اطبع هذه الصفحة


تطبيق الشريعة وسيادة الأخلاق الفاضلة
قَدَر السعودية والسعوديين
(1)

خالد بن عبدالله الغليقة

 
سعادة الأستاذ:
يعرف سعادتكم أن الإنسان بشكل عام حمَّله الله أمانة عظيمة عجزت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها , كما قال تعالى } إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا {(2), فالله سبحانه وتعالى ذكر السماوات والأرض والجبال وعجزهن , فهذا يدل على ثقل هذه الأمانة وعظمتها.

لكن بني الإنسان في تحملهم لهذه الأمانة متفاوتون , فمن كانت الأمانة نزلت بلغتهم فهم أكثر تحملاً  للمسؤولية أمام الله عز وجل , وإذا كان رسول الأمانة من جنسهم فهم أعظم تحملا وأكبر مسؤولية عنها؛ فعلى هذا لما كان الدين الإسلامي ناسخًا لجميع الأديان , وكانت الشريعة الإسلامية مبطلة لكل شريعة سواها , وكانت العقيدة الإسلامية ماحية لكل عقيدة سابقة , وكان العرب قد نزل هذا الدين وهذه الشريعة والعقيدة بلغتهم وبعث الرسول من جنسهم فإن مسؤوليتهم تجاه هذا الدين أعظم , وتحملهم لنشر هذه الأمانة وهذه الشريعة أكبر , ولما كان موطن العرب هو الجزيرة العربية , وكانت الجزيرة العربية مهبط الوحي ومبعث الرسالة , فالنتيجة الحتمية أن أمانة هذا الدين في أعناق أهل الجزيرة كبيرة , ومحيطة برقابهم إحاطة السوار بالمعصم ، ودون تيبرئة غيرهم.
 
سعادة الأستاذ :
تعرف أيضًا أن المملكة العربية السعودية تحتل أكبر جزء من هذه الجزيرة العربية , وتضم أهم بقعة وأقدس مكان بالنسبة للمسلمين , ويتوجه المسلمون بوجوههم تجاهها في اليوم خمس مرات , وبأجسادهم مرتحلين إليها في السنة عدة مرات , فالنتيجة الحتمية لتلك الفضائل والمحصلة النهائية لتلك الخصائص أنها قاعدة الإسلام ومعقل الشريعة وقدوة المسلمين , والمثل الأعلى للشعوب الإسلامية , وهذا ما اعترف به عقلاء المسلمين وحكماؤهم وقادتهم وسادتهم , وشهد به العدو قبل الصديق (3) .
 
سعادة الأستاذ :
إذا عرفنا مكانة المملكة وشعبها في أعين سادة وقادة وحكماء وعقلاء المسلمين , ومنزلة المملكة وشعبها في نظر الأعداء , فمن العقل التام , والحكمة التامة , والنظر البعيد والعميق في السياسة والسيادة والحكم أن تكرس المملكة وشعبها هذه النظرة , وذلك الاعتبار , وأن تعزز المملكة وشعبها هذه القدوة والمثل الأعلى , وأن توقر وتقدر المملكة وشعبها هذه الميزة التي ميزها الله بها , واعترف بها الناس لها , وهي أنها وأنهم قاعدة الإسلام , ومعقل المسلمين , ومقياس الحلال والحرام , ومعيار الشريعة الصحيحة والعقيدة الحقة فعلى هذا يجب شرعًا وعقلاً ومنطقًا وسياسة وسيادة وحكمة أن تكون المملكة العربية السعودية عند حسن ظن المسلمين بها , وأن يكون شعبها عند حسن ظن المسلمين بهم , وذلك بعدة أمور :

أولاً:- في تطبيق الشريعة وتسييدها ,
فلا يُقدح في الشريعة في بلاد الشريعة , ولا تخلخل سيادة الشرع في بلاد مهبط الشرع , ولا يخترق النظام الشرعي في حمى مبعث رسول الشرع فعلى هذا يجب تطبيق الشرع في الحكم والقضاء , وسائر شؤون الحياة , وعلى جميع العقائد الدخيلة , والأفكار الوافدة , وعلى جميع الأجناس والطبقات بلا استثناء بين كبير أو صغير , أو أبيض أو أسود , وبين عربي أو عجمي , وبين أجنبي ومحلي ؛ فالجميع خاضع لسيادة الشرع , والكل محكوم بالشريعة فقد حذر سبحانه وتعالى من عدم تسييد الشرع , وعدم إخضاع جميع الأشخاص والأحوال والعقائد والأفكار للشريعة في قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (4) وآية أخرى : {فأولئك هم الظالمون} (5) وآية أخرى : {فأولئك هم الفاسقون} (6), وهذه الأوصاف إذا انطبقت على نظام ما , وتغلغلت فيه , وشاعت فبقدر تلك الغلغلة وذاك الشيوع والانطباق يحصل لها الهلاك , والهلاك هنا متنوع بين سياسي وسيادي , وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والأمني كما قال سبحانه وتعالى : {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (7) , وقال تعالى : {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (8) , فمن الكفر بالنعم ومن الفسق : عدم تطبيق الشريعة , ومن الكفران بالنعم والفسق عدم تسييد الشريعة , ومن الكفر والفسق والظلم عدم إخضاع جميع الأشخاص والأحوال والعقائد والأفكار للمعيار الشرعي , ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : {إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد}(9).
وقال صلى الله عليه وسلم لما سُئل : أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله قال : ( نعم إذا كثر الخبث ) (10).

فمن أكبر الخبث : ( الكفر والفسق والظلم ) ؛ فبقدر انتشاره في المجتمع يرتفع مؤشر الهلاك على جميع المستويات , ولذلك أمر سبحانه وتعالى بالتمييز بين ( الخبيث والطيب ) حتى يحصل الفلاح على جميع الأصعدة, ويقل الهلاك , فقال عز من قائل : } قل لا يستوي الخبيث ولا الطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم   تفلحون { (11).
ولهذا مما أجمعت عليه الشرائع المنسوخة والمبدلة فضلا عن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام الناسخة لجميع الشرائع , والمبدلة لجميع الأديان الدعوة إلى العدل في الحكم والقضاء كما قال تعالى : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}(12) فأول مراتب العدل العدل مع الله سبحانه وتعالى , وذلك بتطبيق شريعته وتوحيدها في الحكم والقضاء , فلا تزاحمها شريعة مخلوق ضعيف ومن العدل مع الله عز وجل كذلك تسييد قانون السماء فلا يخاصمه السيادة قانون الأرض , ومن العدل مع الله عز وجل سيادة العقيدة التي أرادها والعقيدة التي أوحى بها إلى نبيه , والعقيدة التي دعا إليها , فمن الظلم الفادح من الإنسان أن يخلخل هذه العقيدة ويسقطها , ومن الظلم العظيم من بني الإنسان أن لا يجعل هذه العقيدة حاكمة على جميع العقائد , ومهيمنة على جميع الأفكار والآراء والأشخاص , ولهذا بيّن الله تعالى أن سبب إهلاك الأمم وسقوط الدول وخراب المجتمعات ظلمهم لهذه العقيدة التي أوحى بها إلى نبيه , وأنزلها على رسوله : {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (13), وقال تعالى : {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا} (14), وقال تعالى : {وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (15), وقال سبحانه : { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } (16) .

وفي المقابل بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى مفعول الإيمان الصحيح , والعقيدة الصحيحة , والشريعة الحقة وتسيدها , وجعل هذه المبادئ حاكمة على كل شيء , ومعياراً لجميع شؤون الحياة فقال سبحانه وتعالى : } وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً { (17), وقال : }ولو أن آهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ولكن كذبوا فآخذناهم بما كانوا يكسبون { (18) وقال تعالى عن مفعول الاستغفار من الذنوب - ومن أكبرها عدم تسييد العقيدة والشريعة , وعدم جعلهما حاكمين على جميع الأفكار , وفي جميع شئون الحياة -  فقال : } فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين {(19).
 

ثانيا:- في الأخلاق والهوية الإسلامية:

يجب أن تكون المملكة وشعبها قدوة للمسلمين في هذا المجال , فتكون النموذج الأمثل في التميز الأخلاقي , وتصفية السلوك الإنساني من الشوائب والانحراف , والمحافظة على الهوية الإسلامية , وذلك لعدة أسباب : الأول : أنها تضم المنطقة التي نزل فيها قوله تعالى في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام {وإنك لعلى خلق عظيم}(20) , وتضم البقعة التي تأسست بها قاعدة الأخلاق الإسلامية نظريا , وذلك من خلال الآيات التي نزلت , والأحاديث التي رويت في الحث على القيم العالية , والأخلاق السامية , والفضائل الحميدة وهذا الجانب النظري , أما الجانب التطبيقي فقد تمثل في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن) , وقيل عنه صلى الله عليه وسلم : إنه قرآن يمشي على الأرض , فالمملكة نظامًا وشعبًا من باب أولى أن تتمسك بهذه الفضائل الحميدة والأخلاق السامية والقيم العالية التي دعا إليها الإسلام , وحث عليها القرآن , وطبقها ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب على المملكة نظامًا وشعبًا الالتزام بهذه الأمانة وتحملها على عاتقهم فهم رسل وسفراء هذه الأخلاق للناس كافة يحملون المعيار , والميزان الأخلاقي الإسلامي لكافة الناس .

السبب الثاني: أن أهل المملكة هم أحفاد الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه , فالأحفاد أولى من يدخل في خطاب الله تعالى : {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم} (21) فهذا واجب شرعا ويجب عقلا ومنطقا أن يكون الأحفاد أكثر التزاما وتحملا لأخلاق آبائهم وأجدادهم ؛ حتى يرضى الله عنهم كما رضي عن أجدادهم وآبائهم , والرضا من الله يستلزم العزة والتمكين والاستقرار .
وأحفاد الصحابة هم أولى من غيرهم دخولاً تحت قوله تعالى : } وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً { (22), فالوسطية معيار , والوسطية ميزان توزن به السلوكيات الجديدة , والتصرفات الوافدة ، وبسبب هذا الميزان الذي تبناه حكام الجزيرة وعلماؤها ومفكروها بقيت منارة الإسلام والشريعة والعقيدة والأخلاق الإسلامية شامخة وحاكمة وفاعلة على أرض الجزيرة , وبين أبنائها , وعلى المقيمين فيها ، فمن العقل الصحيح والمنطق السليم الإبقاء على هذه المكتسبات , والتمسك بهذه المكانة .
 
 
-----------------------------
(1)  رسالة شخصية .
(2)  سورة الأحزاب , الآية : 72 .
(3)  ويحسن أن ننقل نصًا واحدًا مكتفين به عن شخص عاصر التيارات الفكرية التي حصلت منذ أربعينات القرن الماضي وإلى الآن والتي قامت عليها دول هاجت وماجت ومن ثم هوت، وهو شفيق الحوت – من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية – في زيارته للمملكة بعد خلاف  دام أربعون عامًا معها ، حيث يقول : " لقد اصطفى الله سبحانه وتعالى هذه الديار الرحبة من بين سائر بقاع هذه الأرض ، فَحَباها بآيتين من معجزاته يكمن فيهما سر هذا الكون ولغز العلاقة بين المادة والروح في هذه الحياة . الأولى وهي معجزة الروح فقد تنزلت وأنزلت من السماوات العلى على أمين من خير أبناء هذه الديار . أما الآية الثانية , ولأنها مادية عابرة فلقد شاء الله أن تتفجر من أعماق باطن هذه الديار ومن نوعية ماهيتها ، فأنعم الله عليها بإكسير لولاه لما استطاع الإنسان أن يحقق في الدقائق العشر الأخيرة من يومه التاريخي الطويل قفزة نوعية تفوق كل ما أنجزه منذ بداية التاريخ المكتوب.
وإننا إذ نشكر الله ونحمده على ما أنعم به على أهلنا من عرب هذه الديار فإننا نقرن ذلك بالدعاء لذوي الأمر فيهم أن يمن عليهم بالحكمة والشجاعة وكل مقومات الدفاع عن مضامين هاتين المعجزتين وحماية ما ترمزان إليه من قيم الدين والدنيا ، وأن يصدوا عن هذه الديار شرور أعداء هذه الأمة ومطامعهم بخيرها ورسالتها " كتاب بين الوطن والمنفى، شفيق الحوت، ص 496 .      
(4)  سورة المائدة , الآية : 44 .
(5)  سورة المائدة , الآية : 45 .
(6)  سورة المائدة , الآية : 47 .
(7)  سورة النحل , الآية : 112 .
(8)  سورة الإسراء , الآية : 16 .
(9)  رواه مسلم 4410 .
(10)  رواه البخاري ومسلم .
(11)  سورة المائدة , الآية : 100 .
(12)  سورة النحل , الآية : 90 .
(13)  سورة النحل , الآية : 118 .
(14)  سورة الكهف , الآية : 59 .
(15)  سورة هود , الآية : 117 .
(16)  سورة القصص , الآية : 59 .
(17)  سورة النور , الآية : 55 .
(18)  سورة الأعراف , الآية : 96 .
(19)   سورة نوح , الآية : 12 .
(20)  سورة القلم , الآية : 5 .
(21)  سورة الطور , الآية : 22 .
(22)  سورة البقرة , الآية : 143.

 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية