اطبع هذه الصفحة


توظيف السعوديات خادمات!!.

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

 
تناقلت الصحف خبر توظيف السعوديات خادمات..!!. [انظر: الشرق الأوسط10437]
وعلى الأثر تذكرت: نصا قرآنيا، وموقفا متناقضا.
فأما النص فقول الله تعالى لأزواج النبي خطابا، ولسائر النساء حكما: {وقرن في بيوتكن}.
وأما التناقض فموقف الذين كانوا يعارضون عمل المرأة في بيتها، يحتقرون: الطبخ، والتنظيف، وتربية الأطفال. ثم هاهم يعودون بها إلى العمل ذاته، وفي البيت.. لكن في بيوت الآخرين ؟!!!.

* * *

هذا النص على جلالته، وبرهانه، وصراحته: أعرضوا عنه، فلما وجدوا له تأويلا أولوه..!!. وتأويلهم: أن الخطاب خاص بأمهات المؤمنين لا سائر النساء. ؟!!!.

وهذا أمر لم يقل به إلا المعاصرون، لم يعرف كقول عند المتقدمين من المفسرين وغيرهم. وهو كذلك قول من لم يقرأ القرآن، أو قرأه وغفل عن معانيه، أو أعرض عن الفهم: سهوا، أو قصدا؛ فإن من يقرأ مستهديا لا يجد فيه هذا الفهم المحدث.
فالله تعالى يقول: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك..}. فهل هذا خاص به صلى الله عليه وسلم، فيحل لسائر المسلمين أن يحلوا ما حرم الله عليهم ؟!.
وهو تعالى يقول: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}. فهل هذا خاص بالأمهات: ألا يتبرجن. فيحل لسائر المسلمات أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى؟!.
لا يقول بهذا أحد.. ولأجله لم يقل العلماء: إن الحكم خاص، لأن الخطاب خاص.

فالخطاب على نوعين: عام، وخاص.
فالعام، مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا}، {يا أيها الناس}. فهذا حكمه عام.
والخاص مثل ما تقدم. فحكمه عام كذلك لما تقدم، ولا يكون خاصا إلا إذا ورد خطاب ثانٍ يخصصه، كما في حديث أبي بردة بن نيار: ذبح قبل الصلاة في الأضحى، وموضع الذبح بعد الصلاة:
- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أبدلها. فقال: يا رسول الله!، ليس عندي إلا جذعة. فقال: اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك). متفق عليه

فقد ذبح جذعا، وهو غير مجزئ؛ لأن المجزئ هو الثني من الإبل، والبقر، والغنم فما فوقها، إلا الضأن فيجوز الجذع منه خاصة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن). [مسلم]، والذي أذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة خاصة: ذبح جذعة من المعز. فكانت له خاصة.
هكذا يكون التخصيص؛ بخطاب آخر.. لا بالخطاب نفسه.

وهكذا يفهم القرآن.. وهكذا فهم العلماء آية القرار، فقال القرطبي في تفسير الآية:
- "وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى".
ويشهد على عموم الحكم سائر النساء: نصوص أخرى. فهي كما قال القرطبي في الموضع نفسه:
- "الشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة".

وهذه بعضها:
1- عن أم حميد الساعدي أنها جاءت إلى النبي فقالت: ( يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي) ، رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما، انظر: صحيح الترغيب والترهيب للألباني 338.
2- وفي حديث آخر: ( ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة) رواه الطبراني في الكبير، انظر: صحيح الترغيب والترهيب 345.
3- قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها) صحيح الترمذي 936، إلى قوله: (... استشرفها الشيطان)، وابن خزيمة في صحيحه رقم 1685، قال الألباني: إسناده صحيح.

وعلى هذا موقف الصحابة رضوان الله عليهم:
فهذا ابن مسعود يقول: ( النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته.. وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين ؟.. فتقول: أعود مريضا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد. وما عبدت المرأة ربها، مثل أن تعبده في بيتها". رواه الطبراني. انظر: صحيح الترغيب137
فذاك قول ربنا، ثم قول نبينا.. وهذا قول أصحابه.. فهل بين قولهم اختلاف؟.
{ قل ءأنتم أعلم أم الله ؟}.
 

* * *


دعاة التحرير يحتجون دوما بخروج المرأة للجهاد والسوق والحج.. إلخ.!!.
وهذا تدليس وتلبيس، فليس هذا هو محل الخلاف والاعتراض، إنما هو: في قلب أحكام الشريعة في المرأة، وقلب أوضاع المجتمع القائمة على الشريعة ؟!.

فإن الأصل في حكم الشريعة للمرأة: أن تقر في بيتها. فتخرج إذ تخرج للضرورة؛ كالجهاد، وقضاء الحاجات الضرورية.

ولأن هذا هو الأصل: وَجدتَ عدد الخارجات إلى الجهاد معدودات، لا يتجاوزن الأصابع. وفي بعض المعارك، لا كلها، ولما كثر الرجال استغنوا عن خروجهن، فلم يخرجن في تبوك، ولا مؤتة..
فبالنظر إلى النصوص السابقة، وبالنظر إلى قلة خروج المرأة في العهد النبي، وعدم مساواتها بالرجل في هذا الميدان: علمنا أن الأصل هو قرارها في البيت، والاستثناء هو خروجها.

أما دعاة تحرير المرأة، فإنهم يبتغون قلب هذا الأصل؛ وإليك الدليل:
1- إنهم يساوون بين الرجل والمرأة في حق الخروج من البيت.
2- إنهم يجعلون القاعدة القارة في بيتها رجعية متخلفة.
3- إنهم يدفعون بها إلى أعمال رجالية مختلطة.
4- إنهم يدعون كافة الفتيات إلى الخروج للعمل.

هذا هو محل النزاع في مسألة خروج المرأة، لا مجرد خروجها، لكنهم يصورون موقف الرافضين: أنه منع مطلق في كل الحالات. وهذا تدليس وتشويه متعمد؟!!..
كحالهم في تصوير الرفض لعمل المرأة: أنه منع مطلق. وهم أول من يعلم: أنه منع من العمل المختلط.

* * *

من كان يتصور هذه النهاية، أو قل بداية النهاية: المرأة السعودية خادمة في المنازل..؟!!!!.
لا عجب، ففي بدايات التحرر لم يتصور الرجل، ولا حتى المرأة في مصر، أو الشام، أو المغرب: أن تصبح ابنته أو أخته خادمة في المنازل، بعد أن كانت ملكة في بيتها..!!..

سموها: مديرة منازل.!!. وسواء سميت "مديرة منزل"، أو "فخامة الرئيسة التنفيذية للمهام المنزلية" فهي في الحقيقة خادمة في بيوت الناس.؟!!. ونقف هنا لنسأل عن موقفين متناقضين:
تحقير عمل المرأة في بيتها.. ثم تعظيم عملها في بيوت الآخرين كخادمة..!!. كيف يجتمعان ؟!!.

إنها معادلة صعبة لمن لم يفهم حقيقة دعوة التحرر. لكنها منسجمة عند من رصد الهدف، وركب كل وسيلة للبلوغ.. فإذا كان خروجها يحقق: تغيير صورة المجتمع، أو حصول الاستمتاع بها، أو تحصيل مكاسب اقتصادية لقلة أجرها، أو كل ذلك مجتمعا: فلتخرج إذن، مهما كانت المواقف متناقضة.

وفي هذه المرحلة الصعبة: يأتي دور ولي أمر المرأة. {قوا أنفسكم وأهليكم نارا..}.

أعظم ضامن من هذا المنزلق، وما هو أسوأ منه: العودة إلى شريعة القرار في البيت. بالمفهوم السابق: أن يكون القرار الأصل، والخروج استثناء. ثم الحجاب مكمل الضمان.. لكن إذا نجح المؤلون في قصر الحكم على الأزواج، ونجحوا في ترسيخ وشرعنة الاختلاط.. فلا تسأل أين ستعمل المرأة بعد ذلك ؟.
 

* * *

 

د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية