اطبع هذه الصفحة


ثغرة في مقال الدكتور حاكم: الثورة والشماعة.

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه


بسم الله الرحمن الرحيم
ثغرة في مقال الدكتور حاكم: الثورة والشماعة.


كتب الدكتور حاكم المطيري في الأيام الماضية مقالا بعنوان:
"الثورة البحرينية، والشماعة الطائفية".
أوله مستفز للسنة، وآخره مستفز للشيعة، وسائره مستفز للحكام، خصوصا الخليج.
بدأ مقاله بتحميل السلطة في البحرين كامل ما يحدث من توترات، نافيا الهدف الطائفي من وراء تحركات المجموعة الشيعية، معيدا السبب إلى استئثار السلطة بكامل التصرف في إرادة ومقدرات الدولة، مشيرا إلى أن هذا هو حال دول الخليج كافة، وأن ما يحدث في البحرين قد يمتد إلى باقي الدول المجاورة؛ لأن أساس المشكلة واحد.
في النصف الآخر من المقال، شخص مشكلة الشيعة الأساس لثورتهم: أنها طائفية. مناقضا بذلك نفيه السابق، وأنهم بذلك يضعفون الثورة، ويشككون في نواياهم، ناصحا إياهم بالتخلص من الطائفية والاتصال بالخارج (= إيران)، وتقديم مصلحة الدولة على المصالح الخاصة، حتى تكون الثورة وطنية خالصة، تشترك فيها المجموعات الوطنية جميعها.
هذه خلاصة المقال، الذي سعى فيه إلى جمع أطراف المشكلة، وطرح القضية من كافة زواياها، مجتنبا بذلك ما يقع فيه كثير من الكتاب والمحللين من الانحياز، وحمل المشكلة على طرف دون آخر؛ إما السلطة أو الثوار.
وقد وضع نصب عينيه، التخلص من تبعات الدفاع عن حكومات، لم يعد من الممكن محاباتها والمحاماة عنها مع تقدم الوعي والمعرفة بالحقوق عند كافة الجماهير، وفي الوقت نفسه، التحوط من الانجراف وراء إشعال فتنة الطائفية، مع التحفظ وتحاشي التماهي مع المشروع الشيعي في المنطقة.
كل هذه الخيوط حاول الإمساك بها جميعا، ليفيد بكلامه الحاكم، والشيعة، والسنة جميعهم، فيفهم كل من هؤلاء، القدر الذي يخصه من المقال.
فيدرك الحاكم أن الأسلوب الملكي العضوض الجبري، وما يصحبه من استئثار وحظوظ وامتيازات: لن يستمر طويلا، مع ارتفاع مستوى الوعي والتعليم والتطلع إلى الأحسن.
في وقت باتت تهب فيه رياح التغيير القسرية، مكررة التاريخ نفسه في أوربا قبل مائتي عام، حينما بدأت الثورة الفرنسية 1789م، لتقضي على الملكيات، فتسقط جميعها إما كليا أو مع بقائها صوريا دستوريا.
ويدرك الشيعة أن ثمة خللا في ثورتهم؛ بتحركهم في الاتجاه الطائفي، المستعصي على التخفي خلف التقية، فنفي الطائفية مع حمل الشعارات المؤيد لإيران، المخونة للعرب، ورفع صور الخميني وخامنئي، وإعلان التبعية لولاية الفقيه: استخفاف يضر ولا يفيد.
وحتى يعلم السنة: أن القضية برمتها فيها جانبان: حسن، وخطير.
فالحسن: زوال الاستئثار بالسلطة والامتيازات لصالح فئة ملكية قليلة؛ لتحصل المساواة العادلة. والخطير: مآل الأمور في ظل الطائفية إلى ما هو أسوأ، حين تفشل الثورة في تحقيق أهدافها الوطنية الخالصة، لتحل بدلا عنها أهداف طائفية فئوية.
نعم، إنه مقال مستفز لكافة الأطراف التي لها مشاريع؛ إما سلطوية (= الحكام)، أو توسعية وسيطرة (= الشيعة)، أو تحفظية وتحوط (= السنة). نجح في استثارة الجميع، بما يظهر حقيقة الأمر في حق كل فئة، لتدرك وتفهم ما عليها فعله.
مع كل هذه الإجادة والشمولية، إلا أن المقال فيه ثغرة فاتت على الترقيع، أو وضع لبنة فيها، كيما يتكامل البناء الموضوعي للمقال ؟.
فإن المشروع الذي يفرضه المقال، ويدعو إليه:

اجتماع السنة والشيعة على ثورة واحدة، بهدف موحد.

هذا الهدف يتمثل في تحصيل:

الحرية، والاحترام والكرامة، والمشاركة السياسية، وتقاسم الثروات بالتساوي.

عند هذا الحد يقف.. ليس أكثر من هذا، لا تحكيم شريعة، ولا تولي صحابة وغير ذلك.
إن من يقرأ كلام الدكتور حاكم المطيري، يعي ما يرمي إليه؛ من خلق وجود شيعي، يقدم مصلحة المواطنة على الطائفية، ويتخلص من عبء المرجعية بالكلية، فمثل هذا يمكن التوافق معه على الهدف الموحد السابق ذكره، بحسب ما يرى.
لكن هاهنا ثغرة ؟.

الثغرة في هذا المشروع، فيما إن كان في الإمكان تحقيق هذا الوجود الشيعي، ثم التوافق على الهدف المشترك، بوطنية خالية من كل استغلال طائفي أو فئوي، كيلا يكون من نتيجته ما رأيناه في العقود الثلاثة الأخيرة، في: إيران، ولبنان، والعراق ؟.

هذا ما يُسأل عنه الدكتور، وهذا ما ترك في المقال من دون إجابة، على أحسن تقدير، وإن كان يمكن للقارئ أن يستنتج منه: ميل الكاتب إلى نفي هذه الثغرة من أصلها، ولأجله لم تطرح ولم تناقش بشكل موضوعي.
ففي إيران تولى الخميني قيادة البلاد بعد ثورة شعبية شاملة، شارك فيها السنة، ونصروا الثورة، مصدقين بوعود التقاسم للسلطة أو المشاركة، وما حدث أن الشيعة بعد نجاح الثورة، تملكوا أزمة الأمور، وسيطروا على كافة قرارات الدولة الإيرانية، ونكث الخميني بوعوده، وأبعد السنة وهمشوا، بل نكل بهم وضيق عليهم، وقتل منهم رموزهم، وشردوا في كل البقاع، هذا ونسبتهم الثلث (20 مليونا) من جملة الإيرانيين.
وحال السنة في إيران لا يخفى على أحد، فهم غرباء في بلدهم، مضطهدون ولم تقم إلى اليوم دولة سنية واحدة بالدفاع عن حقوقهم، كما تفعل إيران في المقابل مع شيعة العالم.
فالهدف الموحد للثورة تلاشى، فكان حال سنة إيران كالعرب حين أعانوا بريطانيا على الدولة العثمانية، على وعود بإنشاء دولة عربية موحدة، يكون الشريف حسين ملكها، فكان ماذا سوى تقسيم البلاد العربية قطعة، قطعة ؟.
وفي لبنان تنامى حزب الله في غفلة من الدول السنية الفاعلة هنالك، حتى تملك قوة توازي قوة الجيش، وكان من أثر ذلك السعي للاستيلاء على القرار اللبناني بطبيعة الحال، وليس المشاركة فحسب، كما كان نصر الله يعلن في مطالبته بالثلث الضامن في المجلس النيابي.
قال حينذاك: نريد المشاركة وليس إسقاط الحكومة. ونزل بقواته شوارع بيروت بعد نشوة انتصار 2006 على إسرائيل، فاعتدى على السنة ومساجدها، وعطل الحياة، حتى فرض لقاء الدوحة، وبرعاية قطرية حصل الحزب على ما يريد، ثم اليوم ماذا صنع ؟.
أسقط حكومة سعد الحريري؛ لإصراره على المحكمة الدولية، التي ظهر من حيثياتها إدانة أفراد من الحزب باغتيال الحريري الأب. وهكذا انتقل من مجرد المشاركة في صنع القرار، إلى فرضه بالقوة إذا لزم الأمر، أو بالمجلس النيابي إذا أمكن.
ولن يهدأ ولن يتوقف حتى يصل إلى حكم لبنان؛ لتخضع لولاية الفقيه، الذي يصرح نصرالله بأنه من مريديه ومؤيديه، سعيا لاكتمال الهلال الشيعي، الذي قال عنه نبيه بري بدون مواربة: "هلال شيعي في قمر سني".
أما العراق فسوءة ما بعدها سوءة؛ فرق الموت والقتل، وفيلق الغدر والخيانة، التي هجرت السنة من بغداد وقلبت المعادلة الديمغرافية السكانية لصالح الشيعة، ولا زالت صور الأقمار الصناعية تكشف مواقع كثيرة في بغداد مظلمة ليلا، تبلغ النصف وزيادة، هي التي خلت بيوتها من أهل السنة، بعدما هجروها خوفا على أرواحهم.
ثم قتل رموز السنة وعلمائها وقادتها، والذين تسننوا من الشيعة في قائمة المطلوبين للقتل، حتى غدت هذه البشاعات معروفة للقاصي والداني.
ومما زاد غضب السنة، حتى الذين ليست لهم توجهات دينية، ويحسبون على الاتجاه العلماني، أن الشيعة إلى اليوم ينكرون تحملهم المسؤولية، ويعلنون براءتهم من هذه الجرائم، في تقية مكشوفة، براءة إخوة يوسف من دمه.
فهل بعد هذا، يمكن للشيعة والسنة في البحرين أو دول الخليج، أو أي مكان، أن يتحدوا على أهداف موحدة، يثورون جميعا، ثم يتقاسمون ثمار الثورة بالتساوي، دون أن يتسلق أحدهم على كتف الآخر؟.
هل سيكون سيناريو البحرين فريدا استثناءا، أم نحن أمام مشهد متكرر، يكون السنة فيها هم الظهر، والشيعة الراكبون؛ لتعاد المأساة من جديد ؟.
كنا نود من الدكتور حاكم، أن يقف عند هذه النقطة؛ ليلقي عليها نظرة، فإن التعويل على عقلاء الشيعة، الذين لم يتلبسوا بالأهداف الطائفية، استناد إلى غير ذي ركن. سنفرض وجود شيعة خالين من كل أنواع التقية - وهم موجودون - وأن التجارب أثبتت صدقهم، لكن الثغرة في هذا السند: أنه لا يملك إلا نفسه، وليس له من أثر على التوجه الشيعي، أو كلمة مسموعة كالمرجعية.

التأثير كله للمتلبسين بالأهداف الطائفية، ابتداء بالمراجع ثم السياسين..

والشيعي حينما يخرج في مظاهرة، إطارها ومرجعها طائفي، فإنه يقدم روحه فداء للحسين، واستجابة لثارات الحسين – رضي الله عنه - وآل البيت.
فأنت أمام وضع متأزم وتحركات بأمر المراجع والقيادة الطائفية، فكيف يمكن التعامل معها على أساس الوطنية الخالصة، وكيف يمكن التوهم أن بالإمكان تغيير مسار الحركة الشيعية من الطائفية إلى الوطنية، بمجرد دعوات دعائية وسياسية ؟.
وإن اتحاد السنة بهم في هذه الأوضاع، ليبدو محالا غير ممكن؛ لأنه اتحاد بين طرفين غير متكافئين في النيات والأهداف، بل أي انخراط من السنة في هذا التحرك الشيعي، هو ركوب ظهر لا غير.
في هذه الثورات، لدى الشيعة أدوات النجاح، من اتحاد حقيقي، وقيادة حقيقية، والسنة ليس لهم من هذه الأدوات أي شيء.. فمن الذي سيجني الثمرة ؟.
إن مما يؤكد طائفية التحرك الشيعي في البحرين، وهو ما شعر به الدكتور في مقال:
1- أن قيادتها تؤول إلى المراجع الدينية.
2- تصريح الشيخ علي سلمان، وهو قيادي في جمعية الوفاق، بأن للجمعية مجلس علماء، يتبع مبدأ ولاية الفقيه. وهذه الجمعية هي المحرك الرئيس لهذا التحرك.
3- رفع المتظاهرين لصورة الخميني وخامنئي.
4- أن الشعوبية والعنصرية الفارسية ظاهرة فيها:
- فمن شعاراتها: "لا للعربي الخوان، تحيا تحيا إيران". [ قناة أهل البيت].
- ومما علقت به قناة آل البيت على الأحداث تحت عنوان: "البحرين ثورة شعب"، قولهم المروي: "ويل لطغاة العرب، من شر قد اقترب".
وننبه الدكتور حاكم، أن الحالة البحرينية تعتبر من أفضل الحالات الخليجية؛ فالشيعي له هنالك مواطنة كاملة، حاله حال السني بغير فرق، والأوضاع المعيشية ليست متردية، والخدمات كافة متوافرة مجانا، كالتعليم والصحة للجميع.
مع ملاحظة: أن البحرين ليست كالإمارات وسائر دول الخليج في الثراء.
بالإضافة إلى مشاركة سياسية واسعة، فالبرلمان البحريني يتكون من أربعين عضوا، ثمانية عشر عضوا منهم شيعي، ولهم حرية انتقاد الحكومة، في حالة قريبة من الحالة الكويتية.
فالمعارضة الشيعية لم تقم على أساس اقتصادي أو معيشي وخدماتي، إنما على أساس سياسي، حددت في مطالب واضحة غير مستترة، هي: إسقاط الحاكم والعائلة الحاكمة.
والنتيجة المؤكدة في هذه الحالة، مآل الحكم إلى الشيعة، لاعتبارين:
- الأول: أنهم أغلبية؛ ستون بالمئة 60%.
- الثاني: أنهم منظمون، ويتحركون بالامتثال الكامل لقيادتهم.
ومع كل ما تتضمنه الملكيات من سلبيات خطيرة وشنيعة، تحتاج فيه إلى مراجعة وإصلاح جذري متوجب، إلا أنها لا تتعامل بحسّ طائفي، يكون من أثره ما في الدول السابقة الذكر، والتي غدا فيها السنة، ضعفاء غرباء مضطهدين، ليس بأيديهم إلا الندم على الغفلة.
إن معارضة المظالم، لا ينبغي قيادة الأمة إلى فرض ربما كان أكثر ظلما، وما يعتلج في الصدر من حنق على تأخر وانحطاط الدولة وانتشار الفساد، لا يسوغ طلب المخرج من أي سبيل، بالتغاضي عن السلبيات الخطيرة التي تكون في هذا السبيل أو ذاك المضروب ليكون وسيلة للإصلاح.. الإصلاح الذي ذكرت شيئا من وسيلته الصحيحة في مقال: "نقاط التوتر.. في مشروعية الانتفاضة المصرية". وفي الذهن مقال مستقل خاص به.
إن التعايش بين السنة والشيعة مطلب رئيس وملح، فالاختلاف في العقائد ليس موجبا للعدوان، والسنة ملتزمون بهذا؛ ينقدون ويردون ويبينون الخطأ والباطل، ولا يعتدون على مال ولا نفس ولا عرض، والدول السنية شاهدة على احترام دم ومال الشيعي..
لكن ماذا عن الدول ذات الحكم أو السيطرة الشيعية ؟.
هذا ما ينبغي التمهل عنده، ولا يصح أن تتحد مع شيعي يرى فيك ظهرا يحمله إلى غايته، ثم يرميك متقربا مستجيبا للحسين - رضي الله عنه - مضيعا كافة حقوقك..
وإذا رأينا أمامنا تجارب ماثلة، فإن العقل والدين يقولان:


لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فإن لدغ فليس بمؤمن.
* * *

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية