اطبع هذه الصفحة


قوة السعودية الناعمة والمعارضة السعودية السياسية

خالد بن عبدالله الغليقة

 
بسم الله الرحمن الرحيم


تعتبر المملكة العربية السعودية من الدول القلائل في العالم التي لا يحمل جنسيتها إلا مسلم، إن لم تكن الوحيدة؛ فشرط جنسيتها هو الإسلام لأنها معقل الإسلام والمسلمين، وقبلتهم في صلاتهم، وبلاد الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، وفيها قبر النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا صار الناس فيها جميعهم يدينون بالإسلام، وبالعقيدة التي ارتضاها الله سبحانه وتعالى لهم.

ولهذا التزمت المادة الثالثة والعشرون من النظام الأساسي للحكم بهذا المبدأ، حيث تنصّ على أن "تحمي الدولة عقيدة الإسلام وتطبيق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ... وتقوم بواجب الدعوة إلى الله".

يقول الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله - عن الموضوع نفسه: "هذه المملكة، دون غيرها من بلاد المسلمين، تجسيد حيّ لفكرة أن الإسلام هو الدين والدولة: رئيس الدولة هو إمام المسلمين قبل أن يكون ملك، ومن هذا المنطلق تخلّى إمام المسلمين في المملكة عن اللقب المعتاد للملوك صاحب الجلالة، وجعل لقبه خادم الحرمين الشريفين...؛ فتأمل أبعاد القرار ! وهذه المملكة، دون غيرها من بلاد المسلمين، تجسيد حيّ للدور الرائد المتميّز للعلماء، فقد ولدت الدولة نفسها، بتوفيق من لله عزّ وجلّ، على إثر حلف الدعوة المبارك بين البطلين المسلمين المجاهدين: الإمام محـمد بن سعود، رحمه الله، والشيخ محـمد بن عبدالوهاب، رحمه الله. وليس في المملكة علمانيون يطالبون بفصل الدين عن الدولة، فكل إنسان في المملكة يدرك أن هذه الدولة قامت على الدين ولن تبقى لحظة واحدة إذا فصلت عنه، وما دام لا يوجد علمانيون فلا يجب أن يوجد في المملكة أصوليون يحاربون حكومة علمانية بغية تطبيق الشريعة، التي هي مطبقة بحمد لله" (غازي القصيبي، حتى لا تكون فتنة، ص١٣).

بل جاءت نظريات الجغرافيا السياسية داعمةً ومؤيدةً لسرّ قوّة آل سعود الناعمة، كنظرية مبرّر الوجود، أو الفكرة من إنشاء الدولة، وفكرة الحقل الموحَّد.

يقول الدكتور ناصر الصالح: "يعتبر تبني آل سعود لهذه الدعوة ومناصرتها ومؤازرتها مع تعهد النظام الأساسي للدولة السعودية بتطبيق تعاليم الدين الحنيف في كل أمورها وشؤونها وعلاقاتها؛ أساس إرساء الحكم واستقراره، وهو كذلك ما يعبَّر عنه" بمبرّر الوجود للدولة أو الفكرة من وراء إنشاء الدولة"، كما قرَّره الجغرافيون، وعلى رأسهم هارتسون الأمريكي )ناصر الصالح، محاضرة البناء السياسي للمملكة العربية السعودية تطبيق لبعض مفاهيم الجغرافيا السياسية، ص٦).

ويقول عن نظرية الحقل الموحَّد: "جاءت نظرية جونز المعروفة بنظرية الحقل الموحد لتفسِّر نشأة الدولة عبر مراحل تشكِّل سلسلة من الحلقات هي الفكرة والقرار والحركة والمجال والمنطقة السياسية، وبتطبيق ذلك على المملكة العربية السعودية نجد أن مرحلة الفكرة تتلخّص في التلاحم والتمازج بين حركة الإصلاح الديني والدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ مـحمد بن عبدالوهاب والقوة السياسية التي قادها الإمام محـمد بن سعود، وهي الفكرة التي تعدُّ بحقٍّ أساس قيام الدولة وركيزتها الأساسية. أما مرحلة القرار فهي تبنّي القيادة السياسية بالدرعية للحركة الإصلاحية الدينية ودعمها ومؤازرتها، ثم تأتي مرحلة الحركة التي تتمثّل في الحركات المناهضة لدعوة الإصلاح الديني السياسي، وما تلاها من حركات معاكسة لردع تلك الحركات المناهضة، ومن ثم توسُّع رقعة المكانية للدولة السعودية" (المصدر السابق، ص٨).

فمجمل هذه النصوص والمواد والنظريات تبيّن بجلاء ووضوح سرّ قوة الدولة السعودية (الناعمة )؛ فالدولة السعودية لم تنل سيادتها بقوة السلاح، على أهميته في معركة التوحيد، بل نالتها بتاريخها مع الدين الذي كان الناس في جزيرة العرب يتديّنون به، وبالعقيدة التي يعتقدونها، فهذا هو سبب الولاء والنصرة والحماية الأول والأهم والأخير.

فمنذ أن نادى المنادي من فوق جدران أحد بيوت الرياض بعد استرداد الملك عبدالعزيز - رحمه الله وطيب ثراه – للرياض: "إن الملك لله، ثم لعبدالعزيز بن سعود الإمام".

فكان هذا أول إعلان لسرّ قوة أسرة آل سعود (الناعمة)، والتي تكمن في حماية الدين وحفظه، الذي كان يتديّن به الناس والعقيدة التي كانوا يعتقدونها. وهذا ما كان يعرفه دهاة المستعمرين الذين كانوا يسيطرون في تلك المرحلة من عمر المنطقة على أجزاء من المنطقة العربية. ففي الحوار الذي دار بين المعتمد البريطاني في الخليج والشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت، حين علم المعتمد بخروج الملك عبدالعزيز من الكويت متوجهًا إلى الرياض، فقد قال: "إن هذا الشاب لن يكون عميلًا لنا، له عقيدة وله دولة تاريخية، سنضع العقبات في طريقه" (عبدالعزيز التويجري، لسراة الليل هتف الصباح، ص٥٧٩).

وهذا السر لقوّة آل سعود (الناعمة ) كان يعرفه أيضًا المستعمر الجديد للمنطقة، في محاولاته الدائمة والمستميتة - التي باءت بالفشل - لفصم اللُّحمة بين الشعب السعودي والحكم السعودي، عن طريق محاولات متعدّدة لتقوم الدولة ببعض الإجراءات التي تسهم في خلخلة منزلتها ومكانتها لدى شعبها، بالطلب الدائم والمستمر – مثلًا - لتغيير المناهج الدينية والتربية الإسلامية، وطلب السماح بحرية الأفكار والعقائد المخالفة للشريعة وللدين الذي يتديّن به الشعب السعودي، وللعقيدة التي يعتقدونها؛ فكل محاولات المستعمر الجديد جميعها لخلخلة هذه القوة الناعمة، ولهزّ كيان هذه الأسرة العزيزة بين شعبها وبين أمّتها الإسلامية.

وما فهمه المستعمر القديم والجديد هو ما لم يفهمه جمال عبدالناصر، الرئيس المصري السابق، لما توقّع أن قطار الثورة الذي وصل إلى اليمن سيصل حتمًا إلى الرياض! يقول الوزير جميل الحجيلان: "كان الرئيس عبدالناصر ومن حوله...، يجهلون أيضًا أوضاع المملكة العربية السعودية: تكوينها الاجتماعي، علاقة الأسرة المالكة بشعب المملكة، النسيج الديني والاجتماعي والأمني الذي صنع تلك العلاقة، وما صاحبها من انصهار تاريخي خلق منها صلة لم يعرفها بلد عربي آخر...، وكانت مراجع الحكم في القاهرة تعتقد بأن نداءات إذاعة صوت العرب من القاهرة قادرة على تقويض أركان الحكم في الرياض، وبنت سياستها على هذا المنظور. وظلّت طوال سنّي أزمة اليمن تهدّد وتتوعّد القيادة السعودية بأن الثورة في صنعاء مفتاح للثورة القادمة في المملكة العربية السعودية" (جميل الحجيلان، نظرات في علاقة المملكة العربية السعودية السياسية في المحيط العربي. من ضمن محاضرات المئوية، ص٢٠).

وهذا ما لم يفهمه الرئيس العراقي صدام حسين عندما لجأ إلى إطلاق وصف بلاد (نجد والحجاز) على المملكة العربية السعودية، بعد أيام قليلة من احتلاله للكويت عام 1990م؛ لإثارة النعرات والبلبلة بين أبناء الشعب السعودي الواحد، مع أن هذه الفكرة كما يرى الكاتب السياسي العراقي سعد البزاز بعيدة عن فكر صدام، وأن هناك مصدرًا خارجيًّا قد مرّر إلى بغداد مشروعًا يفترض أنه يشغل بعض الأوساط الغربية، وهو قائم على فكرة الفصل بين (الإسلام والنفط)، ولكي يتم ذلك فإن مراجعة للولاية السياسية على الجزيرة العربية ستكون مطروحةً وقابلةً للتداول، إذا ما حصلت هزة كبيرة في المنطقة. (سعد البزاز، رماد الحروب، ص٢٤٨)

ولم يفهمه أيضًا من دعا إلى الثورة في السعودية إبّان قيام ما يسمى زورًا "الربيع العربي" من زعماء قوميين وإسلاميين!

فقد نسي صدام، ومن وراءه من القوى الغربية، وكذلك الداعون إلى الثورة في السعودية؛ أنْ ليس في المملكة العربية السعودية إلا شعب واحد انصهر في عقيدة واحدة، ويتبع مفتيًا واحدًا. هذا المفتي وإخوانه من كبار العلماء يعتقدون بمذهب واحد هو مذهب "السلف الصالح"، وبأنَّ الحكام من آل سعود هم "ولاة الأمر"؛ فلا يجوز الخروج عليهم، ولا الافتئات عليهم، ولا منازعتهم الأمر بأي نوع من أنواع المنازعة، ويتبعهم على هذا الاعتقاد وبهذه الولاية جميع الشعب السعودي بأكمله، عدا قلة قليلة جدًّا خارجة عن مذهب السلف، ليس لها أثر يُذْكَر، ولا تأثير يُلمَس.

وما نستخلصه بعد هذه المقدمة هو أن المنطق السياسي والسيادي والتاريخي، ونظريات الجغرافيا السياسية جميعها، تقول: إذا علمنا أن سر قوة آل سعود ( الناعمة ) هو ولاء شعبها الذي ارتضاهم لحكمه ، وعلمنا أن الشعب السعودي ارتضاهم لعلمه ومعرفته بقدرتهم على حماية دينه وعقيدته وأخلاقه؛ فالنتيجة هي: كلما تمسكت الدولة - وليس المعنيَّ بالدولة هنا الملكُ ووليُّ العهد فحسب، بل كلُّ مسؤول في الدولة، إذ عليه مسؤولية تعزيز سيادة الدولة وتكريسها - بالدِّين والعقيدة التي يعتقدها الناس والأخلاق التي يتخلّقون بها قويت سيادتها أكثرَ فأكثرَ، وكلما تنازلت عن حماية الدين والعقيدة وأخلاق الناس وحفظها فقدت سيادتها أكثرَ فأكثر.

وما فهمه حكام الدولة السعودية هو ما لم يفهمه ويعرفه بعض حكام المنطقة، حين حكموا شعوبهم بأفكار بعيدة كل البعد عن دين شعوبهم وعقيدتها التي يتدينون بها ويعتقدونها، وأخلاقها التي يتخلّقون بها، فما كان للخميني أن يصل إلى طهران لولا أن شاه ايران حارب المجتمع الإيراني بتغريبه، وقد اعترف الشاه نفسه في منفاه بهذا الخطأ الشنيع بعد خلعه؛ لكن ما نفع الندم بعد فوات الأمر؟! فلم ينصره جيشه وهو من أقوى الجيوش في العالم، وما حماه جهاز من أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم (السافاك) ، وما نفعته عقود التسليح الكبيرة مع بريطانيا التي تخلت عنه ايام الثورة يقول الدكتور غازي القصيبي عن هذا المشهد : ( لقد شهدت مقابلة تلفزيونية مع الشاه
بعد خلعه وقبل وفاته بشهور ، وكان خلالها شديد الألم واضح المرارة من موقف هيئة الإذاعة البريطانية من الثورة التي انتهت بإقصائه من عرش الطاووس .) الوزير المرافق ، غازي القصيبي ص١٤٩.

وما كان لصدام أن يختبئ في حفرته التي خرج منها إلى الاعتقال، ثم إلى الإعدام لولا أنه جعل الفكر البعثي العلماني هو المرجعية التي يحكم بها ويتحاكم إليها الشعب العراقي المسلم، الذي لا يؤمن لا بالبعث ولا بالعلمانية مرجعيةً له، وما نفعته محاولاته الأخيرة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بعدما أعطى الشعب العراقي حكمه الأخير بالدولة: أنها لا تمثّلنا ولا نمثّلها، فلا ولاء لها ولا نصرة ولا حماية .

وما كان للرئيس التونسي السابق ابن علي أن يهرب خائفًا يترقّب لولا أنه تبنّى التغريب لمجتمع مسلم لا يؤمن بالتغريب، فخلخل وهزَّ مكانته ومنزلته بنفسه بين شعبه، وما نفعه أن يفهم المجتمعَ التونسيَّ حينَ ثار عليه، فقال: "فهمتكم... فهمتكم"؛ فما ينفع الصوت إذا فات الفوت!

وما نفع القذافي لجانه الشعبية ولا نظريته الثالثة للعالم، ولا مرتزقته الذين جلبهم من حلفائه الأفارقة، لما حانت ساعة الصفر، وقام الشعب بثورته المدعومة دوليًّا في وجهه؛ لأن الشعب الليبي المسلم اتخذ قراره النهائي في القذافي منذ أن أصدر كتابه الأخضر وتفوّه بالكفر، وظلم الليبيين.

بل لقد تفكَّك الاتحاد السوفييتي، وهو أعظم جمهورية في التاريخ المعاصر، مع أنه أكبر مخزن في تاريخ السلاح في العصر الحاضر، لا لشيء إلا لأنه فرض على الناس دينًا غير دينهم، وعقيدةً غير عقيدتهم، وأخلاقًا غير أخلاقهم، وأسلوب حياة مناقضًا لأُسلوب حياتهم، فلم تحمِ الاتحاد من التفكك تلك المخازن من القنابل الهيدروجينية، ولم يحفظ الكيان أشرس وأخطر وأقوى جهاز استخباراتي على وجه الأرض (كي جي بي) من حركات الانفصال والاستقلال عن الاتحاد.

ومما يدلّ على صحة المنطق السياسي والسيادي الذي اتبعه حكام المملكة العربية السعودية من آل سعود، وهو سرّ قوتهم (الناعمة )، والذي يتمثّل بحماية الدين والعقيدة وحفظهما، وحماية أخلاق الشعب السعودي؛ أننا نرى المعارضة السياسية السعودية للحكم في السعودية جميعها تتّفق على أن تديُّن الدولة والقوى المحافظة - ويقصدون بذلك الشعب المتديِّن وفتاوى كبار علماء الشريعة، وليس دعاة الجماعات والأحزاب الإسلامية – هو العقبة الأولى والجدار المانع والسدّ المنيع أمام تمرير أفكارهم السياسية المعارضة لسيادة حكم آل سعود بين الشعب السعودي، كتكوين الأحزاب السياسية، وتداول السلطة، ونشر الديمقراطية، وأن الشعب هو مصدر السلطات، والدعوة إلى الليبرالية التي تنادي بحرية الأفكار والعقائد. ولعلَّ النقولات التالية عن المعارضة السياسية القديمة والمعاصرة تبيّن هذا الأمر وتوضّحه غاية التوضيح.

فمن تلك النصوص:

يقول معارض سياسيّ سعوديّ: "إن الذي يضمن حرية الرأي، بما يعني حرية العقيدة والسماح بتكوين الأحزاب والنقابات، وتداول السلطة، والفصل بين السلطات، والمساواة أمام القانون، أي صيانة الحقوق الأساسية للإنسان وحماية كرامته، وأيضًا سيادة الشعب واعتباره مصدر السلطة. إن كل ذلك لا يوفِّر وجوده ويضمن استمراره، إلا وجود القانون الوضعي، لا الإلهي، والمجتمع المدني" (عبدالرحمن منيف، بين الثقافة والسياسة، ص١٤٦).

نلاحظ أن الدعوة إلى سيادة الشعب وجعله مصدرًا للسلطة لن يتم مع اتّخاذ الناس في السعودية الدينَ والعقيدةَ شريعةً مهيمنةً على حياتهم، ومنظِّمةً لعلاقتهم مع حكامهم. بل لابد من القانون الوضعي !؟

ولهذا يقول: "فالأنظمة القائمة في معظم دول الجزيرة العربية والخليج تستند إلى عقيدة أصولية أيضًا، وبالتالي تتمتّع بنفس السمات. فالعربية السعودية تعتبر نفسها امتدادًا لعقيدة دينية بالغة التزمت، ينتفي فيها الرأي الآخر، وبالتالي تمنع الحوار والتعدُّد، وتقمع أي رأي أو اجتهاد يخالفها أو يختلف معها، وتعتبر السلطة أنها وحدها الحارس والمفسِّر للعقيدة؛ ممّا يجعل أي مخالف خارجًا عن العقيدة ذاتها، ومعرَّضًا لكل الاحتمالات، بما في ذلك التصفية. ولعل المسعري يمثّل هذه الحالة، إذ ينطلق من خلال اجتهادات أصولية أيضًا، معتمدًا على النصوص، ...، إلى أن يقول: ودائمًا تقدِّم الفتاوى والأسانيد لتبرير أفعالها - يقصد السلطة - اعتمادًا على النصوص! (عبدالرحمن منيف، بين الثقافة والسياسة، ص١٤٤).
يلاحظ انه جعل تدين الدولة ، وفتاوى العلماء ؛ هي دعائم لبقاء قوة الدولة وسيادتها .

ويقول معارض سياسيّ سعوديّ آخر: "وكان من الطبيعي أن يصاحب هذا الاتجاه الإصلاحي معارضة متنفّذة في الأسرة المالكة أو في الأوساط الدينية وشرائح القوى المحافظة المعادية لتحديث أجهزة الدولة والمجتمع" (إسحاق الشيخ يعقوب، عبدالعزيز المعمر.. ذاكرة وطن، ص٨٢).

وقال في موضع آخر مندِّدًا بمعارضة القوى الدينية المحافظة لمشروعهم المسمَّى بغير اسمه "الإصلاحي": "ولأول مرة في تاريخ المملكة العربية السعودية يجري الحديث بين المثقفين وبعض الوزراء والأمراء حول أهمية إقامة إصلاحات اجتماعية وسياسية وثقافية، والسماح لحرية الفكر والنشر والتجمع والإضراب وتشكيل النقابات ...، إلى أن قال: وقد لاقت الدعوة اعتراضات شديدة من لدن القوى الدينية المحافظة" (المصدر السابق، ص٧٧).

وقال في موضع آخر: "بحجة أن الدعوة إلى الإصلاح والتجديد يقود البلاد إلى الهلاك وتفكّك النظام الملكي، وقد أخذت الكتلة المناوئة للإصلاح تتبلور في التحالف مع الأمراء المحافظين، والمتخلفين ، وكبار الموظفين والمتشدِّدين من رجال الدين الذين لعبوا دورًا رجعيًّا متخلفًا، وذلك جراء خشيتهم من أن يقضيَ التوجه الإصلاحي على مصالحهم، ويُضْعِف من نفوذهم، ويضرب مراكز فسادهم - هذا كذب وافتراء -، وقد لعب مفتي الديار السعودية الشيخ محـمد بن إبراهيم آل الشيخ ورئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ عمر بن حسن دورًا مناهضًا للتوجه الإصلاحي" (إسحاق الشيخ يعقوب، عبدالعزيز المعمر..ذاكرة وطن، ص81).

ويقصد بالمشروع الإصلاحي تأسيس الأحزاب السياسية وإقامة نظام ملكي دستوري، والدعوة إلى الديمقراطية وحرية الاعتقادات والأفكار المخالفة للدين، كالشيوعية والقومية؛ ولهذا يقول:
"وكانت جبهة الإصلاح الوطني الذي نريد تأسيسها واستنبط اسمها (عبدالعزيز المعمر) تنظيمًا إصلاحيًّا يدعو إلى إصلاح المجتمع، وتحديث مؤسسات الدولة الإدارية والتنفيذية والقضائية والتعليمية والصحية، وإقامة نظام ملكي دستوري يكفل الحريات العامة للمواطنين، ويسمح بتشكيل النقابات العمالية والمنظمات المهنية والأحزاب السياسية، وحرية الصحافة والنشر والفكر والتأليف، واستنهاض الحركة الديمقراطية والاجتماعية والسياسية والثقافية في الوطن.
وكانت هذه المطالَب الإصلاحية التي نادى بها آنذاك عبدالعزيز المعمر وصحبه من الوطنيين والديمقراطيين واليساريين والشيوعيين المخلصين لوجه الله والوطن!" (المصدر السابق، ص٦٥).

ويقول فوزان الحربي، وهو معارض سعودي سياسي، وعضو في جمعية "حسم": "إن أهداف الجمعية هو المطالبة بالحقوق السياسية للشعب، وذلك بتأسيس الأحزاب السياسية، وأن يكون الشعب هو مصدر السلطة والتشريع" .

وقال معارض آخر من أعضاء جمعية "حسم"، وهو عبدالله الحامد، مندِّدًا برأي العلماء وطلبة العلم في السعودية في الديمقراطية، وهو تنديد ينسجم مع مواقف المعارضة السابقة واللاحقة مما يسمّونه ممانعة القوى المحافظة، فيقول: "موقف كثير الآن من الإسلاميين من - مثلًا - مسألة الديمقراطية، الديمقراطية كفر. والحاكمية لله، والشعب لا يمكن أن يكون له مصدر السيادة. هذا الكلام غير صحيح" ( عبدالله الحامد، لقاء مع قناة الجزيرة ).

وقال في اللقاء نفسه واصفًا منهج السلف في التعامل مع الحاكم، والذي يتّسم بالسمع والطاعة للحاكم ما لم يأمر بمعصية، بأوصاف سلبية، منها " الصحراوي متأثرآ بصحراء الجزيرة العربية، والكسروية نسبة لكسرى" (المصدر السابق).

وفي معرض إجابته عن سؤال عن المعوّقات التي تقف في وجه مشروع الإصلاح في السعودية، قال معارض سياسي سعودي آخر: "المجتمعات المحافظة لديها تحفظ إزاء كل جديد" (أحمد عدنان، السجين 32 أحلام محـمد سعيد طيب وهزائمه، ص٣٥٨).

وقد سبق لصاحب هذا الجواب أن اعترف بأنه ليبرالي، وينادي بالتعددية السياسية! ودعا إلى السماح للجمعيات والنقابات بالتجمع والتظاهر السلمي. حيث شارك في تقديم بيانٍ للحكومة السعودية مع كثير ممن لهم التوجه نفسه، تحت عنوان: "نداء وطني إلى القيادة والشعب معًا: الإصلاح الدستوري أولًا". وكان من ضمن فقرات البيان: "تقرير قيام تجمعات المجتمع الأهلي المدني، ثقافية واقتصادية ومهنية واجتماعية وسياسية، من نقابات وجمعيات وجماعات. والالتزام بعدم المساس بحقّ الناس في التجمع والتظاهر السلمي" (المرجع السابق، ص٣٨٣).

وفي جوابه عن سؤال: إذن أنت ترفض التصوّر الذي يقول: إن مطالب الإصلاحيين والليبراليين موجهة ضد التيار الإسلاموي؟ قال: "أرفض - قطعًا - هذا التصور. المطالب الإصلاحية لا تريد إلا الغد الأفضل لكل أبناء الوطن. والليبرالية تعني التحرر من القيود، لا القيم. الليبرالية تؤمن بالتعددية والتنوّع، والإسلام هو دين التعددية والتنوّع الذي كفل حرية الفرد وصانها وأحاطها بأوثق الضمانات. قلت سابقًا - وما زلت مصرًّا - على أن ليبراليّتي لا تتعارض مع الكتاب والسنة! الليبرالية بمعناها الحرفي تعني "التحررية"، وهناك ليبرالية سياسية تقوم على المناداة بالتقدُّم واستقلال الفرد وحماية الحريات المدنية والسياسية، وهناك ليبرالية اقتصادية تؤكّد على الحرية الفردية والمنافسة الحرة في سوق مفتوح. وحين لا تتعارض ليبراليّتي مع الكتاب والسنة فهذا يعني - من وجهة نظري - أنني أكثر تحررًا من الآخرين!" (المرجع السابق، ص٣٥٦).

وكتب معارض سعودي في حسابه على "تويتر" :"السلفي يسمع ويطيع الحاكم شرط أن يكون متغلّبًا، أما إن كان منتخَبًا فتجوز معارضته، لأن النص التراثي الذي يعيش فيه لم يتحدّث عن الديموقراطية".

وكتبت معارِضة سعودية في كتاب لها العبارة التالية: "واحدة من مستهدفات الارتداد عن الإصلاحات السياسية - ويقصدون بالإصلاحات السياسية الليبرالية والديمقراطية - التي كانت لا تزال في طور الوعود هو تأكيد الخيار القديم الجديد للعائلة المالكة، والقاضي بأن لا بقاء لها إلا بتحالف قويّ مع القوى السلفية التي قامت على أكتافها حروب تأسيس الدولة" (كتاب ربيع السعودية، ص٢٦٧).

وهذه النقول والأقوال تشير بوضوح إلى أن العقيدة السلفية التي يتديّن بها المجتمع السعودي، ويعتقدها أفراده، تقف عائقًا أمام مشروعهم ( الليبرالي الديمقراطي!)، القائم على الدعوة لحرية الاعتقاد ، وحكم الشعب بالشعب، والمنابِذ لسيادة أسرة آل سعود وحكمهم. فهم يحاربون هذه العقيدة وأسسها ورموزها، مقدِّمةً لإسقاط ذلك الحكم والسيادة.

خالد بن عبدالله الغليقة

 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية