اطبع هذه الصفحة


 معاوية رضي الله عنه

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه


بسم الله الرحمن الرحيم
 معاوية رضي الله عنه


في هذه الآونة هجوم غير مسبوق على معاوية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول ملوك الإسلام، والانتقاص منه رضي الله عنه بقدم تاريخ الخلاف بين المسلمين.

كان المحبون لعلي رضي الله عنه المشايعون له يتبرءون من معاوية، والمحبون لمعاوية المشايعون له يتبرءون من علي، كما هو عادة العامة، الذين يغلب عليهم الإفراط في الحب والبغض.

ومن بين هؤلاء ظهر قوم قصدوا إسقاط عدالة الصحابة؛ بطعنهم في واحد منهم يفتح الباب للطعن في جميعهم، وهؤلاء هم الشيعة الاثنا عشرية الإمامية، وكلامهم في الصحابة مشهور معروف، لا يتقون فيه ويعلنونه، ليس في بعضهم بل كلهم وكبارهم.

نحن أهل السنة، عدالة الصحابة عندنا من المبادئ التي لا نتنازع عليها، فجميع من ثبتت له الصحبة، هم عدول بلا خلاف.

هذا المبدأ الأصل يدركه الجميع، لكن معناه قد يغيب عن بعضنا..

ما معنى عدالة الصحابة ؟.

معناه أمران: عدالة في الرواية، والقدوة.

فالصحابي عدل؛ أي ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح، فهو لا يكذب عليه.

وهو عدل؛ أي أفعاله وأقواله يصح أن تكون معاني يقتدى بها، جلها وليس كلها، فإن الصحابي لا يخلو من الخطأ والذنب، لكن أكثر أحواله خير وبر، فهو قدوة في ذلك.

وعند هذا المعنى نقف قليلا..

الذين يطعنون في الصحابة، وقد نبت في السنة اليوم من يفعل ذلك، يفرضون خلو الصحابة من الزلل والخطأ، فإذا ما وجدوا خطأ منهم، رأوا أن هذا مسقطا لعدالتهم.

هذا ميزان خاطئ، فليس من شرط العدالة: العصمة من الذنوب. وإلا لم تجد أحدا من البشر عدلا على مر التاريخ إلا النبيين، والأنبياء أيضا في قول من يجيز عليهم بعض الصغائر.

شرط العدالة:


أولا:
التزكية من الله تعالى لهم، وهذا ما كان في حق الصحابة، لقد زكاهم كلهم، فقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}.

فالله زكاهم، وهو يعلم أن منهم من يذنب ويخطئ ويزل، فلم يمنع ذلك من تزكيته لهم، فهذا دليل على أن هناتهم لا تضر في عدالتهم.

ثانيا:
أن تغلب الحسنات السيئات، وهذا حال الصحابة، فإنهم هم من أقام الإسلام في الأرض، هم الأول والمقدمة، فحسناتهم عظيمة ولو قلت، وكل من بعدهم في حسناتهم، فلولاهم لما كان في الأرض إسلام وإيمان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم لا نصيفه).

كلا شرطي العدالة متوافر في الصحابة؛ لأجله هم عدول باتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعون سنته، بخلاف الشيعة الإمامية، الذين لم يطعنوا في الصحابة فحسب، بل القرآن أيضا تكلموا فيه التحريف والنقص.

مع هذه العدالة، فليس كلهم على مرتبة واحدة سواء، بل بينهم تفاوت، بحسب سابقتهم وحسناتهم، وقد قسمهم العلماء إلى عشر طبقات:


في الأولى منها:
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم.

ثم في الخامسة منها:
بقية العشرة المبشرين بالجنة، وبنات وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم السادسة فيها:
أهل بدر. وفي السابعة: أهل بيعة الرضوان عام الحديبية.

ثم الثامنة وفيها:
من أسلم قبل فتح مكة. وفي التاسعة: الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح.

والعاشرة:
من أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومعاوية رضي الله عنه
أسلم في عمرة القضاء، قبل فتح مكة، فهو في الطبقة الثامنة، أسلم وكتم إسلامه، حتى أعلنه لما فتحت مكة، ولذا بعضهم يجعله في التاسعة.

فمن قبله لا شك أعلى منه درجة وفضلا، لكن ذلك لا يلغي فضله؛ أن تأخرت مرتبته، فإن الله تعالى يقول: { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد : 10].

ففرق بين السابقين ومن لحقهم في الدرجة، وحفظ لهم جميعا فضلهم ووعدهم الحسنى، فمعاوية رضي الله عنه ممن وعده الله بالحسنى بنص هذه الآية، فهذه آية تزكية له.

وقد وردت في فضله أحاديث، ضعفها بعض أئمة الحديث، كما وضعت أحاديث في ذمه، كذبها أهل العلم بالآثار، ويكفي في فضله، أن صحبته ثابتة، امتدت إلى أربع سنين؛ منذ السنة السابعة عام عمرة القضاء حتى وفاته صلى الله عليه وسلم السنة الحادية عشرة.

لقد قرر أهل العلم بالصحبة: أن الصحبة تثبت لمن لقي النبي مؤمنا به، ولو للحظة. فكيف بمن لقيه وهو مؤمنا مدة ثلاث سنوات، وكان كاتبه يكتب له رسائله إلى الملوك والأمم؟.

إن شرف الجلوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يدانيه شيء، وإن من لقيه وهو مؤمن يناله من البركة والإيمان لجلوسه إلى النبي صلى الله عليه، ما لا يناله من يمكث طول عمره ساجدا قائما مصليا مجاهدا متصدقا.

فإن مجالسة الأنبياء ولقياهم تطهر القلوب، وتغسل ما بها من عيوب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن رآني، ورأى من رآني، ورأى من رأى من رآني).

فبركته تنتقل منه إلى الصحابة، ومنهم إلى التابعين، ومنهم إلى تابع التابعي، فمن رأى التابعين ناله شيء من بركة النبي صلى الله عليه، فكيف بمن رآه كفاحا بلا حجاب؟.

معاوية رآه ثلاث سنين، وكتب له، ومات وهو راض عنه، وما ورد من أحاديث عنه صلى الله عليه في ذمه، فمقام النبوة يترفع أن يصدر عنه مثل تلك الكلمات، ففيها تخصيص أحد أصحابه باللعن أو نحوه، ولم يكن هذا من هديه ولا من جنس حديثه.

وما أفقه من قال: "غبار في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير من عمل عمر بن عبد العزيز عمره كله".

فإنه نظر إلى أثر الصحبة على الصاحب، وهو سر ارتفاع مقام الصحابة على غيرهم، مع أن في غيرهم من عبادته أكثر، وصدقته أعظم، وجهاده في كل مكان.

{محمد رسول الله والذين مع أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلط فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم أجرا عظيما}.

إن مما يثبت الشرف والعدالة لمعاوية رضي الله عنه، شهادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالخير، وهم أصدق الناس، وليس فيهم من يحابي، أو ينافق، أو يكذب، وقد عارضوه في تولية يزيد ابنه، وأعلنوا ذلك صراحة.

فأول من حكم بعدالته، عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ولاه الشام، وما كان عمر ليختار إلا صالحا، وقد عرف عنه الشدة في الحق، ثم تلاه عثمان فأقره على إمرته، فهذان خليفتان راشدان رضيا به، يقول الذهبي:


"حسبك بمن يؤمره عمر، ثم عثمان على إقليم، وهو ثغر، فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك، وإن كان غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا منه بكثير وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه، وله هنات وأمور، والله الموعد". السير 3/133

أبو الدرداء يقول: "ما رأيت أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من أميركم هذا. يعني معاوية". السير 3/135

يقول جابر: "صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه".

قال ابن عباس: "علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار".

يقول أيضا: "ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية". 3/153

عن علاقته بعلي رضي الله فقد دخلها الخلاف، وكان الحق من نصيب علي، وعلي خير منه وأعلى مقاما باتفاق أهل السنة، ومعاوية لم يكن يرى لنفسه فضلا عليه، جاءه أبو مسلم الخولاني، فقال: "أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟.

فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه، والطالب بدمه، فائتوه، فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له، فأتوا عليا، فكلموه، فلم يدفعهم إليه". السير 3/140

وقد عدل الحسن البصري حين سئل عن علي وعثمان، فقال: "كانت لهذا سابقة، ولهذا سابقة، ولهذا قرابة، ولهذا قرابة، وابتلي هذا، وعوفي هذا. فسأله عن علي ومعاوية، فقال: كان لهذا قرابة، ولهذا قرابة. ولهذا سابقة، وليس لهذا سابقة. وابتليا جميعا". 3/142

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية