اطبع هذه الصفحة


لئلا نقتل في حلب

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
@khojah10


بسم الله الرحمن الرحيم


في حلب اليوم، لا ترى العين الأبية الشريفة الكريمة إلا ما يدميها؛ اجتمع فيها دمار موحش وبشر حبيس خراب يمشي بين أزقته حيران، لا يملك من أمره شيئا، لا ارتحالا ولا صدا، إنها أحوال يوقن المرء معها أنها عداوة متأصلة أبدية، بل حقد عميق لا يحمل معه ذرة من رحمة، يتولى كبرها أطراف أربعة، همها أن تعيش في كبرياء وعتو، ولو طحنت لأجله أمة فيها: الضعيف، والطفل والصغير، والمرأة، والشيخ.

فأولها: النظام السوري النصيري، الذي لا يشك أهل الإسلام في كفره وخروج طائفته من ملة الإسلام، فلم يكن النصيرية يوما من المسلمين، هذه الفئة المارقة التي قفزت إلى حكم السنة على حين غفلة، كانت مؤامرته الكبرى إزهاق أرواح السنة متى ما استشعر منهم خطرا، فإما أن يخضعوا لذله وجبروته، أو ليس إلا التدمير، فمن دمر حلب اليوم قد دمر حماة قبل.

وثانيها: النظام الصفوي الإيراني الحاقد على الإسلام والمسلمين والعرب، فإنه ظن أنها فرصته للثأر واسترداد ما سلب منه حينا من الدهر، لما غزا المسلمون فارس فحطموا ملك كسرى، فلا يريد تفويت فرصة سانحة لإقامة امبراطورية ساسانية بعد غياب ألف وأربعمائة عام.

وثالثها: النظام الصهيوني المستفيد من أي حرب مشتعلة؛ يبيع فيها السلاح، ويضمن أمن إسرائيل بإشغال العرب فيما بينهم، ويسعى في بث الفوضى وإعادة رسم حدود الدول؛ ليبقى هو المسيطر والحاكم الأوحد لهذا العالم مستترا خلف القوى العظمى والهيئات الدولية.

ورابع هذه الأطراف الآثمة: روسيا القوة الغائبة الحاضرة، التي تطمع أن تستعيد كرسي سلفها النظام الشيوعي الماركسي الاتحاد السوفيتي الذي كان يحكم نصف العالم، وقد جمعت إلى ذلك حقدا صليبيا، فإنها لا تخفي ألمها لزوال العاصمة الشرقية للمسيحية الآثوذكسية في القسطنطينية على يد الفاتح محمد، وقساوستها يعمدون الطيارين قبل إلقائهم للصواريخ على حلب والمدن السورية، إشارة إلى أنها حرب دينية.

إنها أنظمة كافرة بكل شيء، ليس بالإله فحسب، بل بكل شيء: الأخلاق، والمروء، والوفاء، والإنسان، والآدمية. إنهم شياطين الإنس يعلمون شياطين الجن كيف يكون الحرب على الله.

لكل منهم هدفه الخاص، وقد اجتمعوا على هدف لا يزيغ عنه منهم أحد: ألا ترفع للإسلام والمسلمين راية، وألا تقوم لهم دولة بعد اليوم، ولو علمانية. فلا ثقة بهم، ولو كانوا ممن لا يطلبون إقامة الشريعة، فمجرد كونه: مسلما سنيا، مقاوما يطلب حقه، ويدفع عن نفسه، فتلك جريمة يجب معها حصاره، وتدميره، وتخريب كل شيء حوله، وتهجيره في الأرض وتشريده، ثم يظهر الغرب الصهيوني في مشهد الأحداث في صورة العطوف الذي ربما فتح أبوابه للمهجرين؛ يدمرون بلده ثم يمنون عليه بقبوله لاجئا!
في قانونهم كل من قاوم مشروعهم في العالم، فهو إرهابي أصولي متطرف، حتى لو كان يدافع عن بلده، وعرضه، ودينه، وماله، فالذي ينبغي له أن يسلم نفسه لكل ما يخططون له، ويتماهى مع أهدافهم حتى يكون مواطنا صالحا، إنهم أشد لعنة على العالم من فرعون على بني إسرائيل.

في هذه الحرب البشعة الأليمة اجتمعت أطراف ثلاثة تباشر الإجرام علنا وفعلا، ثم تدعي بلا حياء أنها تحارب الإرهابيين، وقنوات لهم عربية اللسان وأخرى مستعربة تتكلم هكذا بلا خجل، وكل العالم لا يرى من القتلى إلا مدنيين ضعفاء، لا يرى فيهم إرهابيا واحدا كما زعموا، ومن وراء هؤلاء الثلاثة يقف المجرم الأكبر، الذي يعلن تارة وجوب رحيل الأسد، ثم ينكص تارة أخرى، فإذا كان أولئك مباشرون للجريمة في حلب وغيرها، فهذا ليس بأقل منهم، فإنه يغل ويكف يد المقاومة، بمنع السلاح عنها بخاصة الصواريخ المضادة للطائرات، وهو الذي منع إقامة منطقة حظر جوي كان كفيلا بمنع هذه الغارات التي أهلكت الحرث والنسل، وهو الذي أذن للنظام الإيراني - ثم الروسي من بعد - أن يعربد في المنطقة كما يشاء، لكنه يمنع السنة من الدفاع عن إخوانهم، ويهددهم بتهمة دعم الإرهاب، يفعل ذلك بما أوتي من قوة وسيطرة، فهو شريك في الجريمة، ففي الشرائع لا فرق بين القاتل والذي قيد للقتل.

وفي مثل هذه الأحوال الآسنة الخالية من: الخلق، والمروءة، والدين، والإنسانية. هل كنا لنطمع منهم رحمة أو رفقا؟ كلا، بل إنهم ليستلذون بقطرات الدماء التي تهراق، والجماجم التي تشهم ولو لطفل رضيع، لا يحرك ذلك في ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، إنهم يجيدون النفاق والكذب؛ يقتلون ويعزون، ينهبون ويحاسبون، يمدون يدا والأخرى تتيهأ للطعن.

إنهم يسوون بين الجلاد المجرم والضحية القتيل، فيجمعون بينهما على طاولة واحدة للتفاوض، حتى لو دمر البلد بأكمله، يغيب القانون الدولي، وهيئة الأمم، ومجلس الأمن؛ فالبلد للمسلمين، والمجرم من النصيرية أو الرافضة أو الصليب، فلا مساواة في الحقوق حينئذ، ولا مجرد إدانة، ولو كان اعتداء على مستوطن يهودي محتل، فالأمر مختلف، هنا القانون الدولي يحضر بقوة، ولا مجال لتأويل قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم.

إنها شريعة وضعية وضعت لجبر الضعفاء وإخضاعهم للأقوياء، لكي يتوسلوا الرحمة والشفقة من المجرمين، من عرف ملتهم لم يعجب من كل ما يصنعون، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، إنهم يقاتلون المسلم حتى يردوه عن دينه إن استطاعوا، حتى يكون مثلهم، كل هذا أخبرنا به القرآن العظيم، لكنا هجرنا القرآن تلاوة وعلما وعملا، ومن ضل عن هدى القرآن، فلا تسأل في أي واد هلك: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}. فهذه النار مستنا في الدنيا منهم، وحاقت بنا الهزائم، فلم نجد عونا إلا من الله تعالى، بعد أن تخلى القريب والبعيد.

قلنا إن الغرب صديقنا، فارتمينا في أحضانه، ونصرنا قضاياه ولو أضر بنا، ثم وجدناه مصطفا إلى جنب عدونا، يكيد لنا أشد الكيد، وكأننا لم نحسن إليه يوما ونواليه، فصار يمد المعتدي ليدمر دولنا بكل ما لديه من سياسية وقوة وسلاح، وفي الوقت نفسه يكبلنا في قيود الإرهاب، فماذا جنى المسلمون من هذا الارتماء في أحضان أمريكا والغرب سوى المذلة وتهديد الأمن؟ ألم يخبرنا الله تعالى منذ أنزل القرآن، أنهم قوم ليس لديهم بنا إلا المكر: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لايهدي القوم الظالمين}، أي لا تنصروا دينهم، ولا تنصروهم على المسلمين، لكنا أعرضنا عن وصية الله تعالى لنا، لقد كنا في غفلة من هذا، بل كنا ظالمين، فهل آن الأوان لننعتق من أسرهم؟

إن كل ما يحدث بنا، ونحن نتكلم كأمة واحدة، بجسد واحد، مصيرها واحد وهدفها، كل هذه الجراحات والآلام التي إن لم تصب بعض أبداننا، فقد أصابت أرواحنا ونفوسنا وعقولنا، حتى لم نعد نهنأ بعيش، فإنما هي بسبب منا من أنفسنا، هكذا يقول الله تعالى لنا: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}، {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}.

نحن الذين سلطانهم على أنفسنا، حين زعمنا أننا وهم سواء، فأردنا أن نتقرب إليهم بما يجرح عقيدتنا ويمزق ديننا، فصرنا نتوهم أن الأديان سواء، ونسينا أن الله تعالى أخبرنا ببطلان دينهم: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}. فقدنا استعلاءنا بالإيمان، الذي كان سر قوتنا وتميزنا وهيبتنا بين الأمم: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}. فغيبنا شعيرة الولاء والبراء وتنكرنا لها، لأجل قوم تنكروا لوجودنا وحقنا في الحياة الكريمة، فأية حماقة ركبناها حين رمينا بسلاح بأيدينا كان يحمينا؟!

ثم رجعنا على شعيرة من شعائر الله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، فما زلنا نرمي بسهامنا عليها من كل جانب، كأنها شهب تتبع الشياطين، حتى لا يقولوا إننا ضد الحريات الشخصية، حتى كدنا أن نخسر تميزنا بالخيرية أو خسرنا.

فعلنا كل شيء حتى نتلاءم مع الغرب، فننفذ من نقده وعتبه علينا؛ بدلنا في أحكام ديننا وحرفنا، وقلنا: إن ديننا بريء من الحدود كافة: الرجم، والردة، والجلد، والقطع، والقصاص. ثم عدنا على عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية، التي أساسها الإسلام، فألقيناها وراء ظهورنا، فدفعنا بنسائنا ومحارمنا في محاضنهم التعليمية، وخلطنا الإناث بالذكور، وتحللنا من الحجاب إرضاء لأمة لم تنظر إلينا يوما بتقدير لذاتنا، وغيرنا في اقتصادنا ليلائم اقتصادهم، فتعاملنا بالربا وأنواع من الميسر في أسواق المال، بل وغيرنا التواريخ أيضا، سعينا في كل ما يدنينا منهم، ويباعدنا عن تراثنا وقيمنا، حتى لم يعد ثمة فرق بيننا وبينهم في اللباس والعادات وغيره، فماذا كنا ننتظر بعد كل هذا النكران للحق ألا أن نراهم مذلين لنا غالبين؟!

نحن الذين أغريناهم بذلك، حين وجدوا منا تبعية مطلقة، والمتبوع لا بد وأن يُذِل التابع، ولن يرضى عنه مهما صنع: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}. لن يصلح الأمر في حلب وسوريا والعراق، ولن يستجيب الله الدعاء إلا من أمة عزمت على إقامة الدين وشعائره كلها صدقا ونصحا: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}.

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية