اطبع هذه الصفحة


التعددية الفكرية المناهضة للثوابت الدينية طريق إلى الأحزاب السياسية , والأحزاب السياسية طريق للهيمنة الأجنبية

خالد بن عبدالله الغليقة

 
    لقد نشأنا ـ نحن السعوديين ـ أبناء الجزيرة العربية معقل الإسلام وقلبه النابض , وموطن العروبة وبلاد الحرمين الشريفين ، ونحن نسمع  ـ وأحياناً نقرأ ـ أن هناك مشروعاً لتقسيم أرضنا ، وفصم عرى بلادنا، وتجزئة شعب المملكة ، وخلخلة سيادة الدولة فيها ؛ وأن ذلك المشروع مطروح ومكتوب ومدروس لدى المخابرات الأجنبية , وأحيانًا يمرر إلى بعض البلدان المجاورة في زمن الأزمات والهزات السياسية , كما مرر  أيام قومية عبد الناصر ، ومن ثمّ بعثية صدام .

وحتى لا نسبح في خيال علينا أن نوقن بأمور تجعلنا نبعد عن الخيال وأشباحه .

فمن ذلك : اليقين بأن جزيرتنا أو مملكتنا ليست معصومة من التقسيم ؛ بل هي جزيرة مثل غيرها من بلاد الإسلام ، إن تخلت عن أسباب قوتها وعزتها وعوامل استقرارها ومرتكزات سيادتها احتلت وقسمت , وانتقصت سيادتها ؛ والتاريخ القريب للجزيرة العربية ليس عنا  ببعيد ، والفدرالية قريبة من حدودنا  وهي نوع من التقسيم ، وشكل من أشكال خلخلة سيادة الدولة المركزية على بقية أجزائها . 

الأمر الثاني : حتى نبتعد عن الخيال في مقاومة هذا التقسيم الجغرافي والفدرالي , أو خلخلة وانتقاص سيادة الدولة , علينا أن نعرف أن هذا الأمر لن يتم في يوم وليلة , فمن الأمور التي يجب أن تعرف أن ميزة المشاريع الاستعمارية أنها غير مستعجلة ، وأن من خاصيتها أنها غير متسرعة ؛ بل توضع الخطة , ويوضع لها جدول زمني قد يمتد سنوات , بل عشرات السنوات وأكثر ، وبهذا نجحت مشاريع الهيمنة وخطط السيطرة على العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً . فهل هناك واقعي يكذب هذا الأمر ؟! أو قارئ للتاريخ ينكر هذه الميزة ؟! ومنصف يستطيع إن يقول إن هذا الأمر ليس بصحيح ؟!
وممن عبر عن هذه العقلية والتكتيك " كسنجر " عندما قال ناصحاً لإحدى دوائر الاستعمار : (علينا أن نتذكر أن تنامي النظام الديمقراطي حتى في الغرب قد مر عبر مرحلة ولادة آلامه ولذلك فإن حرق مراحل هذه العملية أدى إلى تشويه أهدافنا وتحويلها إلى ما نراه الآن في العراق) (1).

الأمر الثالث في عملية الابتعاد عن الخيال : هو أن نعرف أن المستعمر لن يقوم بهذه العملية حتى يعرف أنها صارت واقعاً على الأرض ، والواقعية هي إرادة أهل الأرض ذلك لأنفسهم . وتخلق ذلك في أفكارهم ؛ فالفكرة هي الكفيلة بالتغيير , والفكر هو الذي يرسم الخريطة الجغرافية ,  فإذا تغير الفكر تأهلت الأرض للأفكار الاستعمارية من تقسيم وفيدرالية ، وأهونها وأقلها في الوقت نفسه خلخلة سيادة الدولة المركزية على أرضها, وذلك عن طريق خلخلة الفكرة , وهو ما يسمى بحرب الأفكار ، وليس المقصود الأفكار بحد ذاتها , بل نتائجها على فكرة الدولة المركزية, أو عقيدة سيادتها التي استطاعت بها التجميع , وعن طريقها قدرت على السيطرة ، وإقامة الوحدة الوطنية ؛ فالعمل يكون بخلخلة هذه الفكرة , وذلك عن طريق طرح أفكار جديدة , ونماذج جديدة للدولة وما فكرة الدولة السعودية الرابعة أو المملكة الدستورية عن هذا ببعيد , أو عن طريق معاني جديدة للعلاقات مع الآخر .. والآخر المقصود به في أدبيات وسياسات الدول القوية الغالبة سياسياً والمسيطرة عسكرياً واقتصادياً هو السماح لأفكارهم ولأموالهم ولسياساتهم واقتصادهم بالسيطرة ، تحت مسمى العولمة واحترام الآخر , وحرية الرأي والفكر والإبداع , وحرية الطوائف ذات الأفكار البالية والعقائد المنقرضة أو الخامدة , والسماح لها بالتغلغل داخل المجتمع المقصود خلخلة فكرته وفكر دولته المركزية وأجهزتها ونموذجها ونمطها وأسسها التي استمدت منها شرعيتها ومشروعيتها ؛ كخلخلة مكانة الدعوة الإصلاحية السلفية في الجزيرة العربية , ومراجعها الدينية والقضائية , وهز سيادتها ؛ لأنها هي التي تواجه الأفكار الشاذة وتقاضي أصحابها .

الأمر الرابع حتى نبتعد عن الخيال أو السباحة فيه : أن هذا الأمر لن يتم إلا عن طريق تكون الأفكار , والتي هي طريق إلى تكوين الأحزاب ؛  فمن المعلوم بالضرورة أن الأحزاب السياسية تكونت عن طريق الأفكار؛ ومن ثم يأتي الضغط الاستعماري متسلحًا بحرية الرأي  وحرية الأحزاب  والطوائف في المشاركة السياسية , والمشاركة في القرار السياسي ، وتأتي الدعوة إلى الديمقراطية وحكم الشعب بالشعب . فإذا تكونت الأحزاب السياسية استطاع الأجنبي بذكائه وخبرته العميقة اختراقها ,  وتجربته الطويلة في تمويل هذه الأحزاب واحتوائها ودعمها لمنازعة الدولة المركزية على الحكم ومنازلتها وفي أقل الأحوال ابتزازها شاهد على ذلك ، يقول عبد الرحمن الأرياني : ( الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة ) (2) ، ويقول توفيق المديني عن أحد الأحزاب في المجتمع العربي :  ( وكان الحزب يعتمد على البريطانين الذين يمارسون نفوذاً في العراق والأردن لتوسيع سوقها التجاري في تلك الدولة ) (3).

وإلى هذه النقطة تكون البلد في يد الأجنبي , وإلى هذا السطر تكون بين أصبعي المستعمر يقلبها كيف يشاء , وما الحالة اللبنانية إلا مثال على ذلك , فهي تُعد من أعرق دول المنطقة في الحرية الفكرية والتعددية الحزبية , ولكنها من أقل الدول استقلالاً وسيادة ؛ لأن كل حزب بما لديهم فرحون . وكل حزب لدعم الأجنبي خاضعون , وبأمره يأتمرون

--------------------------
(1)  صحيفة الشرق الأوسط ,العدد 10224 , 4/11/1427هـ .
(2)  المجتمع والدولة , ص 320 .
(3)  المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي , ص 506 .


 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية