اطبع هذه الصفحة


"تسونامي".. الطوفان يعود من جديد!!

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

 
في يوم الأحد الماضي: وقع زلزال كبير وسط المحيط الهندي، بقوة بلغت 9،8 درجة بمقياس ريختر، ، حرك المحيط الكبير في كل اتجاه، بارتفاع زاد على عشرة أمتار، فجاءت الأمواج كصواعق، وعواصف، وطوفان، تجاه الشواطئ المحيطة، فضربتها، فما أبقت فيها ولم تذر.. كان مريعا..!!، القتلى بلغوا 130ألف قتيل، بحسب الإحصاءات الرسمية، والعدد مرشح للزيادة حتى المائتي ألف، مع تشريد المليون ومئات الآلاف، وتخريب جزر، ومنتعجات، وقرى، ومدن، ومناطق بكاملها، وكل شيء كان في طريق هذا الطوفان الكبير.

وقد عم شواطئ دول عدة هي: إندونيسيا ( أكثرها تضررا، حيث زاد القتلى فيها على 80 ألف)، وسيريلانكا (بلغ 30ألف)، والهند (13ألف)، وتايلند (3 آلاف) ، والمالديف، وقوة الزلزال دفعت بأثره إلى بلاد بعيدة، حيث تأثرت كل من: الصومال، وتنزانيا. فقتل فيها المئات، وشعر بأثره القاطنون سواحل: عمان، واليمن.

هذا الحدث الهائل صار الخبر الأهم؛ تابعه العالم كله، ورصدته الأخبار كل لحظة، وفي كل موقع، ودرسه المختصون في علوم الأرض، وتنبئوا بحدوث تغيرات في الأرض: في سرعة دورانها، وفي تحرك جزيرة سومطرة، أقرب النقاط إلى موقع الزلزال، وأكثرها تأثرا، عن موقعها تجاه الجنوب بنحو ثلاثين كيلومتر، كما تحدثوا عن المساعدات التي بدأتها تتدفق إلى تلك البلدان، وكان أسرعها مساعدات الدول الإسلامية.

كل ذلك تحدثوا عنه بالتفصيل، والتكرار، وتحدثوا عن شيء أيضا، ربما لفت أنظار بعض المتابعين، هو:

 أن الزلزال وقع متوافقا مع اجتماع أعداد كبيرة من السياح من المسيحيين وغيرهم، الذين أتوا لهذه المناطق الدافئة، هروبا من البلاد الباردة، للاحتفال بأعياد رأس السنة وميلاد المسيح عليه السلام، فنزلوا في منتعجات على الشواطئ، اشتهرت بجمالها الأخاذ، أتوا حاملين معهم ما يسميه بعض الناس: "ثقافات وعادات اجتماعية": يشربون الخمر، ويتعرون الرجال والنساء جميعا، ويمارسون الفواحش، ويرتكبون أعمالا قبيحة وشنيعة، مع تواطؤ من بعض أهل تلك البلاد من: رؤساء، وتجار، وعامة. بتيسير كل هذا الأمور لهم، وإعانتهم عليها، حبا في المال..!!.

ولما كثرت الفاحشة وعمت: نزل عليهم غضب الجبار. فجاءهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، جاءهم من المكان الذي تمتعوا به، واستنشقوا نسماته، وأكلوا من نعمه، ونعموا أبدانهم بمائه، فما أمهلهم، ولا استمهلهم، جاءهم بغتة، فلم يتركهم إلا قتيلا، أو فقيدا، أو شريدا، ممزقين، حيارى، نادمين، قال تعالى:
-
 {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}.

لقد خرب الزلزال منتجعات، كانت تسمى بجنة السياح، كمنتجع "بوكيت" و "خولاك" في تايلند، فتركها وغيرها أثرا بعد عين، ودمارا بعد عمار، وأطلالا وذكريات أليمة، زرع الحزن وقتل الفرحة:
-
 {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد}.

انظر إلى الأطلال كيف تغيرت *** من بعد ساكنها وكيف تنكرت
سحب البلى أذياله برسومها *** فتساقطت أحجارها وتكسرت

 ترك الناس يجمعون جثث الأحباب، والخلان، وذوي القربى، عاجزين عن دفنها لكثرتها..جاء الزلزال وما أراد إلا الشواطئ، بما فيها من كبائر، فما أصاب إلا إياها، ومثله في قوته الهائلة، لو أصاب عمق اليابسة، لقتل ملايين من الخلق، لكنه أراد مرتادي الشواطئ، فبدأ من قعر المحيط، ثم مد غضبه إلى أطرافه..!!.
{ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.

إنها لآية..!!، لقد حكى الله تعالى لنا أقواما عذبوا، وأهلكوا بأيسر من هذا، وأخر هذا ذكرى لنا.

والعبرة واضحة للمؤمن، فما وقعت مصيبة إلا بذنب، ولا رفعت إلا بتوبة، لكن أنى للقاسية قلوبهم أن يفهموا هذا..؟!!، وقد حكى الله تعالى عنهم فقال:
{ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}.

فكم أولئك الذين يرددون: أن لا علاقة بين الكوارث من زلازل ونحوها والذنوب. أن لا علاقة بين الزلازل وغضب الله تعالى؛ وأنها ظواهر طبيعة محضة، تحدث لأسباب فلكية، وجيولوجية.

ويتخذ للتوصل إلى هذه النتيجة مقدمات، هي في حقيقتها شبهات لا تقوم أمام حجج النقل والعقل، فمنها:

كيف تكون الزلازل عقوبة مع الإنعام؟.

 الزلازل لها أسبابها الطبيعية المحضة، وهي تجري على سنة ثابتة، لا علاقة لها بأحوال الناس المتغيرة.

 إذا كانت الزلازل عقوبات، فلم يصاب بها المسلمون والكافرون على حد سواء؟.

وهذا الفهم والتحليل خطأ مصادم لنصوص صريحة في القرآن والسنة، تبين أن الكوارث إنما تصيب الإنسان والأمم لغضب الله تعالى عليها، لركوبها المعاصي، وهذا تفصيل تلك الشبهات وتفصيل الجواب عليها:

الشبهة الأولى: أن الزلازل تصيب دولا وأمما متقدمة غنية، فإذا كانت هذه الكوارث دليل غضب الله، فلم يعطيها من النعم وهو عليها غاضب ؟.
فهذه الشبهة مبنية على استحالة اجتماع النعمة والنقمة في محل واحد: شخص أو أمة؛ فهي من مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأولى: النعمة والنقمة لا تجتمعان في محل واحد.
المقدمة الثانية: الزلزال وقع في محل نعمة.

النتيجة: الزلازل ليست نقمة ولا عقوبة على ذنب، بل ظاهرة طبيعية محضة، كطلوع الشمس وغروبها.
وفي الجواب نقول: المقدمة الأولى خاطئة من حيث العقل والشرع، وإذا بطلت المقدمة بطلت النتيجة.

فالعقل لا يمنع من اجتماع النعمة والنقمة في محل واحد، ونحن نرى هذا ونفعله، من أصاب أحسنّا إليه، فإن أخطأ عاقبناه، وقد يخطئ وهو في عمل حسن، فنعاقبه على خطئه، ونثيبه على إحسانه في الوقت نفسه، وهكذا القاعدة في تعامل الأمم فيما بينها، يعرف لها إحسانها وإساءتها، فتعامل بقدر كل شيء.

وفي الشرع: فإن النصوص أشارت إلى القواعد التي يتعامل بموجبها مع خطايا البشر، وهي:

-
 القاعدة الأولى: أن يعامل الناس بالعدل؛ وذلك بأن يثاب الإنسان والأمم على إحسانها بالنعم، وتعاقب على إساءتها بالعقوبات، فيجتمع فيها كلا الأمرين، وهذه معاملة العدل تعم المسلمين والكافرين.

-
 القاعدة الثانية: أن يعامل الناس بالإمهال؛ وذلك بأن يجعل الله تعالى للعصاة: خصوصا الكافرين. النعم في هذه الدنيا، ويقلّبهم فيها، لكن ذلك لا يمنع من عقوبتهم في بعض الأحيان بكوارث: عظة وعبرة.

وآية ذلك قوم فرعون، كانوا في النعيم العظيم، قال تعالى:
-
 
{ ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون}.
- { كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين }.

لكن ذلك النعيم لم يكن خالصا، بل خالطه العذاب والعقوبة، قال تعالى:
-
 
{وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون}.
- { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم آيات مفصلات}.

هذا مع كونهم في الآخرة من الخاسرين، لكن ذلك لم يمنع من متاعهم في الدنيا، قال تعالى:
-
{ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.

وكذا ما حصل لكفار مكة، قال تعالى:
-
 
{ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون* أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.

فإذا بطلت المقدمة بطلت النتيجة إذن.


الشبهة الثانية:
أن الزلزال ظاهر كونية طبيعة محضة ثابتة، لا علاقة لها بأحوال الناس.
فهذه الشبهة مبنية على رفض العلاقة بين الظواهر الكونية، وأحوال الناس، فهي من مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأولى: الزلزال ظاهرة طبيعة ثابتة.
المقدمة الثانية: الظاهرة الطبيعة لا علاقة لها بأعمال الناس الحسنة والسيئة.

النتيجة: لا علاقة للزلزال بأعمال الناس الحسنة والسيئة.

وللجواب نقول: يسلم لكم بجزء من الأولى، ولا يسلم لكم بالجزء الآخر منها. كما لا يسلم لكم بالثانية.

فالزلزال ظاهرة طبيعة، هذا صحيح، لكن ادعاء ثبوتها، وعدم تغيرها ألبتة فيه نظر، فإن خرق الظواهر الطبيعة أمر وارد، ثابت بالوقائع والأدلة، وهاكم الأدلة:

1- النار من سنتها الإحراق، لا تكاد تتخلف، ومع ذلك تخلفت في حق إبراهيم عليه السلام: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}، هنا لماذا تخلفت هذه السنة، سنة الإحراق، فصارت بردا على إبراهيم؟ .

أليس السبب هو طاعته وإيمانه وقربه من الله تعالى؟، بلى كذلك، هذا وحدث نحوا من هذا للتابعي الجليل أبي مسلم الخولاني، ألقي في النار فكانت بردا وسلاما عليه، ألقاه فيه الأسود العنسي، فوجده قائما يصلي، (انظر: الحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، ترجمته)، فخرق السنن الكونية ليست خاصة بالأنبياء.

2- من السنن الكونية امتناع المشي على الماء بالأقدام، هذا في الأصل، لكنها انخرقت لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ومن معه في معركة القادسية، لما أرادوا عبور الماء الذي يقسم مدائن كسرى إلى شطرين، ولم تكن معهم مراكب، فدعا سعد ربه، فأجابه، فمشى الجيش كله على الماء، مع مخالفته للسنة الكونية..

3- كنا نشهد المطر في مواسم معينة، لا تكاد تتخلف، ومنذ عشر سنوات وزيادة، جفت الأبيار، ومات الزرع، وقل الثمر، والسبب: تخلف هطول المطر في تلك المواسم.. فهذه السّنة التي تعاهدها الناس وألفوها، حتى ظنوها ثابتة لا تتغير.. قد تغيرت، والسبب: ذنوب العباد.. فإن الناس في القديم لم تكن منهم المعاصي التي هي اليوم، وقد ورد في الصحيح بيان أن المطر قد يمتنع بسبب ذنوب العباد، قال صلى الله عليه وسلم:
( ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أُخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا( رواه ابن ماجة في الفتن، باب العقوبات.. صحيح ابن ماجة 1/370..

فالزلازل قد عرف أن لها أسبابا خلقها الله تعالى، كضعف القشرة الأرضية، أو حركات في باطن الأرض، فمتى وجدت هذه الأسباب وجد الزلزال.. نعم هذا صحيح.. لكن ذلك لا يمنع أبدا من تغير هذه السنة، ووقوعها في مناطق صلبة، فزلزال ذمار في اليمن وقع في منطقة صلبة القشرة، وكذا ما وقع في تركيا قبل أعوام، والأصل: أن السنة الكونية قد تتغير، وذلك بأمر الله وإرادته، يقول للشيء: كن فيكون.

هذا لإبطال دعوى: أن السنة الكونية لا تتغير بحال. بل الصحيح: أنها مضطردة. ولا يستحيل عليها التغير.
 وهي ظاهرة ثابتة في أصلها، لكن من الذي يخلق الأسباب ومسبباتها؟. أليس هو الله تعالى؟.
بلى، هو الله تعالى. هو يقدر لهذه الكوارث أن تقع مناسبة لما يقترفه يد الإنسان من سوء.
فأين امتناع أن تكون هذه الكوارث سببا لما كسبت أيدي الناس..؟!.
هذا هو الله تعالى، قدر وخلق ما شاء في الأرض والسماء، من النظام والسنن، وهو الذي أمر ونهى الناس، فإن عصوه أليس قادرا على أن يسخر هذه السنن لتكون مصيبة على العصاة؟.

ليس ذلك ممتنعا، لا عقلا ولا شرعا:
ففي حكم العقل: أن صاحب الملك إذا عُصي له أن ينتقم. والله تعالى مالك الملك، فإذا عُصي هل يمتنع عليه الانتقام، ولو بنقض السنة التي سنها.. ؟!.

وفي حكم الشرع يقول تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.

كذلك: لا يسلم لهم بالمقدمة الثانية: بأنها محضة، لا علاقة لها بما يفعل الناس من حسنات وسيئات.

كلا، بل هي للعبرة والعظة، وأمور يعلمها الله تعالى، فما خلق الله تعالى شيئا، ولا قدره إلا لحكمة، وحصر الحكمة والعلة في الظواهر الطبيعة، من تغير في سير الأرض، ومواقع الجزر والقارات: تحكم بغير دليل.

بل الدليل دل على أن الحكمة من حصول هذه الكوارث مرتبطة بالإنسان، الذي خلقه الله تعالى في هذه الأرض، وسخر له ما فيها:
{هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها }.
{ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه}.

فما يحدث في الأرض إنما للإنسان منه أكبر النصيب، فعزله عن أحداث الأرض: عظة وانتفاعا. عزل له عن علاقته بالأرض ذاتها، وهذا باطل، ولا دليل عليه.

وإذا انتفت المقدمتان انتفت النتيجة إذن.

الشبهة الثالثة: إذا كانت الزلازل عقوبات، فلم يصاب بها المسلمون والكافرون على حد سواء؟.

هذه الشبهة مبنية على استحالة وقوع العقوبة ذاتها على المسلمين والكافرين، فهي مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأولى: لا تقع العقوبة ذاتها على المسلمين والكافرين.
المقدمة الثانية: الزلزال يقع على المسلمين والكافرين.

النتيجة: الزلزال ليس بعقوبة، بل ظاهرة طبيعية محضة.

وللإجابة نقول: إذا أثبتنا بطلان المقدمة الأولى تهاوت النتيجة، والمقدمة باطلة عقلا وشرعا، وبيان ذلك:

أن العقوبات جزاء المعاصي، والمعصية حاصلة من المسلم، ومن باب أولى الكافر، وهذه حقيقة، فليس المسلم بسالم من الخطايا، فإذا ثبت وقوع المعصية من المسلم، وتبين أن العقوبات سببها المعاصي، لم يمتنع أن يقع على المسلمين من العقوبات، مثل ما يقع على الكافرين، وهذا الجهاد يقع فيه على المسلمين من الألم ما يقع على الكافرين، كما قال تعالى:
- {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون}.
- {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس}.

وبذلك تبطل المقدمة، وببطلانها تبطل النتيجة إذن.

والشبهة أتت من جهة: أنه كيف يعذب المؤمنين، كما يعذب الكافرين، فما فضل المؤمنين حينئذ؟.

ونقول:  أن هناك فرقا بين ما يصيب المؤمن وما يصيب الكافر من عقوبات: فالمؤمن إذا أصيب بعقوبة عامة كزلزال، أو خاصة كمرض ونحوه، فذلك:
- 
إما أن يكون ابتلاء لرفعة درجته في الدارين.
- 
وإما أن يكون تكفيرا لخطاياه لينجو من النار.. 

أما الكافر فإذا أصيب بعقوبة فليس ابتلاء ولا تكفيرا:
- 
لأنه ليس من أهل الجنة فيبتلى لترتفع درجته.
-  ولا هو ناج من النار لتكون في حقه تكفيرا.

بل ما يصيب الكافر إنما هو عظة وعبرة له لعله يتقي، أو انتقام منه جزاء جرمه، كما قال تعالى:
- {وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون}.
- { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين}.

***

وقد كان محصل كلامهم أن الزلازل ليست بعقوبة..!!.
ويرد على هذا أن العقوبة هي: "الألم، سواء كان نفسيا أو حسيا". فذهاب الأنفس والأموال لا شك أنه عذاب، والزلازل عذاب وعقوبة... إذ فيها الألم، من فجيعة، وهلاك نفس وذهاب مال.

فإذا ثبت أن الزلازل عقوبة، ثبت أنها متعلقة بالذنوب وبغضب الله تعالى، يؤكد هذا ويبينه أن القرآن جزم بالعلاقة التامة بين العقوبات وبين الذنوب، فقال تعالى:
- { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
-  { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}..

فهذه النصوص واضحة الدلالة على: أن المصائب، وهي العقوبات التي تحل بالإنسان، سواء كانت فردية أو جماعية، سببها ما اكتسبت يد الإنسان؛ وكسب الإنسان إما طاعة وإما معصية، ولا ريب أن المصائب ليست بسبب الطاعة، فلم يبق إلا أنها بسبب المعصية ولا بد.

أليست الزلازل من المصائب التي تصيب الإنسان، بما فيها من ألم نفسي وبدني ومالي؟..

أوليس الله تعالى قد حكم بأن المصائب إنما بسبب ذنوب الإنسان؟..


إذن الزلازل بسبب الذنوب... وهذا واضح من النصوص ...

وبهذا يتبين علاقة الكوارث ومنها الزلازل بالذنوب، مما يتوجب على العباد التوبة إلى الله تعالى، الاتعاظ بهذه الحوادث، فما وقعت إلا لتنبيه الناس وتحذيرهم، ولنحذر أن نكون كقوم فرعون، أرسل الله عليهم الآيات والعقوبات ليتقوا فما انتفعوا فانتقم منهم،  قال تعالى:
-
 
{فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين}.

ولنحذر أن نكون من الذين لا ينتفعون بالآيات والنذر، كما قال تعالى:
-
 
{ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}.

فإن شيئا من المعاصي التي كان عليها السياح في شواطئ المحيط الهندي موجودة في شواطئ: الخليج، والبحر الأحمر، والأبيض المتوسط. وقد ضرب قبل خمسة أعوام الساحل التركي بزلزال، فقتل ثمانين ألفا، وقبله خليج العقبة، فعم منطقة تبوك حتى المدينة، ومن قبل جنوب الجزيرة، في منطقة ذمار، فالمجاهرة بالمنكرات جرم عظيم، وأعظم منه صرف الناس عن الانتفاع بهذه الموعظة، والتلبيس على الناس، برد الأسباب إلى أسباب طبيعية محضة، والسعي بين الناس وبين أن يفهموا هذه العبرة، فإن هذا إضلال لهم، وقد توعد الله تعالى الذي يضلون الناس بعقوبة لم يتوعد بمثلها غيرهم، فقال:
- {ومن الناس من يجادل في الله بغير ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد}.

فعلى المسلمين أن يتقوا الله، ويتواصوا بالحق والصبر، ويدافعوا المنكرات، ولا يسكتوا، فإن هذا هو الضمان الوحيد لسلامتهم ونجاتهم، كما قال تعالى:
-
 
{فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}.

وفي ختام هذه الذكرى، أذكر بقوله تعالى:
{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبل فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدلله رب العالمين}.

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية