اطبع هذه الصفحة


سلسة تنمية الذات (4)

تاريخك من صنع أفكارك !!

مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي

 
يقول أبو القاسم الشابي :

إذ الشعب يوماً أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر
إذا ما طمحت إلى غاية *** ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن يتهيّب صعود الجبال *** يعش أبداً بين الحفر

ليسمح لي أبو القاسم الشابي هذا المساء أن أسطو على كلمة الشعب في مقطوعته فأحذفها من قاموسها ، وأدون مكانها : " الإنسان " ليكون البيت :

إذا الإنسان يوماً أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر .

وعذراً أيها الشابي فإن الشعوب لا يمكن أن تريد الحياة أو تطمح فيها ، أو تهفوا إلى معانيها الحقيقية وأفرادها دون إرادة أو عزيمة

إذا الإنسان يوماً أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر

نعم إذا أراد الإنسان الحياة على حقيقتها ، وأراد أن يتذوّق طعم السعادة فيها ، وتشوّف لتلك الحياة التي عاشها الأفذاذ فعليه أن يؤمن إيماناً صادقاً أن الحياة تجربة فذة .. لكن للناجحين ، للمؤملين ، للذين يقهرون شهواتهم ، ويكتبون أيامهم عبر مساحة هذه الحياة الرائعة .

الإنسان يا أيها الشابي هو عنصر الحياة وزخرفها ورونقها وجمالها الحقيقي ، متى ما أدرك هذه الأسرار حوّل الحياة الجاثمة على قلوب أصحابها إلى أحلام الفوز والنصر في أنظار المتبصرين لها ، الحالمين في أوقاتها .

الإنسان يا أيها الشابي هو روح الكون ، وبذرة الحياة الرائعة ، وسر من أسرار جماله وكماله وآثاره الإنسان يا أيها الشابي هو ذلك كله ، هو الحياة بكامل معانيها ، والروح في عميق أسرارها !!

حين يتحرر هذا الإنسان أيها الشابي ، ويخرج من قيود الوهن ، ويحرر نفسه من آثار الوهنين المثبطين يعيش العالم كله بكل ما فيه في أزهى معانيه .

ليت شعري !! من يعرف هذا الإنسان الذي أناظر فيه الشابي هذا المساء ، إنه أنت الذي تقرأ أسطر هذه الصفحات ، أنت الماثل بين يدي أسطري ، أتظن أنك شيئاً تافهاً ! أو مخلوقاً حقيراً ! أو مجرد جسد يشغل حيّزاً على وجه الأرض ! كلا ! أركل هذا الوهم ، قم ! قف على قدميك ! أصحو من نومك ! أنزع عنك ثياب الوهن ! تجرّد من كل معاني الوضيعة .. ! قم ! وارفع يديك للناس كلهم ، وقل لهم : ها أنذا ، عدت من جديد ، ولدت اليوم ، فحياتي بدأت تاريخها الجديد من هذه الساعة ، بل من هذه الدقيقة ، بل هذه الثواني التي تقرأ فيها أنت مقالتي هذه ، هي الثواني التي كتبت حياتي بصورة أروع ، وحياة أمثل !

إذا قام الإنسان أيها الشابي فلا بد أن يستجيب القدر ، ويسلّم ، بل يرضى لأنه لم يُعرف في تاريخ البشر كله أن القدر وقف حجر عثرة في طريق الناجحين المتفائلين ، إنما هو وهم يبذره الوهن ، ويكتب أسطره العجز ، ويدوّن آثاره الخوف والوجل .

إذا قام الإنسان أيها الشابي كتب لليل المظلم في حياته ، المدلهم في تاريخه أن ينقشع ، وأن يذهب من غير رجعة ، وأن يغادر لا عودة له بعد ذلك البتة .

إذا قام الإنسان أيها الشابي فالقيود التي أثقلت أقدام المرضى والمتعبين لا بد لها أن تنكسر لأن حديدها مع قوته لا بد أن تفتّته الإراده الصلبة ، وتوهنه الإرادة القوية ، وتوهن قوته المعاني السامية تلك التي تدفع بالمرء إلى عالم لا يتخيله إلا الحالمين بالنجاح .

إذا قام الإنسان أيها الشابي لم يبال بالخطر الذي يركبه ، والموت الذي يواجهه ، والخوف الذي يتلقاه ، تبقى تلك المعاني كلها مجرد أوهام ساذجة لا معنى لها على مسرح الحياة الحقيقية .

هكذا أنت أيها الإنسان ، أنت الذي تقرأ أسطري هذه اللحظات ، وتجوب في رحاب كلمتي في هذه الدقائق ، أنت قادر على أن تكتب لنفسك معنى حراً آخر غير الذي تعيشه ، واعلم يا أيها الإنسان إن لم تؤثّر فيك كلماتي ، ولم ترحل بك إلى المعاني العظام ، ولم تلهب قلبك لتصوير حياتك بمعناها الحقيقي فلا غرابة لأن :
من يتهيّب صعود الجبال ... يعش أبداً بين الحفر

 

مشعل الفلاحي
  • الكتب والبحوث
  • رسائل موسمية
  • رسائل
  • تنمية الذات
  • للتواصل مع الشيخ
  • الصفحة الرئيسية