اطبع هذه الصفحة


قامت الدولة اليهودية على مبادئ
فأين مبادئ الدولة الفلسـطينية ؟

خالد بن عبدالله الغليقة

 
بعد خمسين سنة من المقدمات، ومثلها خمسون من التمهيد والنتيجة دولة إسرائيل، والثمرة أربعة ملايين شريد فلسطيني؛ فيكتفى بهذه الخمسين من السنين من المقدمات والتمهيد ويجب الدخول في صلب الموضوع.
وبكل صراحة أقول: لا يمكن للفلسطينيين إقامة دولة قوية ذات سيادة مستقلة وحكومة منيعة ومسيطرة في آن واحد حتى يحذوا حذو جيرانهم الإسرائيليين ويمشوا على خطى محتليهم اليهود.
فإذا أراد الفلسطينيون استرداد أرضهم فليسيروا على برنامج إسرائيل في احتلالها لأرضهم وإن كان للفلسطينيين همة في بناء دولة عصرية نووية وتكنولوجية فليتبعوا النموذج اليهودي في بناء دولتهم العصرية النووية التكنولوجية.

ولنأخذ أصلاً مهمًّا من أهم وأعظم أصول إقامة الدولة القوية والحكومة المنيعة ذات السيادة والسيطرة، ألا وهو العدل الذي هو أساس الملك، وأصل قوة الدولة، كما قال حكماء العالم مسلمهم وكافرهم؛ فهذا الأساس والأصل الذي تأخذ به إسرائيل بنصيب أكبر بالنسبة للحكومة الفلسطينية تجاه رعاياها و وزرائها وحكامها، بل المقارنة بين تفعيل هذا الأصل وترسيخ هذا المبدأ بين الحكومتين خطأ وغلط، فأين سرقات صغار المديرين في الحكومة الفلسطينية - فضلاً عن كبار الوزراء الخ - عن تفتيش غرفة نوم الرئيس السابق نتنياهو من قبل الشرطة بأمر قاضي المحكمة لإتهامه بقبض رشوة ؟! تهمة فقط أوصلت الشرطة إلى غرفة النوم.
أين هذه الشرطة وذاك القاضي من الفساد المالي المؤكد لدى الفلسطينيين الذين هم أولى من غيرهم في محاربة الفساد المالي ليقيموا دولتهم؟!
فالضعيف أحوج من القوي في محاربة الفساد المالي وتوظيف المال في مكانه الصحيح ليخدم قضيته ويعزز قوته.

والأمر الثاني الذي يجب على الحكومة الفلسطينية أن تحذو فيه حذو الحكومة الإسرائيلية لتقيم دولة قوية وحكومة مسيطرة: احترام التخصص وتفعيل الكفاءة.
ففي إسرائيل كلما كان الشخص يملك برنامجًا يزيد من قوة الدولة أمام المعارضة، ويزيد في نفوذها أمام المقاومة على من سبقه كان أولى من غيره بالمنصب.
وكلما كان الشخص لديه مشروع يدعم الدولة ويرسخ مكانتها في العالم بأسره وخاصة الغربي نال هذا الشخص السيادة، وحصل على الرئاسة، وبرهان ذلك تغير منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية كل أربع سنوات فلا يأتي شخص إلا وهو أقوى من الذي قبله، ولا يمكن الفوز بالسيادة حتى يطرح مشروعًا لتقوية الدولة أمام المعارضة وفي وجه المقاومة، وبرنامجًا لترسيخ هيمنة إسرائيل في المنطقة، ويزيد في نفوذها لدى صناع القرار.
فأين هذا الاحترام للكفاءة والتقدير والاهتمام بالتخصص الذي لدى الإسرائيليين، أين هو لدى جارتهم الحكومة الفلسطينية ؟فهذا الاحترام للكفاءة والاهتمام بالتخصص أساس قوة الدولة والوزارة، وأصل قوي لمستقبل قوي لدولة قوية.
وإذا كان هذا الاحترام للكفاءة والاهتمام بالتخصص عند الإسرائيليين في منصب الرئاسة فمن باب أولى ما دون ذلك من المناصب الإدارية والتقنية والعسكرية.
الأمر الثالث: الذي يجب على الفلسطينيين أن يحذوا فيه حذو الإسرائيليين هو أسلوبهم في إقامة دولتهم اليهودية، وذلك بتمسك اليهود بمبادئهم الباطلة، وعقائدهم المنحرفة، فتجد الآخرين ينظرون إلى اليهودي بلحيته الطويلة، وكوفيته الصغيرة نظرةَ إعجابٍ ؛ لأنه إذا ركب طائرةً نادى بطعام الكوشر، وإذا جاء يوم السبت توقف عن العمل تعظيمًا لهذا اليوم، ولو كان عن عقيدة باطلة، وتمسكًا بالمبادئ ولو كانت منحرفة على مستوى الحكام والمحكومين؛ إذ كان بعض ساستهم يمتنع عن حضور المؤتمرات والمفاوضات يوم السبت ليظهر تمسكه بمبادئه التي ليست ذات أهمية في قضيته السياسية الكبرى، لكن التمسك بالصغائر حاجز لحماية الكبائر - القضايا السياسية - عن التنازل عنها أو النيل منها في التفاوض والتشاور، فالتمسك بالمبادئ الصغيرة علامة على تعظيم المبادئ الكبيرة، وبرهان على التمسك بها من باب أولى.

فمن علت همته لبناء قمة عالية يصعب الوصول إليها أو النيل منها فليدعمها بصغار الحصى، وكلما زاد في كمية الحصى الصغار، علت القمة وارتفعت وعظمت وصعب الوصول إليها أو النيل منها، وكلما انخفضت القمة سهل الوصول إليها والنيل منها.
ولا تحقرن صغيرة،فإن الجبال من الحصى !
فإذا أراد الفلسطينيون أن يبنوا دولة قوية فليبدؤوا ببناء شخصية إسلامية قوية كما بنت إسرائيل شخصية يهودية قوية، على إثرها بنت دولة قوية على أرض الواقع، وذلك باستنطاق كل مبدأ إسلامي ولو كان صغيرًا، والنطق بكل القيم الدينية ولو كانت من الصغائر.
فلا تقوم الدول والدعوات والكيانات إلا بالعصبية والتعصب لمبادئها وقيمها، كما قال مؤسس علم الاجتماع والعمران ابن خلدون.
قد يقول قائل: إن في شرعنا نماذج وبرامج لإقامة دولة قوية وحكومة مسيطرة يغني عن النموذج الإسرائيلي والبرنامج اليهودي، فلم الإعراض عنها؟
أقول: هذا صحيح، لكن المشكلة أن كثيرًا من الساسة وغيرهم يدخلون في قول شيخ الأزهر عندما سافر وبصحبته ابنته فجلست بجوار ابنته امرأة من الخواجات، وأخذت تكلم ابنة شيخ الأزهر عن" عبقريات العقاد " فما انتهت حتى طلبت ابنة المراغي من أبيها "عبقريات العقاد" فقال: "كثيرًا ما كنت أطلب من ابنتي الاطلاع والقراءة، فلما حدثتها الخواجة استجابت، فيبدو أننا لن نؤمن ولن نصدق بالإسلام إلا إذا آمن وصدق الخواجه".
وإن سلموا من كلام المراغي لم يسلموا من كلام علي الطنطاوي حيث يقول: "كثيرًا ما كنت أناقش أناسًا من المجددين فأذكر لهم كلمة خالدة لأحد عظماء الشرق فيقلبون شفاههم ويجعدون جباههم ويعرضون عنها ازدراءً لها «فأذكر لهم الكلمة» مثلها وفي معناها العام «لإفرنجي» فيسمعون ويخضعون ويهزون رؤوسهم إكبارًا لها وإعجابًا بها! وأنقل القاعدة الشرعية عن فقيه من فقهائنا فيأبونها، فإن نقلت هذه القاعدة عن فقيه إفرنجي قبلوها، ويحقرون العادة من عاداتنا، فإن علموا أن شعبًا من شعوب أوروبا الراقية أو أمريكا قد اعتادها «عظّموها» كأن الخير لا يكون خيرًا لذاته إلا «بالماركة الإفرنجية»، والشر لا يكون شرًّا لذاته بل بالطابع الشرقي عليه".

20/11/1421هـ
 
 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية