اطبع هذه الصفحة


المظاهرات في السعودية

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه


بسم الله الرحمن الرحيم
المظاهرات في السعودية


الهدف من المظاهرات أحد أمرين:

- الأول: المطالبة بالحقوق وإصلاح النظام، وإيصال هذا الصوت إلى السلطة الحاكمة، بعد تعذر الإفادة من الوسائل الأخرى.
- الثاني: المطالبة بإسقاط النظام، واستبداله بآخر، بعد اليأس من إصلاحه.
وفي كلا الحالتين، قد تكون سلمية، وقد تنحو نحو العنف، بحسب ظروف تكونها.

والمظاهرات تتبع في حكمها مقاصدها ومآلاتها؛ فإن كانت مقاصدها ومآلاتها مشروعة، فهي كذلك، وإن كانت غير مشروعة، فهي أيضا كذلك. ومع ذلك، فإن منع المظاهرات في بلاد دستورها الشريعة كالسعودية هو الراجح؛ بالنظر إلى المقاصد والمآلات.
فأما المقاصد، فإن كثيرا من القاصدين للتظاهر صرحوا وأعلنوا: أنهم يريدون إسقاط السلطة الحاكمة. فمقصودهم ليس مجرد الإصلاح، بل الإسقاط والتغيير الكلي.
وأما المآلات، فإن ما نراه اليوم في "ثورة ليبيا"، من الانزلاق نحو حرب أهلية، وما نراه في "ثورة البحرين" من محاولة الاستحواذ الطائفي على الحكم: ينبئ عن خطر يتهدد وحدة وتماسك هذا الكيان، وينذر بسفك الدماء.
لأجل هذه المآلات وتلك المقاصد، فإن تحريم التظاهر هنا في السعودية، هو الصحيح.
لأن الحكم فيه شرعي، والناس قد بايعوا ولاة الأمر بيعة على الكتاب والسنة، فلا يجوز الخروج عليهم ما داموا يقيمون الصلاة، لحديث: (ما أقاموا الصلاة).
فهذه المظاهرات، وإن قيل: إنها سلمية، وليست خروجا للقتال، فلا تسمى خروجا أصلا، ومقصدها إصلاح النظام، وليس إسقاطه.
إلا أنه إذا كان المآل هو: إسقاط النظام، وسفك الدماء. فهو لا يعدو نوعا من أنواع الخروج. فقد خرجت سلمية في مصر وتونس وليبيا والبحرين بشعارات "إصلاح النظام"، ثم ما لبثت أن غدت هدفا لإسقاط السلطة، تبعها استباحة لدماء كثيرة، كما نرى في ليبيا.
نحن في هذا المقال، لا نقوّم تلك الثورات، فلها مقامها، وإنما نستشهد منها ما يخص المقام.
نعم، في أوربا وأمريكا يتظاهرون عادة للمطالبة بالحقوق، ثم يعودون بلا شغب يذكر، ولا اعتصامات لإسقاط الحكومات، إلا ما ندر، لكن الذي يحدث في البلاد العربية - الجديدة كليا على المظاهرات - أن نشوة المتظاهرين صارت تحملهم على المطالبة بأعلى المطالب، وهو إسقاط السلطة ورأس السلطة، ولو كانت ثمة مطلب أكبر طالبوا به.
هذه المطالب التظاهرية لا تصلح في نظام إسلامي، يحكم الحاكم فيه بمقتضى البيعة الشرعية له، فإن الأحاديث أشارت إلى طريقة التعامل مع الحاكم إذا ما فرط في الحقوق؛ فأمرت بالصبر إن كان تفريطه في الحقوق المالية ونحوها، وأباحت خلعه والخروج عليه إذا فرط أصول الدين الظاهرة، كأن يمنع من إقامة الصلاة.
ونحن لا نرى في بلادنا منعا للشعائر الظاهرة، بل نرى الدعم والرعاية للصلاة والحج والصيام والزكاة، فالنتيجة المحسومة شرعا إذن: عدم جواز الخروج، وعدم جواز التظاهر الذي نتيجته هو نتيجة الخروج، وهو: إسقاط نظام الحكم.
وتفريط السلطة الحاكمة في الحقوق وعدم أداءها كما ينبغي، لا يسوغ الخروج، وإلى هذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم في أقوال صريحة، أذكر منها طرفا.

روى مسلم بسنده عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال:
(دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره؛ إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة!.
فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقا عليه، أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي. ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر.
فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله، آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي.
فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)} [النساء : 29]
قال: فسكت ساعة. ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله".
أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله..
هذا هو السبيل، لحل مشكلة الحقوق والظلم من السلطة الحاكمة في أي بلد كان، لا أن يطاع الحاكم في المعصية، منفردين أو مجموعين، حتى إذا كبرت فعمت وطمت، فسرى شؤمها إلى الناس، حتى ضارهم في معيشتهم وحياتهم: جاءوا شاكين يريدون حقوقهم، يدعون إلى الاعتصامات والتغيير ؟!!.

أليس كثير من الناس يسارعون في تلبية رغبات الحكام المحرمة، حتى بدون طلب منهم ؟.
لو أن الناس منذ الأول – في هذا البلد أو ذاك - عملوا بالنصيحة النبوية، فعصوا الولاة إذا أمروا بمعصية، وتحملوا ما يلقون، فلم يتابعوهم على معصية، ولم يقولوا: أمر الوالي. لحمى الله حقوقهم، لكنهم فرطوا في حقوق الله تعالى، فعاقبهم الله بتولية من يفرط في حقوقهم.
وهذا حال فرعون مع قومه، أطاعوه في الظلم حتى سامهم سوء العذاب، قال تعالى: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون* أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين * فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين}.

روى مسلم بسنده عن عوف بن مالك الأشجعي، يقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟، قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة).
هذا الأثر يحدد متى يكون الخروج عليهم ؟. إذا لم يقيموا شعيرة الصلاة.

ويبين كيف العمل مع أخطاء الحكام ومعاصيهم: كره ما هم فيه، من دون الخروج عليهم
وفي الحديث أيضا: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم).

وفي هذا بيان: وجوب السمع والطاعة في المعروف، حتى إن استأثروا بالدنيا، فأخذوا الأموال، لكن مع قول الحق؛ بالإنكار عليهم في الذنب من غير خوف في الله لومة لائم.

جاء في كتاب "الشريعة" [ص38] للآجري بسنده عن عمرو بن يزيد صاحب الطعام، قال:
"سمعت الحسن أيام يزيد بن المهلب يقول: - وأتاه رهط – فأمرهم أن يلزموا بيوتهم، ويغلقوا عليهم أبوابهم. ثم قال: والله، لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم، صبروا ما لبثوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف، فيوكلون إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط، ثم تلا : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)} [الأعراف : 137].

وفي كتاب "آداب الحسن البصري" [ص116] لابن الجوزي:
" قال حميد خادم الحسن: كنت عند الحسن يوما، فجاءه رجل، وخلا به، وشاوره في الخروج مع ابن الأشعث على الحجاج. فقال: اتق الله يا ابن أخي!، ولا تفعل، فإن ذلك محرم عليك، وغير جائز لك. فقلت: أصلحك الله!، لقد كنت أعرفك سيء القول في الحجاج، غير راض عنه سيرته. فقال لي: يا أبا الحسن!، وأيم الله، إني اليوم لأسوأ فيه رأيا، وأكثر عليه عتبا، وأشد ذما، ولكن لتعلم – عافاك الله - جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف، وإنما تتقى، وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب. إن نقم الله متى لقيت بالسيوف، كانت هي أقطع".

إذن طريق الإصلاح والخالي من كل تبعات الثورات:

1- الكف عن المعصية، والتوبة والاستغفار والإنابة.
2- طاعة الحكام في المعروف، ومعصيتهم المعصية.
3- نصح الحاكم في كل كافة الذنوب: العقدية، والأخلاقية، والمالية بصبر وثبات.
4- الدعاء لهم إن كانت فيهم بقية خير، أو عليهم إن تشبهوا بفرعون.


 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية