اطبع هذه الصفحة


الإيمان بالقدر

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
@khojah10


بسم الله الرحمن الرحيم


من الإيمان أن: "نؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم". فما الذي رقم في اللوح؟.
اللوح هو المحفوظ، المذكور في قوله تعالى: ﴿ فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ﴾. وهو أم الكتاب: ﴿وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وفي هذا الكتاب، كتب كل شيء يكون في هذا العالم.
وقبل أن يكتب في الكتاب كل شيء كائن، فصورته في علم الله تعالى أزلية كائنة، فالله تعالى علم كل ما يكون، وما لا يكون، ثم بعد الكتاب فكل شيء فيه، فإنه حادث بإرادته ومشيئته وخلقه، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾.
هذا هو الإيمان بالقدر؛ الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، قال صلى الله عليه وسلم: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره). أي تؤمن بأربع كلمات:
الأولى: أنه تعالى علم كل شيء كائن من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ﴾.
الثانية: أنه كتبه في اللوح، قال صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة).
الثالثة: أنه شاءه وأراده، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾.
الرابعة: أنه خلقه وأوجده، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾
هذه العقيدة لازمة، من لم يؤمن بها هلك وكان من الضالين. ومن آمن بها ورث الإيمان، وحقق التوحيد الخالص لله رب العالمين. وكيف ذلك، وما علاقة القدر بالتوحيد والإيمان؟.
خلاصة الإيمان بالقدر: اعتقاد أن الذي له الملك حقا وحقيقة، والذي بيده مقاليد النفع والضر هو الله تعالى وحده، فلا إرادة لمخلوق مع إرادته ومشيئته، فإن أراد نفع أحد أو ضره فقضى وقدر ذلك، وشاءه وخلقه، فالخلق عاجزون عن رد القضاء، ولو اجتمعوا كلهم لذلك.
فلو فهم الإنسان هذه الحقيقة وتيقنها، فلن يجد في قلبه تعلقا بمخلوق بعد ذلك؛ فإن الثقة والاطمئنان والتعلق بالمخلوق، إنما سببه الظن أن بيده أن ينفع ويضر، فإذا نزع هذا الاعتقاد، وتيقن الإنسان أن الأمر كله لله تعالى وحده، هو المالك النافع الضار، فلن يجد ميلا ولا خضوعا إلا لله تعالى، ولن يعلق قلبه: حبه، ورجاءه، وخوفه، وتوكله إلا به تعالى وحده.
قال الله تعالى: ﴿ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦ وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧ وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨﴾
فكم ذي سلطان وجبروت قصد وأراد أذى أحد من الناس، فلم يقدر على شيء؛ كغلام الأخدود الذي أراد الملك قتله لإيمانه بالله، فأرسله مع جماعة إلى جبل ليردوه منه، فلما اعتلوا القمة، تحرك الجبل، فسقط أولئك ورجع الغلام يمشي. فأرسله مع جماعة في سفينة، ليغرقوه في البحر، فماج البحر فسقط أولئك، ورجع الغلام سالما، وقال: لن تقتلني إلا أن تأخذ من كنانتي سهما، وتجمع الناس، ثم تقول: باسم رب الغلام. فجمع الناس وفعل كذلك، فمات الغلام، وآمن الناس به وكفروا بدين الملك، فحرقهم بالنار، وفيهم نزلت سورة البروج.
وقد يمرض الملوك، فلا يجدون دواء لدائهم، هذا مع أن كنوز الأرض طوع أيديهم، والنفوس خاضعة ذليلة لهم، والأطباء المهرة حاضرون، لكن ليعلم الناس أن من ظنوا فيهم النفع والضر يوما، ها هم اليوم عاجزون عن الدفع عن أنفسهم، فكيف يدفعون عن غيرهم؟.
لو تمت عقيدة الإيمان بالقدر، فالقلب في راحة من العنت والمشقة؛ بالتعلق بالمخلوق ذلة له وخضوعا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ :يَا غُلَامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ). رواه الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
فهذه فائده من فوائد الإيمان بالقدر؛ أنه يملؤ القلب توحيدا لله تعالى؛ بحبه، ورجائه، الخوف منه، والتوكل عليه. فالناس يُعرِضون عن كل ما هو ضعيف عاجز إلا أن يحسنوا إليه، وهكذا الإنسان مهما بلغ من القدرة والملك، فهو في مآل أمره عاجز ضعيف، فلينظر كل إنسان إلى ركنه الذي ركن إليه، وهذا هو سر الأمر بعبادة الله ودعائه وحده؛ لأن هذا هو الركن الشديد، وما عداه فهو أوهن من بيت العنكبوت: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾.
وفي هذا ابن عباس يقول: "الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ آمَنَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، فَهُوَ نَقْضٌ لِلتَّوْحِيدِ".
السنة لعبد الله بن أحمد/سئل عن القدرية والصلاة خلفهم
يعني من لم يؤمن بأن الله خلق وشاء كل ما في هذا العالم من صفات، وأفعال. فهذا مكذب بالقدر، وتكذيبه هذا يفضي إلى ضعف الإيمان بالرب سبحانه أنه النافع الضار، الملك المالك لكل شيء. وهذا الاعتقاد ضد التوحيد ومفسد له، فكيف له التعلق بالله تعالى فيحبه، ويرجوه، ويخافه، ويتوكل عليه، إذا كان ظنه: أنه تعالى لا يشاء ولا يخلق أفعال العباد وصفاتهم، ولا يشاء ولا يخلق كثيرا مما يكون في هذا العالم، كما هو مذهب القدرية المعتزلة، الذين زعموا أن العبد يخلق فعل نفسه، والله لا يخلق فعله؟.
إن ذلك يعني أنه – حاشاه سبحانه - ناقص الملك والملكوت، والعظمة والجبروت، والقلوب لا تتعلق ولاتتوجه إلا إلى الذي له الملك التام؛ فبه هو متحكم في كل ما يجري من الأمور، ومصرفها كما يشاء، وهو مدبرها، وهو العالم بها، والمريد لها، والخالق والمنشئ لها.
من أجل ذلك، يذكر في القرآن كثيرا، القدرة الإلهية على النفع والضر، والملك التام؛ للدلالة على استحقاقه وحده للعبادة؛ إذ غيره ليس له ذلك: ﴿وَمَا لِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣ إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤ إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥﴾


* * *


بعد هذه الفائدة العظمى للإيمان بالقدر، وهو تحقيق التوحيد، ثمة فائدة جليلة أخرى، هي: الصبر، والرضا بقضاء الله تعالى وقدره. فكل الحوادث خيرها وشرها، حلوها ومرها مكتوب في اللوح المحفوظ، وقبلها في علم الله تعالى: أنها واقعة لا محالة قبل أن تخلق، قد شاءها وأرادها الرب سبحانه وتعالى بحكمته الباهرة، فمهما صنع الإنسان فلا مفر، فلو كشف له القدر؛ بما يكون من حاله مستقبلا، فإنه يمشي إليه ولو كان مرا، وهو يرى حتفه قبل أنفه بين عينيه، فلا يستطيع إلى الفرار سبيلا، فالقدر أقوى منه، ومشيئة الله تعالى فوق مشيئته: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩﴾، فما عليه إلا التسليم للقدر، بعدم معارضته بالسخط والجزع، فذلك لا يغير شيئا. فليس في يد الإنسان تغيير ما قدر، ولا الفرار منه، بل في يده الصبر، وفي ذلك ثواب جزيل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠ ﴾.
وأعلى درجة من ذلك: الرضا. وهو رتبة الأبرار أهل الإحسان، وليست بواجبة؛ لعجز أكثر الناس عنها، إنما يؤمرون بالصبر، أما الرضا فيندبون إليه؛ لأنه من مقامات الإيمان العلية.
هذا والمؤمن بالقدر، يوهب سكينة وطمأنينة عند المصيبة والنعمة، فلا يتصرف تصرف أهل الجزع والسخط، ولا الكبر والبطر.
فبعض من الناس إذا نزلت به نعمة بالغ في فرحه، حتى يشاكل أهل البطر، وإذا نزلت به مصيبة بالغ في الأسى، حتى يشاكل أهل اليأس والقنوط. وكلا الحالتين يشير إلى ضعف في الإيمان بالقدر؛ فإن الذي قد أيقن أن كل شيء مكتوب مقدر سابقا، يتلقى النعمة والمصيبة بهدوء وطمأنينة؛ بعلم أنها مكتوبة ومقضية لا مناص منها، فيسكن لأمر الله، وينظر كيف ينتفع بالحدث، فيجعل منه مخزون ثواب وأجر، يهديه إيمانه إلى سكينة تعينه على علاج ما وقع بالصبر والبصيرة، فيسدد في فكره وعمله، فيحور القدر لما فيه خير له ونفع في دينه ودنياه.
أما ضعيف الإيمان، فيتلقى القدر كأنه حدث لم تسبق له كتابة أو وجود في العلم الإلهي، كأنه أمر حادث أنف لم يعلم به أحد، ولم يكتب إلا حين وقع ، فيفجأ به، فيبدو منه الجزع والسخط والدعاء بالوبال إن كانت مصيبة، أو البطر والفرح في حال النعمة، فيعدم البصيرة والحكمة، فلا يوفق إلى فكر وعمل يحور ما نزل به من قدر إلى خير. يقول الله تعالى: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢ لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ﴾.

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية