اطبع هذه الصفحة


تصحيح النقد الخاطئ للخطاب الشرعي تجاه الإرهاب (1)

خالد بن عبدالله الغليقة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير
تعقيب على الكاتب د. يوسف العثيمين في مقالاته بعنوان:
(نحو استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب في المملكة العربية السعودية)
المنشورة في صحيفة الجزيرة بتاريخ 29 ذي القعدة  – 6 ذي الحجة 1426هـ


 في البدء يحسن التنبيه إلى أن الكاتب (هداه الله) في مقالاته وقع في أخطاء استراتيجية في حربه الاستراتيجية على الإرهاب مع أخطاء أخرى أقل لكنها على المدى البعيد تغدو ككرة الثلج تتحول إلى أخطاء استراتيجية؛ لذلك سيكون التركيز على القضايا الأساسية والرئيسة والتي بنى عليها غالب طروحاته ، فمن ذلك قوله في معرض معارضته (للحل الأمني) حلاً وحيداً للإرهاب : "... لا يمكن اجتثاث الإرهاب من جذوره في المجتمع إلا عبر استراتيجية وطنية شاملة تتناول العوامل والمناخات والمحفزات والأرضيات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، التي تجعل من الشاب (إرهابياً) ، ومن المواطن البسيط (متعاطفاً) ".
...(بدا واضحاً من قراءة هذه المواجهات الإرهابية والحوادث التي سبقتها أن هناك دوائر واسعة ومتداخلة، وبدرجات متفاوتة ، من التواطؤ الفكري والتعاون والتسهيل والتمرير والتمويل والتبرع وغض الطرف والتعاطف النفسي واللوجستي مع الفئة الضالة ، وفي أخف الأحوال وجود مشاعر من التسامح وعدم الاكتراث ، وذلك من جانب قسم معتبر من شرائح المجتمع، تجاه الإرهابيين وما ينادون به ، وإن كان بعض هؤلاء الناس قد لا يتواطئون حركياً بحمل السلاح والمواجهة.. هذه الدوائر هي (مكمن الخطر) الحقيقي ؛ لأنها المستقبل الأول والحاضن والناقل لفيروس الإرهاب ، والرحم الذي يدفع لنا بأفواج من الإرهابيين) .
وأكثر الكاتب – في مقالته - من وصف الرأي الديني والاختيار الفقهي والخطاب الشرعي والوعظي في السعودية بشكل عام، الرسمي وغير الرسمي ، بالتشدد والتعصب والإقصائية والحدية والفوقية وكره المخالف ، وأن هذه الإشكالية هي سبب الإرهاب وهي قوالب تصدير العنف ، كما أكثر الكاتب من إطلاق (تهمة الإرهاب) وتعميمها على شرائح واسعة من المجتمع السعودي ، وينكر أن يكون الفكر الإرهابي محصوراً في أعداد محدودة وعلى هوامش المجتمع وحواشيه ، بل هو منتشر في وسطه ، ويرى أن أهم الحلول يكمن في التعددية الفكرية والعقدية ، وحرية الرأي ، وفتح الباب لمفاهيم أخرى في أصول الدين.

لقد وقع الكاتب في أخطاء عدة ، منها:

أولاً : الخطأ في فهم السياسة الخارجية والإعلامية لبعض الدول الغربية .
ثانيًا : مناقضة الكاتب للموضوعية والدراسات المتخصصة ولغة الأرقام .
ثالثًا : الخطأ على الحالة السعودية إزاء مسألة الإرهاب .
رابعًا : الخطأ على الشريعة .
خامسًا : الخطأ على سياسة الدولة السعودية وسياستها .
سادسًا : الخطأ على أهم أبجديات وأساسات علم السياسة المعاصرة .

وهذه مناقشة تلك الأخطاء كل على حدة :

أولاً: الخطأ في فهم السياسة الخارجية والإعلامية لبعض الدول الغربية : وبالذات أمريكا , وهو ما جعله يتبنى الخطاب المتشدد في أمريكا , والغالي في عداوته للسعودية , والمتجني على الحقيقة ، وذلك في دعواهم وادعائهم بأن الثقافة والفكر والعقيدة والبيئة في السعودية هي محاضن منتجة للإرهاب والتطرف والعنف ومصانع مصدرة له في العالم؛ فالكاتب هنا وقف مع هذا المشروع العدائي للسعودية والسعوديين، وشد من أزر هذا الخطاب المجانب للحقيقة والقائم على سياسة عدائية ترتكز على فكرة خلخلة سيادة العقيدة الصحيحة التي قامت عليها السيادة والحكم في السعودية، ومما يدل على ذلك قانون محاسبة السعودية، الذي تبنته لجنة في الكونغرس الأمريكي، وغيره من التقارير المنشورة والمنتشرة.
 

ثانياً:
مناقضة الكاتب للموضوعية والدراسات المتخصصة ولغة الأرقام ، وإهماله اعترافات الآخر الذي مارس الإرهاب ضد المسلمين المستضعفين، وزيف الوعي العالمي تجاه مسألة الإرهاب: فإن تجاهله الاعتراف – وهو سيد الأدلة – والشهادات التي هي من نوع : (وشهد شاهد من أهلها) . جعله لا يعتبر ولا يعتد في حربه على الإرهاب برأي بعض الأمريكيين المتخصصين وغيرهم من الغربيين المنصفين ، والأهم من ذلك اعترافات الإسرائيليين ، وجعله يناقض الدراسات الموضوعية المنصفة للتربية والثقافة والعقيدة الإسلامية التي تؤكد جميعها بأن التربية والثقافة والعقيدة الإسلامية ليست هي سبب الإرهاب ولا العنف؛ بل هي ازدواجية المعايير الغربية ، وسياسات أمريكا وإسرائيل في المنطقة ، والاحتلال الأمريكي للعراق ، والاغتصاب الإسرائيلي لفلسطين ، وانتهاك حقوق المسلمين وسلب حريتهم الدينية ، ومصادرة أراضيهم ، وأكل خيراتهم وتشريدهم ؛ فمن تلك المواقف والاعترافات والدراسات الموضوعية ما قاله نائب رئيس الموساد الإسرائيلي السابق ، في نقد غير مسبوق يقدم عليه جنرال إسرائيلي لسياسة كيانه ضد الفلسطينيين ، حيث قال الجنرال عميرام ليفين: " إن مواصلة إسرائيل فرض سيطرتها على الشعب الفلسطيني ستؤدي إلى إلحاق هزيمة مدوية بالدولة العبرية ". وأضاف ليفين في كلمة أمام معهد (فان لير) في القدس المحتلة : " إن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا ليس هل ستلحق الهزيمة بإسرائيل ؟ بل متى ستحل الهزيمة بإسرائيل ؟ بعد عامين أو عشرة أو عشرين عاماً ؟ " .
وحذر من أن الديمقراطيات حتى عندما تدعي التسلح بالأخلاق لا يمكنها أن تنتصر في حال قامت باحتلال شعوب أخرى ، واعتبر ليفين أن الاحتلال [الاغتصاب] الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو السبب الرئيسي وراء العمليات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين ، وقال ليفين الذي يوصف بأنه أحد أكثر جنرالات جيش الاحتلال مساهمة في محاربة حركات المقاومة الفلسطينية: (إن من الأمور الطبيعية أن تؤدي السيطرة على شعب آخر واحتلال أراضيه إلى عمليات إرهابية) (1) ؛ فهذا اعتراف شخص ميداني وصاحب تجربة ، وهو في الوقت نفسه خصم لدود ، وإذا كان هذا اعتراف فهناك شهادة يحق أن يقال عنها: وشهد شاهد من أهلها ، وأيضاً يصح أن يقال عنها بأنها دراسة إحصائية , وفيها رصد تاريخي عن أهم سبب للإرهاب وهو ما قاله العالم الأمريكي روبرت بيب في كتابه (الموت من أجل النصر) حيث قال : " إن الإرهاب الانتحاري الذي يشهده العالم اليوم ظاهرة عامة مارسها مسلمون وغير مسلمين , مثل نمور التاميل في سريلانكا وهم حركة ماركسية لينينية...
لقد ارتكبت ما بين 1980م و2003م خمس عشرة وثلاثمئة (315) عملية انتحارية الأمر المشترك بينها جميعاً هدف استراتيجي محدد هو : إجبار دول ديموقراطية على سحب قواتها من أوطانهم ، وحتى العمليات داخل تلك الأوطان فهي مرتبطة برفض سياسات الدول المهيمنة " (2) .
وفي ملخص آخر لبعض مضامين هذا الكتاب ذهب إلى أن " بعد تحليل المعلومات المتعلقة بكل العمليات الانتحارية التي وقعت في العالم منذ 1980م حتى مطلع 2004م إلى أن الأصولية الإسلامية ليست السبب الحقيقي لـ((الإرهاب الانتحاري)) وأن المسلمين ليسوا  الأكثر هجمات انتحارية ؛ بل هم نمور التاميل في سريلانكا , وأكد البروفيسور روبرت بيب أن الانتحاريين والاستشهاديين لا تطلقهم دوافع دينية لشن هجماتهم ؛ بل  هدف استراتيجي واضح. وقال إن (الإرهاب) الانتحاري ينبع أساساً من الاحتلال الأجنبي وليس من التطرف الإسلامي . وأضاف أن الانتحاريين في العراق هم صنيعة الغزو الأمريكي.
وأصدر بيب أخيراً كتابًا مهماً عنوانه ((الموت من أجل الفوز : منطلق الإرهاب الانتحاري)) , وقال في مقابلة أجرتها معه مجلة "ذي أمريكان كونسير فاتيف" (الأمريكي المحافظ) ، إن أبحاثه المستفيضة في المعلومات المتعلقة بكل العمليات الانتحارية خلال الفترة 1980-2004م أكدت له بجلاء أن التشدد الإسلامي ليس الدافع وراء تلك الهجمات , وأن نمور التاميل الذين يحاربون الحكومة السيرلانكية هم الأكثر استخداماً لهذا النوع من النضال من المسلمين ، وهي مجموعة علمانية ماركسية تنتمي إلى عائلات هندوسية.
وأوضح أن الانتحاريين لا ينطلقون نحو أهدافهم بدافع ديني فحسب , ولكن لديهم هدف استراتيجي واضح هو : إرغام الديمقراطيات الحديثة الغربية على سحب قواتها العسكرية من الأراضي التي يعتبرونها أوطانهم ، وقال : إن ذلك ينطبق على 95%من العمليات الانتحارية التي وقعت في العالم من سيرلانكا إلى لبنان ، ومن الشيشان إلى كشمير والضفة الغربية . وحذر بيب من أنه طالما كان ما سماه "الإرهاب الانتحاري رداً على الاحتلال الأجنبي وليس من جراء التطرف الإسلامي فإن (الاستخدام المكثف للقوات العسكرية لتغيير المجتمعات الإسلامية سيزيد على الأرجح الهجمات الانتحارية التي تستهدفنا" ، وزاد : " لا يوجد دليل على أنه كانت هناك منظمات إرهابية انتحارية ترابط في العراق قبل الغزو ، وما يحصل هو أن الإرهابيين الانتحاريين هم صنيعة الغزو ".
وأوضح أن أمريكا حافظت على مصالحها في نفط المنطقة إبان السبعينيات والثمانينيات من دون نشر جندي مقاتل واحد في الجزيرة العربية ، وهو ما يمكنها القيام به مجدداً ويمكنها في الوقت نفسه أن تعتمد على حاملات الطائرات التي تجوب مياه الخليج العربي.
وأضاف بيب أن كثيرين يشعرون بالقلق من أن تزايد عدد الهجمات الانتحارية قد يعني أن السيطرة عليها ستكون مستحيلة "لكن تاريخ الأعوام الـ (20) الماضية ينبئ بعكس ذلك ، فما أن تنسحب القوات المحتلة من أوطان الإرهابيين فإنها (الهجمات) تتوقف في الغالب" وذكر أن لبنان شهد 41 عملية انتحارية خلال الفترة 1980-1996م لكنها توقفت عملياً بعد أن سحبت الولايات المتحدة وفرنسا قواتهما ، وبعدما انسحبت إسرائيل إلى ما سمته الشريط الأمني العازل على الحدود مع فلسطين المحتلة . وقال : )صحيح أنها لم تتوقف تمامًا لكنها لم تكن هناك حملة لتنفيذ عمليات انتحارية . وعندما سحبت إسرائيل قواتها من معظم الأراضي اللبنانية فإن المفجرين الاستشهاديين لم يتابعوها حتى تل أبيب )) (3) .
ومن الإقرارات الغربية ما قاله الصحفي والمفكر الشهير باتريك سيل في رسالته التي وجهها إلى وزير الخارجية البريطاني جاك سترو:  "وهل لي أن أسألك يا سيدي الوزير عن موقفك من موضوع الإرهاب؟ لا بد أنك أدركت بأن القسوة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين -من ذلك عمليات القتل المستهدف والاستيلاء على الأراضي ، والعقوبات الجماعية، وتدمير المنازل ، وكل الفظائع الأخرى الناجمة عن الاحتلال الوحشي- كل ذلك أثار غضب العالمين العربي والإسلامي وأضحى عاملاً رئيساً في تشجيع الإرهاب الموجه ضد الغرب؟ " (4) .
وفي بحث الدكتور/ رالف سالمي يقول: "فإن الدراسة المتأنية للكتابات الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب تظهر أن معارضيه هم من اخترع العبارات المعادية مثل (الوهابيون أو الوهابية) , وهم بهذا يفترضون أن أي شخص يوافق على طرد الكفار من جزيرة العرب هو من أتباع شيخ واحد. فمعارضوه في السابق ، وكما هم اليوم ، يعتبرون الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه كفاراً لا أكثر . ومرة أخرى، فإن حقيقة كون 15 شخصاً من بين الـ 19 الذين نفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر هم من السعوديين ، لا يعني ولا يجب أن يعني أن (الوهابية) هي مبدأ العنف الديني – السياسي" (5) .
وقد ناقش الدكتور إنجريد ماتسون : (الحركة السلفية الوهابية) على النحو التالي : (هذه ليست طائفة ، إنها حركة إصلاحية بدأت قبل 200 عام مضت ، إنه اسم حركة إصلاحية لتخليص المجتمعات الإسلامية من الممارسات الثقافية والتفسيرات الخاطئة التي ظل الناس يمارسونها لقرون.... ومن الجدير بالذكر أن علماء الوهابية قد أنكروا الإرهاب , ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على وجه الخصوص" (6) .
وهناك تحليل أمريكي عن سبب ردة الفعل القوية والمقاومة المستميتة  هو (الاحتلال) حيث يقول د. جون دوك أنتوني رئيس المجلس الوطني للعلاقات العربية الأمريكية:
"إنه ليس مستغرباً في كلتا الدولتين – أفغانستان والعراق – أن أولئك الأشخاص الذين قطعوا على أنفسهم عهداً أن يقاوموا حتى الموت، وألا يستسلموا للاستعمار أو يسقطوا فرائس للهيمنة الغربية، وقد أسماهم قادة الغرب - بمنتهى البساطة - "إرهابيين" ؛ بالتأكيد هم كذلك في عيون الكثيرين من الغربيين الذين يحتلون مناصب مهمة في كلتا الدولتين، فإن أولئك الذين حملوا السلاح ضدهم أظهروا استعدادهم لمواجهة نيران القوة الغربية الطاغية الغاشمة والتكنولوجيا العسكرية، وحتى إن دعت الحاجة لاستخدام الترويع أو أي وسائل أخرى لوقف انتصار قوات الاحتلال وحلفائها سواء أكانوا من الخارج أم الداخل " (7) .
وفي صحيفة الحياة تحت عنوان (كارين آرمسترونغ) تنفي صفة الإرهاب عن الإسلام تقول آرمسترونغ في جوابها عن سؤال الحياة : " أرفض القول بأن الهوات التي يشهدها العالم تصطبغ بصبغة الدين أو يتم التعبير عنها بمصطلحات دينية لكن الأسباب الحقيقية هي: السياسة والظلم والمهانة السياسية ومصاعب التحديث " (8) .
وفي حوار أجرته معها (الشرق الأوسط) على هامش زيارة لها مؤخراً للقاهرة حيث وجهت لها الصحيفة السؤال التالي : ما رأيك في الاتهامات التي وجهت للمذهب الوهابي عقب هجمات سبتمبر 2001م في واشنطن ونيويورك ؟ أجابت : " المذهب الوهابي بريء من العنف وكثيرون يسيئون فهمه، وأنا أعترض بشدة على هذه الاتهامات التي تستند إلى أن أغلب منفذي هجمات سبتمبر كانوا من السعودية التي تتبنى هذا المذهب، لأن الغالبية الكاسحة من الوهابيين لم يرتكبوا أي جرائم إرهابية، والكلام عن أن مناهج التعليم في مصر والسعودية والدول الإسلامية وحدها تحتاج للتغير هو غير منطقي وأقول إن مناهج أمريكا وأوربا تحتاج إلى حذف كل ما يسيء إلى الإسلام والمسلمين والنبي محمد " (9) .
 

ثالثاً:
الخطأ على الحالة السعودية إزاء مسألة الإرهاب ، وهي التهمة التي برَّأها منها كبار المسئولين في الدولة، وهم أعرف من غيرهم، لامتلاكهم أدوات الحقيقة تجاه السياسات العالمية، فإذا كان الكاتب لا يريد الوقوف مع الواقعيين والمتخصصين، ولا مع المنصفين، أو مع تلك الاعترافات ولا يرغب بأن يكون موضوعياً مستدلاً بالدراسات ومستخدماً لغة الأرقام - فليكن سعودياً وطنياً واقفاً مع حكام وطنه وولاة أمره في المملكة في دفاعهم عن عقيدتهم وثقافتهم وتربيتهم ودفع تهمة الإرهاب التي يلصقها بها أعداؤهم، ويحاولون خلخلةً ثم نسفاً للعقيدة التي قام عليها هذا الكيان الوحدوي الكبير والدولة العظيمة ومشروع الوحدة الفريد من نوعه في القرن العشرين، كما قال الملك عبد العزيز مؤسس هذا الكيان: "يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا الوهابي باعتبار أنه مذهب خاص ؛ وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض.
نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة , ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد , فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح"  (10) . وكما قال الملك فهد رحمه الله تعالى: "إن ما يشاع ويذاع حول الإرهاب الدولي وتعمد الإعلام المعادي إلصاقه بالوطن العربي فهذا أمر مرفوض ، لأن الإرهاب كما هو معلوم يمارس على نطاق عالمي ، ومن جنسيات مختلفة ، وكل يوم نسمع من الأخبار المؤسفة والمحزنة في هذا الخصوص ، إلا أن بعضاً مما يطلق عليه الإرهاب الدولي هو في واقع الأمر ردود فعل لمعاناة بعض الشعوب التي استلبت أراضيها وحقوقها المشروعة ، ولذلك لكي نقطع دابر الإرهاب لا بد للمجتمع الدولي أن يتعاون وبصدق وبإخلاص لرفع الظلم عن الشعوب التي تعاني من القهر والاضطهاد " (11) . وكما قال الملك عبد الله في جوابه للصحفية الأمريكية باربرا (لمحطة  إيه بي سي) عن سؤالها عن أحداث 11 سبتمبر قال: "نعم، لقد ساءنا هذا الأمر وأصابنا بالصدمة، لقد كان لتلك الهجمات تأثير سلبي في جميع السعوديين لأن هذا  يتعارض مع تعليمنا ، نحن العرب دائماً أوفياء لأصدقائنا ونحن نعتز بصداقاتنا " (12) .
وجاء في صحيفة الشرق الأوسط: (اعتبر وزير الداخلية السعودي – الأمير نايف – أنه من الخطأ تحميل مسؤولية إفراز الإرهابيين الذين قدر عددهم بأنهم "ألف – ألفان على الأكثر" لأنه إذا كان هذا النظام مسئولاً عن إفراز الإرهابيين ، فإن كل المواطنين الذين نشأوا في كنف هذا النظام سيكونون إرهابيين. وقال الأمير نايف : هذه فكرة خاطئة يروج لها بعض المثقفين وبعض الصحافيين) (13) .
وقال الأمير نايف في تعليل كراهية الشعوب العربية للإعلام الأمريكي والأوربي واستنكر تعميم الإرهاب على المواطنين السعوديين : " والاستعداء الذي نراه الآن من الإعلام الأمريكي وبعض الإعلام الأوربي خصوصاً في بريطانيا لا يخيفنا , ولكني أقول إنه مزعج ؛ لأن ليس له أي مبرر ولا يخدم مصالحهم.
المشكلة هي أننا نقول لهم : يا ناس إن موقفكم من العالم العربي ومن قضية فلسطين بالذات غيَّر مشاعر الشعوب العربية كلها إلى شعوب كارهة لكم , فماذا تنتظرون لتغيير صورتكم أمام هذه الشعوب، ولا أقول هنا الأنظمة ؟
أنتم – والكلام لهم – لا تهمكم القيادات لكن ألا تهمكم الشعوب؟ الحملات الأخيرة , وخصوصاً منها ما يتعلق بتعميم الإرهاب على المواطنين السعوديين والحديث عن التدخل في مناهج التعليم وحتى في الشريعة الإسلامية زاد الناس كرهاً لأمريكا " (14)  (15).
ويؤكد الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية عن أهم مصادر الإرهاب: "إن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يمثل مصدراً مستمراً وخطيراً للعنف في منطقة الشرق الأوسط وما وراءها". وقال: "إن سياسات إسرائيل المنافية للقانون والعدالة في الأراضي المحتلة أدت إلى معاناة مستمرة للشعب الفلسطيني وإلى إثارة الغضب والكراهية والاحتجاج في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي " .
 وفي معرض رده على إحصاءات معهد راند عن الإرهاب قال : " إن إحصاءات معهد راند عن أحداث عام 2004م ذكرت أن نحو 46% من حوادث الإرهاب وقعت في الشرق الأوسط , ونحو 53% من الحوادث الإرهابية وقعت في أجزاء أخرى من مناطق العالم ، إلا أن الأرقام الخاصة بحوادث الشرق الأوسط تشمل العنف الراهن في العراق , الأمر الذي يشير إلى أن هذه الإحصائية يمكن وضعها في إطار قيد النظر " .
وشدد على " أن الإرهاب لا يعترف بحدود ولا يفرق بين الشعوب مهما اختلفت معتقداتها وألوانها " . وقال : " لا تختلف الجرائم الفظيعة التي ارتكبت في أوروبا , بل ولا تقل بشاعة عن تلك التي ارتكبها الإرهابيون في آسيا أو أفريقيا أو الشرق الأوسط؛ فالتطرف لا يعترف بحدود بين الدول كما لا يفرق بين الشعوب على اختلاف دياناتها أو معتقداتها أو ألوانها " (16) .
ويقول أحد الخبراء في أمور الجماعات المسلحة والفئات الضالة، الأمير تركي الفيصل – رئيس الاستخبارات السعودي لما يقارب من ربع قرن – عن سبب الإرهاب ، وأرجع ذلك إلى احتلال البلدان الإسلامية والسياسة الظالمة: اتجاه الشعوب الإسلامية والعربية: "إن المجتمع السعودي بريء من تنظيم القاعدة ، إن هذه الفئة الضالة تنبع لا من المجتمع السعودي ولا المدارس السعودية ولا البيئة السعودية .
الإرهاب قائم في المجتمعات البشرية من قديم الزمان ولا يستطيع أحد أن يقول إن هناك سبباً معيناً لنشوء الإرهاب، إن كان في مجتمع أو في مكان أو في زمان محدد.
إنه مما لا شك فيه بالنسبة إلى قضية فلسطين مثلاً هو أن الحق المهضوم للشعب الفلسطيني يؤجج مشاعر كل الشعوب بما فيها الشعوب غير الإسلامية" (17) ؛ فأين الكاتب من هذه الأقوال الوطنية وهي في الوقت نفسه مسئولة ومتخصصة، ولديها الأرقام والإحصائيات والرصد الميداني ، فليس للكاتب أن يزاود عليها لكونه ليس مسئولاً في السياسة الخارجية ، ولا مندوباً عن الاستخبارات السعودية، فضلاً عن أن يكون رجل أمن ينطلق من الميدان ومن التقارير الجنائية ونتائج التحقيق.
 

رابعاً:
الخطأ على الشريعة ؛ وذلك أن الخطاب الديني والشرعي والاختيار الفقهي في السعودية يقوم على الدليل الصحيح من الكتاب والسنة فليس لأحد أن يقول إن هذا الخطاب شديد أو ليّن ، ما دام الدليل الصحيح يقتضيه ، فاعتراضه هذا ليس على الرأي الديني أو الخطاب الشرعي والاختيار الفقهي في السعودية فحسب ، بل هو اعتراض على الشارع وعلى الشرع وعلى نبي الإسلام بدليل قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ، وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65] ؛ فالتسرع بوصف أحكام الله عز وجل وأحكام الشرع والاختيار الفقهي بالتشدد أو بالليونة - إن صدر - مبعثه وجود الحرج في النفس، وتخلق الضيق في العقل والفكر بهذه الأحكام ، وهذا مخالف للتسليم , وواقع في التحذير الوارد في الآية الكريمة.
ويتضاعف ذلك النهي والزجر إذا كانت هذه الأحكام الصادرة تجاه أحكام الله وأحكام الشرع من جهة أو من شخص غير متخصص في الشريعة ، فالله سبحانه أمر غير المتخصصين بالرجوع إلى المتخصصين فيها ؛ حتى يفهم بواعث الأحكام الشرعية وعواقبها , وحتى ينجلي الحرج عن النفس , ويتلاشى الضيق من العقل والفكر، كما قال تعالى:{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 13] ، وقال تعالى :{ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ، ولذلك قال تعالى : }وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{ [النساء: 59].
فهنا يحث الله سبحانه وتعالى على طاعة العلماء في تفسيرهم للنص وفهمهم للدليل ؛ لأنهم مختصون في الشريعة والفقه ، ويتضاعف الزجر والنهي إذا كانت الأحكام الصادرة تجاه أحكام الله وأحكام الشرع عن هوى في النفس لا عن جهل يعالج بسؤال المختصين وبإجابة المتخصصين ؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى في مثل هذه النفس المعرضة , وفي مثل هذا الفكر أو العقل المعرض : {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله}[الجاثية: 23].
 

خامساً:
الخطأ على سياسة الدولة السعودية وسيادتها: ويكمن ذلك بأن من المعلوم من التاريخ السياسي والاجتماعي أن الدول والكيانات دائماً تقوم على فكرة أو عقيدة واحدة، وكلما توحدت العقيدة أو الفكرة صار هناك قوة في وحدة الكيان وتماسكاً أكثر بين أطرافه وأجزائه وجوانبه، فوحدة العقيدة أو الفكرة أساس قوي للوحدة السياسية أو الوطنية بالمفهوم المعاصر، ووحدة العقيدة أو الفكرة طريق إلى وحدة الأمة وطريق إلى الوحدة في السيادة والسياسة. وهذا ما يفسر دعوة مؤسس علم الاجتماع وعلم بناء الدول والكيانات ابن خلدون ، المحتفى به (غربياً) في دعوته إلى التعصب للفكرة أو للعقيدة أو لأي مفهوم آخر لتجميع الأمة للقيام بعملية بناء الدولة والكيان . يقول الدكتور عبد الله بن حسين الخليفة : " وابن خلدون في تأكيده على البعد الديني والمثالي كأساس مهم في قيام المجمعات يعتبر مثالاً لهذا المنظور . فقد أكد ابن خلدون - كما تشهد بذلك مقدمته والكتابات الكثيرة الحديثة عن تراثه – على مسألة الحتمية الدينية في نشأة العمران الإنساني ، إذ يقول في مقدمته : " إن الدولة العامة الاستيلاء , العظيمة الملك ، أصلها الدين ، إما من نبوة ، أو من دعوة حق... وإن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية "(ابن خلدون 1399هـ ، ص132). ولم تلاق هذه الفكرة الخلدونية ما يدحضها في الفكر الاجتماعي الحديث ، بل إن فلسفة هيجل برمتها وتصوره للمجتمع كإرادة لله في أرضه , وكذلك رؤية ماكس فيبر في نمطيته المشهورة عن المجتمعات القائمة على السلطة الكريزماتية (الملهمة) والسلطة التقليدية ، والسلطة العقلانية ، تلتقي مع رؤية ابن خلدون في هذه الزاوية المتمثلة في النظر للدين باعتباره حجر زاوية للحياة الاجتماعية؛ بل إن النظام الرأسمالي برمته اعتبر لدى فيبر المحصلة الأخلاقية للمثل والقيم الدينية البروتستانتية , التي تؤكد على اعتبار الاستغلال الأمثل للمادة رمزاً وبرهاناً للخلاص والنجاة في اليوم الآخر. وعليه ، فإن ما يجري في الحياة الاجتماعية من ظواهر اجتماعية ومادية ، ما هي إلا وسائل أو أساليب أو متغيرات يستخدمها الإنسان لتحقيق وتلبية حاجاته الحياتية ولكنها في جوهرها تتمحور أو تعكس تلك البنية الدينية والأخلاقية والتي كانت سبباً في نشأة ذلك المجتمع" (18) . وهذا ما أشار إليه العالم بأحوال الأمم والدول وعوامل قوتها وأسباب سقوطها أبو المعالي الجويني ، حيث قال عن هذا الأساس والمبدأ وأهميته : " والغرض الأعظم من الإمامة : جمع شتات الرأي واستتباع رجل أصناف الخلق على تفاوت إرادتهم واختلاف أخلاقهم ومآربهم وحالاتهم ؛ فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء ، فإذا لم يكن الناس مجموعين على رأي واحد لم ينتظم تدبير ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير" (19) .
وكلما كانت هذه العقيدة أكثر صدقاً مع فطرة الإنسان وأكثر تجاوباً مع حاجياته الروحية والنفسية والاجتماعية كانت عاملاً قويًّا للترابط والتماسك وأساساً لتقوية الوحدة وباعدت زماناً بين تاريخ النهوض والسقوط، وهذا ما يفسر سقوط الدولة الشيوعية في عصرنا وتفككها قبل دول أقل حظًّا في النفوذ السياسي والقوة العسكرية والاقتصادية , مع أن أحد قادتها تنبأ بضعف هذه العقيدة في البقاء والصمود والتصدي ؛ فيذكر أن ستالين أمر بإعادة تأهيل المكانة الروحية للكنيسة الأرثوذوكسية في المجتمع لما لاحظ ضعف المعنويات لدى المجتمع والجيش أثناء الحرب مع (هتلر) ، لكن الدولة سقطت وتفككت، فلم تشفع لها ترسانتها النووية الأولى في العالم، ولم تقف معها ضخامة جهازها الـ(كي.جي.بي) الاستخباراتي ، ولم يغثها أو يمدها الفضاء الذي غزته بأقمارها.
 
فهذا الكلام وهذه التهمة من الكاتب تجاه العقيدة والفكرة والفهم الذي عليه يسير الرأي الديني والخطاب الشرعي والاختيار الفقهي في السعودية والذي هو أس بناء الدولة السعودية ، ومن أكبر عوامل استقرارها ، ومن أهم وسائل ثباتها في وجه مخططات خلخلة سيادتها على أراضيها , في مواجهة الأفكار العدائية تجاه استقلالها في سيادتها الداخلية والخارجية. يقول فاسيليف : " إن آل سعود اتخذوا من الإصلاح الديني ركيزة وراية في صراعهم من أجل الوحدة " (20) .
كما يقول : "إن اتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب بوصفه الزعيم الديني كان عامل توحيد , للمجتمع وجعل من الدين هالة تضفي على أعلى سلطة بالدولة "(21).
ويقول (ويندر) في كتابه (العربية السعودية في القرن التاسع عشر) : " ولا شك أنها – أي الوهابية – حققت فكرة ابن خلدون القائل إن العرب البدو يستطيعون أن يؤلفوا قوة لها شأن متى انقادوا إلى الدين " (22) .
ويقول المؤرخ الألماني (دالبرت) في كتابه (عبد العزيز) - وقد صدر في ألمانيا سنة 1953م- : " وكان لآل سعود إلى جانب سيفهم الذي يستخدمونه في الفتح سلاح معنوي آخر أمدهم بأعظم قسط من نجاحهم، ذلك السلاح من صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب " (23) .
الغربيون هنا والشرقيون قبلهم فهموا أن دعوة الشيخ كانت السبب الأكبر في وحدة الجزيرة العربية سياسيًّا وسياديًّا ، ومن المعلوم أن الشيخ جاء بدعوة واحدة، وفهم واحد ، وعقيدة واحدة لأصول الدين ، وهي دعوة السلف الصالح القائمة على الكتاب والسنة والمهيمنة على جميع الدعوات والعقائد المخالفة ، فالشيخ لم يدع إلى فهم وعقيدة (الاثنان وسبعون فرقة) ، وبذلك استطاع من أخذ بدعوته توحيد شعب الجزيرة ، فلو دعا إلى عدة فهوم وإلى عدة عقائد وتفاسير لأصول الدين لكرس الاختلاف المذموم ، ومن ثم كان ترسيخاً للأحزاب ولانطبق على دعوته قوله تعالى : }وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون{ [المؤمنون: 52، 53] ، ونتيجة هذا الفرح على أرض الواقع التنازع ومن ثم الفشل وذهاب السيادة والعزة والقوة، كما قال الله عز وجل محذراً: (فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) [الأنفال: 46].

ومما يدل على أهمية وحدة العقيدة وتوحيد الفكرة والفهم والذي تتبناه الجهة الشرعية والرأي الديني والاختيار الفقهي في السعودية في الاستقرار والاستقلال والسيادة والوحدة ما يلي:
أولاً : الإحساس الشديد والشعور القوي من باني هذا الكيان وصاحب هذا المشروع الوحدوي النادر بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء وهو الملك عبد العزيز   - رحمه الله - ولأهمية ذلك الأساس وذاك الأصل تبنيه له وجعله الأساس والمبدأ الذي أقام به أركان الدولة وساهم من خلاله في الوحدة . ومن الخطأ في النصح والإصلاح والتطوير والتجديد المزايدة على الملك صاحب التجربة ورائدها وقائدها, وخاصة أنه سبق أن انتقد بشدة من يخوض أو يحاول خلخلة العقيدة التي أقامت هذا الكيان باسم التجديد وتحت ذريعة التطوير , حيث قال : " إن من نعم الله على هذه البلاد المقدسة أن رفع الله فيها منار الدعوة إليه ، وحفظها وصانها من أي تدخل أجنبي ، بحيث أصبحت حرة مستقلة في داخليتها وخارجيتها، وليس لأجنبي فيها امتياز على غيره ، فكل مَنْ دخل هذه البلاد فهو خاضع لا لجبروتنا وقوتنا، وإنما خاضع لجبروت الشريعة وحدها، أما التجديد الذي يحاول البعض إغراء الناس به بدعوى أنه ينجينا من آلامنا فهو لا يوصلنا إلى الغاية القصوى ، إننا لا نبغي هذا التجديد الذي يفقدنا عقيدتنا، وديننا " (24) .
فمن ذلك: يقول رحمه الله : " أنا مسلم، وأحب جمع الكلمة، وتوحيد الصف , وليس هناك ما هو أحب إلي من تحقيق الوحدة " .
ويقول أيضاً: "والأمر لا يتم إلا بمسألتين، الأولى: التوفيق، والتوفيق لا يكون إلا بالله {وما توفيقي إلا بالله} [هود: 88]. والإنسان بلا توفيق لا يستطيع أن يعمل شيئاً.
والثانية: الاجتماع والائتلاف , وهذان هما أساس كل شيء {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} [آل عمران: 113].
وقد شرع الله شرائع في الدين مثل: اجتماع المسلمين في الصلوات الخمس، والجمعة والحج ، والنظر في مصالحهم باتباع ما أمر به واجتناب ما نهى، ومصالح العباد لا تكون إلا بالاجتماع فإذا تآلفت القلوب وتوحدت الكلمة نالوا السعادة في الدين والدنيا والآخرة، وإذا اختلفت القلوب وتفرقت الكلمة أضاعوا الدين والدنيا والآخرة " (25) .
فيلاحظ اهتمام صاحب التجربة وباني الوحدة بأهمية توحيد الكلمة والاجتماع على عقيدة وفكرة واحدة قائمة على إتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه وهذا الموقف  منه قائم ومنبثق من قوله تعالى : {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا}[آل عمران: 113] ، والمقصود بحبل الله هو دين الله الصحيح.
ومما يدل على أن الملك يقصد بتوحيد الكلمة توحيد العقيدة والفهم للنصوص  من الكتاب والسنة قوله مرة: "فنحن دعاة إلى العقيدة السلفية " (26) . وقال: " نحن دعاة إلى العروة الوثقى لا انفصام لها " , وبالمناسبة هذه المقولة تذكرنا بمقولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: " إنما ينقض عرى الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولا يعرف الجاهلية " ، لقد بيَّن التاريخ صدق هذه الكلمة وعمقها وبعدها في السياسة والسيادة والائتلاف والوحدة ودليلها قوله تعالى : {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} [آل عمران: 103]. فمن الملاحظ في أبجديات وأدبيات الكاتب وغيره من الكتاب الذين يظنون أنهم يحاربون الإرهاب أنهم يحاربون أساسات الدولة , وأعمدة الكيان , ومرتكزات الوحدة , ويقوضون المنهج الذي سار عليه باني هذا الصرح الوحدوي ؛ وذلك عن طريق تقويض سيادة الشريعة الواحدة والعقيدة الواحدة والفكرة الواحدة وخلخلتها وضعضعتها.
فبالإمكان استلهام حكمة عمر بن الخطاب في الحالة السعودية مع هذه الأدبيات وتلك الأبجديات فنقول : إن مشروع الوحدة السعودية واستقلال سيادتها داخلياً وخارجياً إنما ينقضه عروة عروة من نشأ وهو لا يعرف كيف بني هذا الكيان ، وكيف توحد ، وكيف استقل في السيادة والسياسة ، وعلى أي طريق سار وعلى أي منهج قام .
 
سادسًا: الخطأ على أهم  أبجديات وأساسات علم السياسة المعاصرة : وهو ما يسمى (بالعقيدة السياسية) أو (عقيدة وحدة السيادة) والتي من موضوعاتها ما يسمى (بمبرر الوجود للدولة) أو (الفكرة من وراء إنشاء  الدولة ) و(نظرية الحقل الموحد) و(مبدأ البقاء).
الكاتب جعل من استراتيجيته لمحاربة الإرهاب الدعوة للتعددية الفكرية والتعددية الطائفية والعقدية ، والسماح لكل من أراد أن يدعو أو ينادي لأفكاره وعقائده - المخالفة والمناهضة والمناقضة للعقيدة السائدة والفكرة الواحدة - والتي كانت وما زالت تغرد خارج الرحم الذي خرجت منه الدولة، فالدولة السعودية خرجت من رحم الدعوة السلفية ، وهنا مكمن الخطر وموضع الخطأ ، وذلك بمخالفة أهم موضوعات وأبجديات علم السياسة والسيادة والوحدة والبقاء ، وسيطرة الدولة المركزية على بقية أجزاء الدولة. يوضح ذلك المقولة التالية والتي ينص بعضها بصراحة على الشأن السعودي، ودور الدعوة في بناء الدولة:
(يقول جوشيم واتش : " ليس هناك من شك في أن الدين قد برهن على أنه واحد من أعظم القوى التوحيدية الفعالة والمؤثرة في حياة (أو قيام) أو سيرة جميع أنواع الدول ، على الرغم أنه من المعلوم أيضاً أن الدين يثور أو يرتد على الدولة أو قوادها عندما يساء استخدامه ؛ فالتعاليم الدينية تقف وراء أو (تدفع عن) مصداقية القوانين الكونية والأخلاقية والدينية تلك الأمور التي يعتمد عليها صلاح وسعادة الجماعة. إن هذا الأمر صحيح في الأوضاع العادية ، ولكنه يصبح أمراً أكثر أهمية ومصداقية في فترات الضغوط والأزمات والصراعات ، ولهذا السبب فإن جزءاً كبيراً يعتمد على التفسير الديني ، وعلى من يقوم بعملية التفسير . وطالما أن التنظيم السياسي والاجتماعي للدين ليس شأناً اعتباطيًّا ، ولكنه يعتمد بدلاً من ذلك على مبادئ دينية ثابتة , فإن الدولة ملزمة بالعمل وفقًا لمتطلبات  الدين". كما أن العلامة ابن خلدون قد أكد هذه الحقيقة قبل ذلك بقرون عديدة ؛ إذ يعتقد "أن الدول أصلها الدين" , وعلل ذلك بقوله : " إن القلوب إذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتهم فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة ". كما يقرر "أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة" ، وأرجع ذلك "إلى أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أصل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق ، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه) (27) .
ويؤكد ذلك د. عبد الله القباع حيث يقول عن العقيدة أو الأيديولوجية السياسية للدولة : " من الأمور التي يمكن أن تطلق عليها ثابتاً في علم السياسة الدولية ما يتعلق بمصالح الدولة الحيوية ، وخاصة ما يمس الأمن القومي لهذه الدولة أو يؤثر على وجودها ، كحقيقة مادية أو معنوية في المنتظم الدولي . أما العوامل التي لا تكتسب صفة الثبات فهي المتغيرات التي لا تمس الأهداف العليا للدولة ولا تؤثر على وجودها أو تخل بقيمها. والقضية الثابتة في السياسة الدولية تخضع للمنظور الاستراتيجي العام للدولة وللرؤية الفكرية للنخبة الحاكمة التي غالباً ما تبلور موقفها على أساس من فهمها للمصلحة الوطنية وإخلاصها للدفاع عن كيان وسيادة الوطن أو الأمة . أما المتغيرات فهي التي تدخل في إطار الأمور الفرعية أو القضايا التي يمكن التأثير بها ، أو تغيير مواقفها ، أو إعادة ترتيب أولوياتها ، أو الاستغناء عن بعضها، في مقابل تحقيق نوع أفضل من المكاسب في مواقع أخرى. ويدخل في إطار الثوابت جميع الأمور التي تتعلق بحماية (الأيديولوجية السياسية للدولة أو معتقدها الديني) أو تحقيق الرفاهية والرخاء لمواطنيها أو المحافظة على ما تعتقد الدولة أنه مهم للدفاع عن مجالها الحيوي " (28) .
ويقول د. ناصر الصالح عن أهم موضوعات علم السياسة والسيادة وهو ما يسمى (بمبرر الوجود للدولة والفكرة من إنشاء الدولة) وتطبيقها وإظهار مفعولها على الحالة السعودية وفاعليتها في الحكم في الجزيرة العربية : " الفراغ السياسي والديني لمنطقة نجد حتم أن ينشأ فيها حاجة ماسة إلى قوة سياسية تجمع شتات الكيانات السياسية الصغيرة المتناحرة وإلى حركة إصلاح ديني تعيد السكان إلى الدين الحنيف كما عرفه سلفهم الصالح ، وبالفعل نجد أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب جاءت في هذه الظروف وكان من نتاجها اجتماع الكلمة ووحدة الصف واتخاذ الفكرة القائمة على أساس وحدة السياسة والدين في نظام سياسي واحد ، وقد حدث ذلك عندما حصل التمازج والالتحام بين النظام السياسي القائم في الدرعية تحت لواء آل سعود والدعوة الإصلاحية التي انطلقت من حريملاء فالعيينة ، ويعتبر تبني آل سعود لهذه الدعوة ومناصرتها ومؤازرتها مع تعهد النظام السياسي للدولة السعودية بتطبيق تعاليم الدين الحنيف في كل أمورها وشؤونها وعلاقاتها ؛ أساس إرساء الحكم واستقراره , وهو كذلك ما يعبر عنه بمبرر الوجود للدولة أو الفكرة من وراء إنشاء الدولة كما قرره الجغرافيون وعلى رأسهم هارتسون الأمريكي " (29) .
ويقول د. الصالح عن (نظرية الحقل الموحد): (جاءت نظرية جونز المعروفة بنظرية الحقل الموحد لتفسر نشأة الدولة عبر مراحل تشكل سلسلة من الحلقات هي الفكرة والقرار والحركة والمجال والمنطقة السياسية . وبتطبيق ذلك على المملكة العربية السعودية نجد أن مرحلة الفكرة تتلخص في التلاحم والتمازج بين حركة الإصلاح الديني ، والدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والقوة السياسية التي قادها الإمام محمد بن سعود ، وهي الفكرة التي تعد بحق أساس قيام الدولة وركيزتها الأساسية ، أما مرحلة القرار فهي تبني القيادة السياسية بالدرعية للحركة الإصلاحية الدينية ودعمها ومؤازرتها ، ثم تأتي مرحلة الحركة التي تتمثل في الحركات المناهضة لدعوة الإصلاح الديني السياسي , وما تلاها من حركات معاكسة لردع تلك الحركات المناهضة ، ومن ثم توسع الرقعة المكانية للدولة السعودية ، أما مرحلة المجال فهي المنطقة الجغرافية التي تمت فيها الحركة وتشمل جميع مناطق شبه الجزيرة العربية ، وأخيراً مرحلة المنطقة السياسية المتمثلة في قيام الدولة السعودية المعاصرة " (30) .
يقول حسين حمزة بندقجي عن ما يسمى مبدأ البقاء : " فمبدأ البقاء يعتمد في الدرجة الأولى على رغبة الشعب في أن يكون له شخصية مستقلة تميزه عن جيرانه ، وأن تكون له قيم يختارها لنفسه لتكون أداة لوحدته ، فمثلاً هناك العديد من الشعوب التي تبرر بقائها لكونها تدين بدين واحد , كدولة الباكستان ، والمملكة العربية السعودية . كما أن إسرائيل تزعم أن رغبتها في إنشاء دولة يهودية , وهكذا . وهناك أيضاً مجموعة أخرى من الدول تدين في بقائها إلى وحدة لغتها كفرنسا، وكما حاولت ألمانيا أن توحد جميع الدول الناطقة باللغة الألمانية ، ثم إن هناك دولاً تدين ببقائها على وحدة تاريخها الطويل كالهند التي تتعدد فيها اللغات والديانات ولا يوجد مبدأ يربط هذه الملايين من البشر سوى أنهم عاشوا جميعاً في مكان واحد، وأنهم اشتركوا في تاريخ واحد ، ولهذا المبدأ آثاره في الشعوب العربية أيضاً. ونتيجة لوجود مبدأ البقاء فإن الدول يصبح لديها قوة موحدة أو قوى جاذبة Centripetal Forces".
" أما إذا افتقرت الدولة إلى مبدأ البقاء أو إلى القوى الموحدة فإنها - بلا شك- يتهدد أمنها وسلامتها بظهور قوة جديدة أو عدد من القوى , تعرف باسم القوى الطاردة أو المفككة Centrifugal Forces , هذه القوى هددت أمن وسلامة العديد من الدول والإمبراطوريات في الماضي ولا زالت تنهك أجسام العديد من الدول في العصر الحديث " (31) .
الكاتب – هدانا الله وإياه – لم يترك لنا في مقالته شيئًا من هذه النظريات ولا من هذه المبادئ والأساسيات؟! في الحقيقة لا نستطيع أن نقول إنه وغيره ممن يطرح هذا الطرح يجهلون هذه الأساسيات أو تلك الموضوعات ، خاصة أن بعضهم درس هذه النظريات في الغرب ، لكن المشكلة تكمن - في نظري – بالموضوعية وتتعلق بسطحية الطرح وعدم استعمال لغة الأرقام والنسب المئوية ، وجلد الذات ، فجعل حكم الأقلية الضالة الشاذة فكرياً وفهماً حكماً عاماً على الأغلبية العاقلة من الشعب السعودي ، مع أن المنطق يقول : إن الشاذ النادر لا حكم له ، وإن الشذوذ يؤكد القاعدة .
 

----------------------------
(1)  صحيفة الشرق الأوسط ، العدد 9813 ، تاريخ 9/10/2005م.
(2)  المصدر السابق، العدد 9819، تاريخ 16/10/2005م.
(3)  النخبة، العدد 370، 19/9/1426هـ .
(4)  الحياة، العدد 15617 تاريخ 6/2/1426هـ.
(5)  السعوديون والإرهاب، رؤى عالمية، مجموعة مؤلفين، ط 1، الرياض: غيناء للنشر، 1426هـ/2005م، ص 355.
 (6)  المرجع السابق، ص 354.
(7)  المرجع السابق، ص 272.
(8)  الحياة، العدد 15618، تاريخ 7/12/ 1426هـ.
(9)  الشرق الأوسط ، العدد (9913) (المنتدى الثقافي) ، تاريخ 18/1/2006م.
(10)  المصحف والسيف ، محي الدين القابسي ، ص 55.
(11)  خطب خادم الحرمين الشريفين ، عبد الرحمن الرويشد، ص 193.
(12)  صحيفة الحياة، العدد 15538، بتاريخ 13/9/1426هـ .
(13)  صحيفة الشرق الأوسط، العدد 9334, بتاريخ 18/6/2004م .
(14)  صحيفة اليوم، العدد 10759، بتاريخ 24/9/1423هـ.
(15)  يذكر الشيخ صالح الحصين في محاضرته في مؤتمر المئوية  : " في مقابلة بين سمو الأمير نايف ووفد صحفي كويتي فوجئ سموه ( ولا شك أنه صدم ) بسؤال أحد أعضاء الوفد عما إذا كان مرتكبو حادث التفجير بالخبر لهم صلة بالأصوليين في الكويت , وأصوليو الكويت – حسب لغة الصحافة في الكويت – يمكن أن يكون المقصود بهم من يطلبون بأن تكون القوانين متفقة مع الشريعة أو من يسمون بالإسلاميين من أعضاء مجلس الأمة , أو حتى خطباء المساجد , أو أعضاء لجان التوعية الإسلامية , أو الجمعيات الخيرية " (المملكة العربية السعودية والدعوة الإسلامية  للشيخ صالح الحصين , ص 13).
(16)  صحيفة الحياة ، العدد 15628 , 17 ذو الحجة 1426هـ.
(17)  صحيفة الحياة، العدد 15462 , 26 جمادى 1426هـ.
(18)  الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي، ص 10، بحوث مؤتمر المئوية..
(19)  الجويني (الغياثي , ص 15، 134، 183).
(20)  انظر: الثوابت والمتغيرات، الخليفة، ص 19
(21)  المرجع السابق .
(22)  كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب، لمحمد مهدي الإستانبولي (ص 125).
(23)  المرجع السابق .
(24)  كتاب  "لسراة الليل هتف الصباح"، عبد العزيز التويجري، ص 23.
(25)  منهج الملك عبد العزيز، عبد الله التركي، ص 88.
(26)  التركي، ص 53.
(27)  الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي، عبد الله الخليفة، ص 17.
(28)  العلاقات السعودية اليمنية، عبد الله القباع، ص 253.
(29)  البناء السياسي للمملكة العربية السعودية، تطبيق لبعض مفاهيم الجغرافيا السياسية، ناصر الصالح، ص 6، بحوث مؤتمر المملكة العربية السعودية في مئة عام.
(30)  المرجع السابق، ص 8.
(316) الدولة، دراسة تحليلية في مبادئ الجغرافيا السياسية ، حسين حمزة بندقجي ، الجزء الأول ، ص 163- 164.

 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية