اطبع هذه الصفحة


السياحة بين المفهوم الصحيح والمفهوم الخاطئ

خالد بن عبدالله الغليقة

 
المسؤول الكبير بذل نفسه وجهده لخدمة المجتمع وتنفيذ البرامج التي ترفع من مستوى أفراده، وتفعيل المشاريع التي ترقى بالمستوى اللائق بدولة عالية المبادئ، وسامية الأخلاق، ولها أصالة عريقة وشخصية متميزة، وتملك إمكانيات مادية ضخمة جدًّا جدًّا.
لكن…الواقع الذي يجب أن يعترف به كل من يعرف همة المسؤول الكبير ويخشى عليها أن تتحطم، ويحمل هم الجهود المبذولة والمادة الممنوحة ويخاف عليها من أن تنضب هو أن هناك مغايرة بين الواقع والمأمول الذي من أجله بذل المسؤول الكبير نفسه وجهده، وأن هناك مفارقة بين المشاهد والغاية المنشودة والتي من أجلها بذلت المادة الضخمة.
والسبب يكمن في نظري بالمسؤول الصغير، فهو المراسل والواسطة بين المجتمع وذاك المسؤول. ولهذا كانت مهمة السفير الكبيرة هو نقل الصورة الصحيحة لحكومته وبدقة متناهية خالية من رأيه الشخصي ونزعته النفسية، كساعي البريد في نقل الرسائل .ورأيه الشخصي ونزعته النفسية تأتي في المرتبة الثانية إذا طلب منه،فهذه مقدمة .

ومثالها قضية السياحة الداخلية: يتبين لمن يحمل غيرة على المجتمع، ولديه حسرة على ما يبذل لخدمته من قبل المسؤول الكبير أن المراسل أو السفير أو الواسطة بين المسؤول الكبير والمجتمع وهو المسؤول الصغير ينقل للمسؤول الكبير رأيه الشخصي ونزعته النفسية بدلاً من الصورة الصحيحة والواقع الصريح، فتبنى البرامج على هذا الرأي، وتبنى المشاريع من خلال تلك النزعة، فتصادم دين المجتمع وتعارض رؤيته وتخالف نفسيته،ولهذا لو طلب منه إحصائية أو استبيان أو استفتاء المجتمع على هذا الأمر لتأخر ؛ لأنه نقل رأيه الشخصي، وأبان عن نزعته النفسية

ولهذا أقول: من الذي قال: إن 70% من المجتمع السعودي يعرف السياحة بأنها إعطاء الحرية لممارسة السلوك المشين،كمضايقة الشباب للنساء في الأماكن العامة،وإساءة الأدب وسلوكيات لا تليق بهذا المجتمع الإسلامي، ولا بهذه الحكومة الإسلامية وخاصة في نظر الأجنبي، أو إن 60% من المجتمع السعودي يرى أن السياحة هي الخروج عن المألوف من الأخلاق الحسنة إلى السلوك الهابط،كإزعاج بقية السواح بالغناء الصاخب،ورقص الشباب أمام أعين الجميع !فهذا انفلات عن الأخلاق التي عرف بها هذا المجتمع من بين جميع الشعوب، وتميزت بها هذه الدولة من بين جميع الدول، وخاصة في نظر بقية الوافدين.

وأين الدراسة التي تقول: إن 50% من أهل هذا البلد الإسلامي يرى التلازم بين مفهوم السياحة، وترك المبادئ الإسلامية،كالتحول في قضية حجاب النساء،وإظهار المرأة شيئاً من زينتها المحرمة شرعاً عند الرجال، وجلوس الرجال في الأماكن العامة وقت الصلاة: مظاهر تخالف مبادئ هذا البلد الإسلامي في عين العقلاء مسلمهم وكافرهم.

وأين الاستبيان، أم الاستفتاء الذي نتيجته أن 40% من هذا الشعب المتدين مستقر لديه بأن لا سياحة مع وجود رجل يمارس وظيفته الشرعية ومهمته الحكومية فيأمر بتطبيق المبادئ الإسلامية كالصلاة أثناء وقت الصلاة، وينهى النساء عن كشف زينتهن عند الرجال، ويعطل مسيرة تجار المخدرات، ويكسر زجاجة الخمر، ويقطع حبل شبكة الدعارة والخنا، ويكون سدًّا منيعاً أمام الموضات الغربية والمظاهر المستوردة في الهيئة والمظهر،وينهى عن مخالفة الأخلاق الحسنة التي عرف بها هذا المجتمع وهذه الدولة.

بعد هذا العرض يحق لنا أن نقول: إن 70% على الأقل - وعلى رأسهم الدولة - يرون أنه لا يلزم من السياحة التنازل عن المبادئ الشرعية، والتساهل في التخلي عنها.
فإن الدولة لم تقم إلا عليها في نظر أصحاب القراءة العميقة فقط للتاريخ السعودي، وهؤلاء الـ70% أنفسهم - والدولة نفسها - يطالبون بتعطيل مسيرة تجار المخدرات قبل ترويجها على أولادهم، وكسر زجاجة الخمر قبل أن تصل إلى فلذات أكبادهم، وقطع حبل شبكة الدعارة والخنا قبل الوقوع في الفضيحة والنيل من العرض والإخلال بالشرف، وقبل وقوع الفأس بالرأس.
يبقى من هذه النسبة 30% على الأكثر من المجتمع، وهم الذين يمارسون التساهل مع المبادئ الشرعية، ولديهم إخلال بالأخلاق الإسلامية، ويسعون لنشر الرذيلة، وانتهاك الفضيلة، ويخططون لإفساد العقول، وإمراض الأبدان، وعلى رأسهم المسؤول الصغير الذي لا ينقل للمسؤول الكبير هذه الصورة من المجتمع بهذه النسبة الكبيرة، والتي تزداد يوماً بعد يوم مع غياب الرقيب (رجل الحسبة) أو تغييبه، وكلما ازداد غيابه، زادت النسبة حتى يستفحل أمر المخدرات، ويستشري خطر الخمر، ويشتد حبل شبكة الدعارة، ويفلت الشباب من الدين - الذي هو عصمة المجتمع من الإجرام والإخلال بالأمن -، وما سبب ذلك إلا الثقة الزائدة من المسؤول الكبير بالمسؤول الصغير الذي لا ينقل هذه النسبة الكبيرة من المجتمع - والتي تزداد بمرور الأيام للمسؤول الكبير، بل ينقل عكس ذلك وهي أن 99% من المجتمع ما زال متمسكاً بالمبادئ الإسلامية ومتمسكاً بالأخلاق الطيبة! وليس هناك شبكة دعارة! ولا عصابة مخدرات! والشباب ما زالت همته في السماء !وهي في ارتفاع مع مرور الأيام! والشباب مهيئون للمستقبل الكبير! وقادرون على تحمل المسؤولية العظيمة، وليس هناك ما يروج له بعض - الغيورين - أن هناك نسبة من المجتمع يجب أن يمسك على يديها! وليس بصحيح ما يدعيه بعض الناصحين من أن هناك سفهاء في المجتمع يجب الحجر عليهم قبل أن يشتد عودهم فينشرون الفوضى بين الناس ويكثر خبثهم وينطبق عليهم قوله I لزينب بنت جحش - - عندما سألته: أنهلك وفينا الصالحون، قال: " نعم إذا كثر الخبث".
وأن استدلالهم على انفلات وسفاهة الشباب والشابات بما حصل في حي الفيصلية بالرياض، وما حصل في حي الهنداوية أو الكرنتينة في جدة، وما يحصل في بعض الشوارع في الدمام وغيرها من المناطق أيام الأعياد وساعات الخروج من الملاعب، وغير هذه الوقائع وتلك المشاهد، فكل هذا مبالغ فيه، وإعطاء الأمور أكبر من حجمها، وجعل من الحبة قبة.
وكذلك استدلالهم على خطر السفاهة والانفلات بقوله I: [مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً ].
فهذا الاستدلال من هؤلاء الغيورين وأولئك الناصحين في غير محله، فالمجتمع ليس إلى هذا الحد، ولم يصل إلى هذا المستوى !
فهذه جناية المسؤول الصغير على المجتمع، وعلى الناس، وجنايته على الأمن والأمان، ومستقبل الشباب، وهذه جنايته على سمعة الشعب السعودي في أعين الوافدين، فهؤلاء الوافدين وصلوا وفي مخيلتهم مجتمع متدين لا يتنازل عن مبادئ دينه ولا تعرف السفاهة والسخافة لأخلاقه طريقًا شعب لم يخترق فكريًّا، ولم تغزوه جراثيم الحضارة الغربية، بل أخذ ما عندها من تقدم في العلوم الطبيعية والتجريبية، ونبذ ما لديها من تخلف في العلوم الإنسانية.

يتوقع القادم من خارج الحدود أن شباب هذا البلد الإسلامي متمسك بدينه، ومعتز بلغته، وقابض على هويته، فلا يتوقع الغريب أن يرى شباب هذا المجتمع يرتدي الجينـز حيث وجد نفسه فيه، ولا يتصور أن يبصر شبابًا يلبسون لباساً تعلوه صورة لأحد مشاهير الغرب وباللغة الإنجليزية التي في الغالب لا يفهم معانيها ويشعر أثناء ذلك بالزهو،ويرى أن ذلك علامة الرقي والانتماء إلى التحضر! مظهرية جوفاء،ولهذا لا يعرف كيف صنع حزام البنطلون، ولا يدري من أي شيء صنع زرار القميص.

وقد أشار بعض المدركين لهذه المفارقة العجيبة والمظهرية الجوفاء بقوله: "أخذنا منهم السيجارة وما عرفنا نصنع السيارة".
وإن أبدى المسؤول الصغير خلاف هذه المفارقة،ونفى هذه المظهرية الجوفاء عند شبابنا، وأظهر عن سطحيته في تفسير الظواهر الاجتماعية، وأبان عن قصر نظره، وهذا من حسن الظن به وإلا في الحقيقة الكثير من هؤلاء معجب بالمظاهر الغربية ويرى أن المظهر الغربي طريق للتصنيع والتقنية والحضارة.
عوداً إلى الأجنبي وعلى الوافد من خارج الحدود، فلو سمح له بطرح المجاملة وتبني الصراحة لقال: " إ ن طمس الشاه ملك إيران لصورة الجمل ومحاربته لهذا الرمز كانت أضحوكة الأجانب في إيران، ومادة لسخريتهم من ملك يحارب جملاً تشبهاً بالغرب، وفي نفس الوقت الغرب يفتخر بتربية الفئران والجرذان ويقيم التجارب عليها ليستفيد منها".

وإذا كان ماركيز الروائي العالمي (الغربي - النصراني) تفاجأ في نهاية رحلته إلى موسكو بعد إعجابه بالشارع الروسي لكونه متمسكاً بهويته، فلا تجد الدعاية الغربية، ولا النمط الأمريكي، وغير مخترق من قبل الثقافة الغربية، لكن في نهاية رحلته فاجأته مترجمته بسؤالها عن رائحة الكوكاكولا فقد خاب أمله، وصدمته بهذا السؤال، لكن يبدو أن الاختراق الفكري كان قد وصل فوهة البركان، يقيناً بأن هناك من كان يناصح المسؤول الكبير الروسي بأن هناك بداية بركان غربي في باطن الشباب الروسي، فإذا لم يُطفأ فسينفجر .

وهذا ما حصل في بقية الدول العربية والإسلامية: براكين مغطاة لا يسمح للناصح والنذير والغيور الكلام فيها، بل تجد من يحذَّر من الناصحين ويصفهم بأنهم يبالغون في حجم الكارثة، وينعتهم بأنهم يعطون الأمر أكبر من حجمه، ويجعلون من الحبة قبة، فمن أراد معرفة جناية هؤلاء المحذَّرين من الناصحين والمنفَّرين من الغيورين على المجتمع وعلى الدين والمبادئ، وعلى الأخلاق وعلى الفضيلة والشرف، وعلى الأمن والأمان: فليقرأ مسيرة الفساد في الدول العربية، وليستقرئ تاريخ الجمعيات السرية، والتكتلات الخفية في هذه الدول، ليعرف تفعيل عملية التدرج في المجتمع، وتفعيل سيناريو (مشروع الألف ميل يبدأ بخطوة)، فإذا قارن هذه المسيرة، وطابق هذا التاريخ على واقع هذه الدول وعلى شعوبها في الوقت الحالي فسيحكم على دعاة الفساد والرذيلة بالذكاء، وسيشهد لرؤساء هذه الجمعيات ودعاة تلك البرامج بالدهاء في رسم مخططاتهم وحبك تطبيق خططهم، والنجاح التام في تحويل هذه الدول وشعوبها إلى غربان، فهي تنازلت عن مبادئها، وطرحت أخلاقها لتلحق بأوروبا، وغيرت لغتها ومسخت هويتها لتكون غربية، ونسيت أو تناست تاريخها لتكون أمريكية، لكن النتيجة أن تحولت هذه الشعوب إلى غربان لم تستطع مجاراة الحمام في مشيتها، ونسيت مشيتها الأصلية، فالثمرة الفشل التام،فلا هي تقدمت في العلوم الطبيعية التجريبية والتكنولوجية، ولا هي تمسكت بمبادئها وأخلاقها وأصالتها، واعتزت بما لديها من تقدم في العلوم الإنسانية، بل وقفت في نصف الطريق بين حضارتين، وبين عقليتين في صحراء قاحلة وأضاعت الدنيا والآخرة.

 

خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية