اطبع هذه الصفحة


النعت الأعظم

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

 
تقوم فلسفة الوسطية على: فكرة عامة، ذات ثلاثة اتجاهات:

- اتجاهان طرفان، فقدا جميع الخصائص الإيجابية للفكرة، أو جلها، وجمعا الخصائص السلبية منها.

- واتجاه وسط بينهما، أخذ جميع الخصائص الإيجابية للفكرة، وترك السلبية منها.[1]

ومنه يتضح أن الوسط والطرفين جميعا يستظلون تحت فكرة واحدة، والفرق بينها في المواقع:

- فالوسط اتخذ المكان الملائم، هو: المنتصف من كل الخطوط. واستظل بالفكرة من العمق، مكنه ذلك من رؤية جميع الجهات والأطراف بوضوح تام واعتدال، وأتاح له التحكم الأفضل، والاختيار الأحسن.

- وأما الطرفان فاتخذا أمكنة بعيدة، على الأحرف، فهما يستظلان الفكرة من أطرافها، وبذلك هما في خطر الخروج، والدخول في غيرها، كالذي بين الظل والشمس، وهو مقعد الشيطان[2].

وما أشبه الوسطية بالواقف على لوح من الخشب المستطيل المنصوب فوق عجلة، فإن أراد التوازن فعليه التوجه نحو الوسط، وأي خطأ في الحساب، في أي من الاتجاهين، ينتج فقدان التوازن ومن ثم السقوط.

والسائرون على الحبال، يحملون في أيديهم عصا طويلة، من وسطها، تعينهم على التوازن وعدم السقوط.
والخيام تنصب على الأعمدة، وأهمها العمود الوسط، المتميز في: حجمه، وشكله، وطوله، ومكانه.
فالوسط في كل شيء هو نقطة التوازن والاعتدال، وبه يكون الثبوت، وبه يجتنب السقوط.

ويحكى أن نملة وقعت في حلقة ملتهبة، فكانت كلما اتجهت ناحية أخذها لهيب النار، فجعلت تختبر كل اتجاه، فحيثما شعرت بالحرارة وهي تتقدم، تراجعت إلى الوراء، وإذا ما شعرت بالحرارة وهي تتأخر تقدمت، وما زالت كذلك من كل اتجاه، حتى استقر بها المقام في أبرد نقطة، هي أبعدها عن حرارة اللهب من كل اتجاه..كانت تلك هي نقطة الوسط.

تلك هي سنة الله تعالى الكونية، فالوسط هو العدل، في كل شيء، والطرف هو الجور، في كل شيء.

روى الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، قال: (عدلا).[3]

ولله تعالى سنة أخرى هي: السنة الشرعية. {ألا له الخلق والأمر}، وهي شريعته وأمره. أحكامها تجري وفق قانون الوسط، كما في السنة الكونية تماما، ففيها تحريض على تحري الوسط في كل شيء:

- قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}[4].
- وفي أثر منقطع مرسل: (خير الأمور أوساطها).

وأبلغ من ذلك: جعل الوسط صفة الأمة. في قوله تعالى:
- قال تعالى:
{وكذلك جعلناكم أمة وسطا}.

فالوسط نعت الأمة الأعظم، وشعارها الأكبر، ولم يأت في النصوص وسط بين من و من، بل أطلق أن هذا الدين وسط، وأهله وسط، فصار هو المقياس للاتزان والتوازن، والارتكاز ونقطة الجمع، فكل ما خرج عنه فهو طرف، وبتعبير القرآن: {على حرف}، وهذه قاعدة كلية عامة.

فحين نزول الوحي إلى انقطاعه لم يكن ثمة تطرف مؤسس في شكل فرقة أو مذهب، إلا أفراد لم يجدوا معينا على الغلو، كالمتبتلين، فتابوا واستقاموا، ثم لما ظهرت الملل والمذاهب المتطرفة، أي التي بعدت عن الوسط، صار أهل العلم والإيمان يقولون: أهل السنة والجماعة وسط بين فرقة كذا وكذا، في القضية الفلانية.

فأعملوا قاعدة: "كل ما خرج عن نصوص الكتاب والسنة فهو طرف". فحموا روح الدين وشريعته.

فلولا أن النصوص الشرعية تؤسس للوسط، وتبني أمة وسطا، لما بقيت وسطية في الأمة، بعدما ظهرت وانتشرت الفرق والمذاهب الجانحة، فكان من نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن جعل شريعتها وسطا، وحفظ لها هذه الشريعة:
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، ليحفظ لها وسطيتها، فلا تضيع بين المحدثات.

وفي كل زمان لا بد من جماعة وطائفة ملتزمة محافظة على هذا الأصل الكبير، ولن تزول أبدا إلا عند قرب الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين). وتلك بشرى لجميع أهل الإسلام، بحفظ دينهم الوسط، كما هو دون تحريف، وبوجود طائفة تعمل به، وتعلو به ظاهرة على غيرها.

سؤالات حول الوسطية:

1- قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، كيف هي شهادة الأمة على الناس، والنبي على الأمة، وما علاقة الشهادة بالوسطية؟.

2- أين الوسطية؟، ومن يمثلها، في هذا الواقع الإسلامي، حيث المسلمون متفرقون، كل يدعي أنه الوسط والمقياس؟، وما علامة الوسطية؟، وهل في النصوص تحديد للعلامة، وتحديد لمن يمثل الوسطية؟.

3- هل الوسطية تتفق مع الدعوة إلى السلام العالمي، والتعايش السلمي بين الأديان؟.. وكيف يمكن تحقيق الوسطية في التعامل مع المخالفين في الملة، والمخالفين في السنة؟.

4- هل من الوسطية إلغاء مصطلحات: الإيمان، والكفر.. والولاء والبراء.. والسنة والبدعة..وحجاب المرأة.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..والجهاد. بأحكامها ومعانيها؟.

5- هل من الوسطية اعتقاد أن الحق واحد غير متعدد؟.. وأين موقع الوسطية في المذهب الذي يقرر أن الحقيقة نسبية متعددة، ولا حقيقة مطلقة؟.

6- هل التطرف إلى ناحية يبرر التطرف إلى الناحية المضادة؟.. وهل يمكن القضاء على التطرف بالوسطية وحدها، من دون الحاجة إلى تطرف مضاد؟.. وهل ثمة فرق في هذا بين حكم الشريعة وقوانين النفس؟.


------------------------------
[1] - الوسط يمثل من كل شيء: نقطة المنتصف. فهو إذن من الشيء، وموقعه الوسط، وبمثل هذا قال أهل اللغة:
- قال ابن فارس: "الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنصف. وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه. قال تعالى: {أمة وسطا}" [في معجم مقاييس اللغة (6/18)].
- وفي لسان العرب (15/294): " {ومن الناس من يعبد الله على حرف}، أي على شك، فهو على طرف من دينه، غير متوسط فيه ولا متمكن، فلما كان وسط الشيء أفضله وأعدله: جاز أن يقع صفة. ومثل ذلك قوله تعالى وتقدس: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، أي عدلاً. فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه، وأنه اسم لما بين طرفي الشيء، وهو منه".

[2] - قال ابن الأثير [النهاية 5/184]: "(خير الأمور أوساطها): في هذا الحديث كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان، فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم، وتجنبه بالتعري منه، والبعد منه، فكلما ازداد منه بعدا، ازداد منه تعريا، وأبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسطهما، هو غاية البعد منهما، فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف بقدر الإمكان". ملحوظة: عند قوله: "تعريا" حصل تصحيف في لسان العرب (15/296) حيث كتب "تقربا".

[3] - قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، أي أمة عدلا، لتشهدوا للأنبياء على أممهم، إذا ادعوا أن أنبياءهم ما بلغوهم، كما في الأثر، وليشهد بعضكم على بعض بعد الموت بالخير والشر: (من أثنيتم عليه خيرا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) [رواه مسلم]، في هذه الآية دليل صحة الإجماع، ووجوب الحكم به، لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس، فكل عصر شهيد على من بعده. ذكره القرطبي [2/156].

[4] - قال ابن الأثير [النهاية 5/184]: "سميت الصلاة الوسطى، لأنها أفضل الصلاة، وأعظمها أجرا، ولذا خصت بالمحافظة عليها".

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية