اطبع هذه الصفحة


تسونامي.. دور التجار والموسرين

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

 
- شماتة، أم رحمة..؟!

عندما بين أهل العلم والنصح العبرة من زلزال تسونامي، ودللوا على أنه ما من مصيبة تنزل إلا بذنب، ولا ترفع إلا بتوبة.

اعترض معترض بأن هذا الكلام نوع من الشماتة، وأن هذا الظرف ليس محل التأنيب والمعاتبة..!!.

ولك أن تعجب من هذا الفهم، وهذه الدعوى..؟!!.

في معركة أحد، أمر النبي صلى عليه وسلم الرماة أن يلزموا مكانهم على الجبل، فلا يبرحوه، ولو تخطفهم الطير، فلما رأوا إدبار المشركين، تركوا مواقعهم، ونزلوا يبتغون جمع الغنائم، فالتف المشركون فأخذوا مواقعهم، فرشقوهم بالنبال حتى نالهم من الهزيمة ما نالهم، فالتفت المسلمون يسألون عن سبب الهزيمة، وقد كانوا من النصر قاب قوسين أو أدنى، فأنزل الله عليهم الآيات التالية:
-
{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم}.

فبين لهم أن المصيبة التي حلت بهم، كانت بسبب من أنفسهم، عندما خالفوا الأمر النبوي..

وفي معركة حنين: اغتر بعض المسلمين بكثرتهم، وفرحوا بها، وركنوا إليها، فكان ذلك قدحا في التوكل على الله تعالى، فكان أن باغتهم العدو حتى نال منهم، فتأخروا، وولوا مدبرين، فتساءلوا عن سبب الهزيمة، فأنزل الله تعالى قوله:

-
{لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين}.

فهل كان بيان سبب هزيمتهم في المرتين شماتة؟.. هل كان الله تعالى يشمت بعباده المؤمنين؟..

كلا، وحاشا، فالله أرحم بعباده من أنفسهم، لكن الرحمة لا تنافي بيان علة المصيبة، كما أن رحمة الطبيب وشفقته بالمريض لا تنافي بيانه علة مرضه، وآثاره.

فمجرد بيان العلة والأسباب التي تفضي لمثل هذه الكوارث ليست بشماتة، بل هي رحمة وشفقة، وعظة ونصيحة، كي يتجنبوا هم ومن كان مثلهم في الذنب والخطيئة: أن يصيبهم مثل ما أصابهم.

الشماتة معروفة، والشامتون معروفون، إنهم لن يكونوا ناصحين، بل يفرحون بما يصيب غيرهم، ويتمنونه، أما الناصح المصلح فإنه لا يفرح، بل يحزن، بل يبكي ويتلوى من الألم، ولا ينام من القلق، جراء ما يصيب إخوانه، وإذا وعظهم ونهاهم عن المعصية، وبين أنها أسباب هذه المصائب والكوارث، فإنه لا يفعل ذلك إلا خوفا من تكرار المصيبة عليهم أو على غيرهم ممن هم واقعون في الذنب نفسه:

-
{ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود}.

-
{وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد}.

فمن وعظ ونصح، وخوف من المعاصي، وأرجع أسباب المصائب التي تقع إليها: فهو متبع ومقلد للنهج القرآني. فليس عليه لوم فيما صنع بأي وجه، بل اللوم على من يعطل العبرة من هذا الحدث.

***

- ما ذنب الأبرياء؟!.

قال بعضهم:

- إذا كانت تسونامي عقوبة على ذنوب وخطايا، فما ذنب الأطفال، وقد قتل منهم الألوف؟.
- وقد كان الضحايا أكثرهم من المسلمين، فلم يعاقب الله تعالى أهل دينه، لأجل ذنوب غيرهم؟.
- بل ما شأن المساجد، وقد هدم أكثرها، وهي بيوت الله؟.

وهذا جواب قولهم: فقد ذكر القرآن هلاك أقوام: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وغيرهم. ونص على أن الهلاك عم جميع المكذبين، وقد كان لهؤلاء المكذبين أطفالا صغارا، هلكوا مع آبائهم:

- فالطوفان أغرق قوم نوح، فلم ينج إلا أصحاب السفينة، والذين لم يركبوا السفينة أكثر، لأن الله تعالى قال: {وما آمن معه إلا قليل}، وهؤلاء كان معهم أبناءهم من الذكور والإناث، أولئك الأبرياء، ومقطوع أنهم ماتوا في الطوفان.

- ولما جاء العارض مستقبل أودية عاد قوم هود: دمر كل شيء فيها، فلم تبق إلا المساكن، كما قال تعالى: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين}.

وهكذا سائر الأقوام الهالكة، هلك معهم أطفالهم، ودوابهم، وطيورهم، وكل شيء، إذ لم يكن في قدرة الأنبياء فصلهم، وتمييزهم.. لكن ألم يكن ذلك في قدرة الله تعالى؟.

بلى في قدرته ذلك، وهو القادر على كل شيء، لكنه لم يفعل لحكمة، فهي عظة للمصابين ولغيرهم:

فالذنب شؤم كبير، كالنار، يأكل كل شيء في طريقه، فالنار لا تحرق من أضرمها فحسب، بل كل من تعرض لها، وشؤم الذنب يأخذ البريء والمجرم، فأما المجرم فأمره معلوم، وأما البريء:

- فإما أن يكون قادرا على الإنكار فلا يفعل، خنوعا، ولا مبالاة، فيعاقب جراء سكوته على المنكر.

- وإما يكون عاجزا، كطفل، أو امرأة، أو شيخ، أو ضعيف، فيكون موته رحمة له، لأن الموت ليس شرا على المؤمن، بل هو خير؛ إذ يفضي إلى ربه، الذي هو أرحم به من نفسه، وقد أعد له من الثواب في الجنة، والنزل الكريم، ما يتمنى أن لو تعجل بموته، والله تعالى يقول: {والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون}. والطفل إذا مات في مثل هذه الكوارث فهو خير له، فإن مآله إلى الجنة، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، لما ثبت في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأنه يموت على الفطرة، ولأبويه المؤمنين الجنة إذا صبرا، واحتسبا، وأولاد المشركين كذلك إذا ماتوا فهم في الجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنهم قال: (وأولاد المشركين في الجنة).

***

- ما مصير الساكتين؟.

ومن العظة في موت الأبرياء في هذه الكوارث: أن الناس إذا رأوا كيف أن العذاب يعم الجميع حتى المسلمين، عرفوا أنهم ليسوا بمنأى منه بمجرد اجتنابهم للمعصية، بل لا يسلموا من عموم العذاب، إلا إذا كانوا أمارين بالمعروف ونهائين عن المنكر، فيحمل ذلك المفرط والمتكاسل إلى المبادرة بهذه الشعيرة العظيمة، وقد دلت النصوص على أن السكوت على المنكر ذنب تستحق به الأمة العقوبة جمعاء، قال تعالى:

-
{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب}، فذكر أن الفتنة لاتنحصر في الظالمين خاصة، بل تعم غيرهم، إذا كانوا متواطئين سكوتا ورضا.

-
{فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون}، فقد ذكر نجاة الناهين عن السوء، ولم يذكر الساكتين، فاحتمل هلاكهم.

-
{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}، فدل على أن انتفاء وجود المصلحين، لاالصالحين، سبب في الهلاك لعموم القرى.

- وحديث السفينة معروف، فإنهم إن تركوا من أراد خرق السفينة: هلكوا جميعا. فما ذنب لم يخرق؟، ذنبه أنه ترك هذا يخرق، ولم يأخذ على يده..!!.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا). البخاري.

- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). الترمذي

- وقال: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) أبو داود.

فهذا جواب من تساءل: كيف يعذب عباده المسلمين، أهل دينه الذي ارتضاه، لأجل ذنوب غيرهم؟.

فإنه ما عذبهم إلا لأنهم أعانوا، أو سكتوا، وأما من كان بريئا من كل ذلك، كالأطفال والنساء، فموته راحة له، فما عند الله خير له، وعبرة وعظة لغيره ممن خلف، فعاش ولم يمت.

- ومثل هذا التقرير لا يفهمه، ولا يؤمن به إلا مؤمن، تربى على معاني القرآن..!!.

***

أما المساجد، فلم يضمن الله تعالى لعباده أن تبقى فلا تسقط، ولا تهدم، وهذه الكعبة المعظمة المحرمة، قد ضربت بالمنجنيق بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، وسرق حجرها الأسود، فغاب عن موضعه مدة اثنين وعشرين عاما، أخذه القرامطة الباطنية إلى الأحساء عام 317هـ، فما أعيد إلا عام 339هـ، والكعبة نفسها ستنقض على يد ذي السويقتين، رجل حبشي، ينقضها حجرا حجرا.

فإذا كان هذا حصل بالكعبة، فالمساجد ليست بأعظم منها..!!.

المساجد يبنيها المسلمون، وكما بنيت بقدر وسبب، تسقط بقدر وسبب، بل سقوطها فيه تخويف للعباد، إذ هي إشارة إلى عظم شؤم المعصية، حيث يمتد إلى بيوت الله تعالى، فيلحق بها الضرر والدمار.

ثم إن المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة من المسجد، ومن الكعبة نفسها، فهلاكه وقتله أكبر، ومع ذلك فقد لحقه ما لحقه من العقوبة، فإذا لم يعصم من الهلاك، فالمساجد من باب أولى.

- دور التجار والموسرين..!!.
قد فهمنا العبرة من هذه الحادثة، والمقصود:

أن الله تعالى يذكر عباده أن يتقوه، فلا يجاهروا بمعاصيهم، ولا يسكتوا على منكرات بين أظهرهم.

وقد أتت الخطوة التالية: وهي جانب العون، فأكثر المتضررين هم من المسلمين، وقد زالت قراهم، فوق ما فقدوا من مصادرهم في الرزق، وزيادة على موت أقربائهم، فهي مصيبة كبيرة من كل وجه، وهنا على المسلمين أن يبادروا بأنفسهم، وأموالهم، ودعواتهم لعون إخوانهم في الدين.

وقد علم أن منظمات تنصيرية كثيرة تسارعت إلى المناطق المنكوبة، وهي تسعى في التبشير بالنصرانية، واستغلال هذا الظرف الصعب، ولا يجوز على المسلمين أن يتقاعسوا، أو يتأخروا، وهم يملكون الثروات الطائلة، فيتركوا إخوانهم عرضة وفريسة الجوع، والحيرة، والتشكيك في دينهم.

وقد كان للتجار الدور الأكبر في دخول الإسلام تلك البلدان، منذ قرون خلت، وها قد عاد الزمان ليجدد دورهم، لكن هذه المرة ليس في دخول الإسلام إليها، بل في الحفاظ على إسلام أهلها، ليكونوا خلفا صالحا لسلف صالح.. على التجار ورجال المال استغلال هذا الظرف ليزكوا أموالهم، وينموها بالخير، فأبواب البر الموصلة إلى الجنة قد فتحت لهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

- ( اتقوا النار، ولو بشق تمرة ) متفق عليه.

- وقال أبو سعيد الخدري: بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له)، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. مسلم.

ولا يكفي التاجر وصاحب المال أن يتبرع، فوضع المال في جهة موثوقة، يعرف أنها توصل المال إلى محله، وتصرفه في مستحقيه: أمر مطلوب. والأفضل أن يباشر بنفسه، ويجعلها سياحة لوجه الله تعالى.

وفي توزيع التبرعات ينبغي ترك التمييز بين المسلمين، بسبب: مذهب، أو معتقد، أو طريقة. فكل من له الإسلام الظاهر، فله حق في العون، فهذه فرصة للدعوة والإصلاح، كما هي فرصة للعون والمساعدة.

كذلك إعطاء غير المسلمين قسطا وبرا: أمر مشروع، فيه ثواب، وباب للدعوة إلى الإسلام، ومثل هذا الظرف إذا لم يستغل في حمل الإسلام إلى الناس، فمتى يكون؟!.

وإلى كل من سعى في شأن عون هؤلاء المسلمين: نسأل الله تعالى له البركة والقبول. نطلب المزيد من جميع المسلمين، فإنفاقهم في هذا الباب خير لهم من الإنفاق في كثير من المباحات، وكثير من المظاهر، يقول الله:

-
{ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية