اطبع هذه الصفحة


تهديد الدولة لا تهديد النظام

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
@khojah10


بسم الله الرحمن الرحيم


بلغ السخط من الأنظمة الحاكمة حدا بات معه كثير من الإصلاحيين - ومنهم إسلاميون - يطمعون في سقوطها ولو بعون القوى الاستعمارية الصليبية؛ الأمريكية كما في الحالة العراقية في إسقاط صدام، أو الفرنسية البريطانية - والنيتو أيضا - كما في الحالة الليبية في إسقاط القذافي، دون معرفة أو تقدير المآلات والنتائج، فمن الحقائق: أن الحركات الإسلامية كحركة الإخوان المسلمين لم يكن لديها أية خطط أو استعداد لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، غاية ما في الأمر: إزاحة الرئيس بأية وسيلة كانت، ثم النظر بعد ذلك في خطة المرحلة التالية، كما لوحظ هذا في تصريحات أقطاب الثورة اليمنية، وكأن استبدال الرئيس كاستبدال سائق حافلة! وغاب عن هؤلاء: أن هؤلاء الرؤساء كانوا قد بنوا لأنفسهم ولاءات متعددة كبرى، محصنين مواقعهم من المحاسبة. وقد كانوا على معرفة كاملة بكيفية ربط الدولة بكياناتهم الشخصية، بما يعني: انهيار الدولة مع سقوطهم. كما غاب عن هذه الحركات: أن القوى الاستعمارية الصهيونية لا تقيم وزنا لأحلافها من الأنظمة، مهما بدت طيعة، وأن لها غرضا استراتيجيا هو: القضاء على المكونات الأساسية للدولة المكينة، وهي: الحدود الواسعة، والاقتصاد المستقر، والجيش القوي، والعقيدة الراسخة، والثقل السكاني. فلا تزال تحيك مؤامراتها للأنظمة الحليفة لإسقاطها، كما فعلت بحليفها الرئيس المصري السابق حسني مبارك؛ حيث إنها سخرت مؤسساتها الاجتماعية، لترتيب الثورة، والتواصلية لإنجاحها، وما كان لها النجاح بدون ذلك. وكلما كانت الدولة مكينة فهي هدف لخطط الإضعاف والتقسيم؛ لضمان ألا يكون لديها أية قدرة لمعارضة خطط العولمة، والتغريب، ونهب الثروات. كما هو الحال في الدويلات، التي ليس لها أيا من مكونات الدولة المكينة. في حالة الدولة المصرية مثلا: هو حليف للغرب، لكن امتلاكه للمكونات الأساسية أمر يقلق الغرب، وقد فرغ للتو من القضاء على الدولة العراقية، وساهم في القضاء على الدولة السورية بفاعلية، فهو يخطط الآن لإسقاط الدولة المصرية، وهذا ظاهر في الحصار الاقتصادي غير المبرر. وفيما بعد ذلك: السعودية، وإعادة الكرة في تركيا. حتى لا تبقى دولة عربية إسلامية بمعنى الدولة الحقيقية. فالمستهدف هو الدولة لا الأنظمة. وحينما تمكن الغرب من تقاسم التركة العثمانية، ظهرت اتفاقية سايكس بيكو فقسم الشام والعراق، وقسم المغرب العربي، ولم يكن له خيارات أخرى، فاضطر للقبول بدول إسلامية ذات حدود ومساحات كبيرة، كان مجرد التقسيم مطلبا في ذلك الحين، مع ضمان ولاء الأنظمة؛ إما بالتنصيب، أو بالمعاهدات، لكن الأيام والأحداث كشفت: أن الإسلام يرقد تحت رماد يتوقد جمرا، وأن الدول المكينة هي التي لديها القدرة على رعايته، وكشف الغطاء عنه، إما عن طريق الشعوب، أو تغير وجهات الأنظمة. فوضعت خططا استعمارية جديدة؛ تمثلت في حصار الدول المكينة، فصار الهدف المرحلي؛ بناء شرق أوسط جديد، من خلال ما سمي ب: الفوضى الخلاقة. تلك المصطلحات التي أطلقتها وزير الخارجية الأمريكية الأسبق كوندليزا رايس. وعماد الخطة: بث الفوضى السياسية والأمنية، والأداة لذلك: المظاهرات الجماهيرية. ثم استغلال هذا الاختلال السياسي، وضعف النخب السياسية الجدد لتمرير فكرة التقسيم وتحقيقه في الواقع، لتغدو الدول دويلات. فهذا المشروع الضار يمشي إلى نتائجه بسعي حثيث، فالفوضى اليوم عارمة في: العراق، وسوريا، وليبيا. وبدرجة أقل في: مصر، وتونس. وثمة دول قد قسمت: السودان. وأخرى في طريقها: اليمن، وسوريا، ومصر. إن كل سعي في عمل يفضي لتحقيق هذين الهدفين الاستعماري، هو خدمة مجانية تقدم للأمم الصهوينية الاستعمارية. فليس من الحكمة ولا السياسة محاولة ضرب شيء من مكونات الدولة - كالاقتصاد أو الجيش - انتقاما من نظام انقلابي أو استبدادي، كما ليس من ذلك العمل على إسقاط نظام تسقط الدولة بسقوطه، فنحن بين نظام علماني فاسد مستبد، وفوضى وقتل وتشريد، وفئات خائنة انتهازية جاهزة للقفز والاستحواذ على الغنيمة كما حصل في العراق، وكاد أن يكون في اليمن. ومن المهم حكمة وسياسة: التفريق بين النظام والدولة، فمكونات الدولة ملك للجميع، وإن استحوذ عليها طغمة فاسدة، فهذه ليست منقولة بل ثابتة لا تقبل النقل، إلا بزوال الدولة وإسقاطها؛ لذا يجب ألا تكون محل مساومة، ولا وسيلة انتقام، ولا غرضا لخصومة، ومن ثم فلا يسوغ أبدا محاولات الضرب فيها، أو إضعافها، أو ربطها بالنظام، وكأنهما صنوان، كلا، فما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وذلك الزبد يذهب جفاءً.

https://telegram.me/lkhojah

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية