية أنس وضعفه.
(17) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6612) من رواية أنس وفي إسناده يزيد الرقاشي وأورده الذهبي في "ميزان الإعتدال " (2/204) يزيد تالف.
 (18)  تقدم تخريجه قريبا.
(19) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير.
(20) أورده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/289) من حديث أبي هريرة وقال أخرجه الحسن بن سفيان وغيره ورجاله ثقات وقد صححه النووي في آخر الأربعين.
(21) أخرجه البخاري (3062)، ومسلم (111) من حديث أبي هريرة، وفيه قصة.
(22)  مر تخريجه من حديث النعمان بن بشير.
(23) أخرجه البخاري (100)، ومسلم (2673) من حديث عبد الله بن عمرو.
 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية