اطبع هذه الصفحة


ألا شاهت الوجوه

مشعل عبدالعزيز الفلاحي

 
الأنبياء في كل أمة من الأمم هم قادتها ورسلها وأمناء الوحي في مابين الأمة وبين الله - تعالى -، يكفيهم شرفاً أن الله اختارهم للرسالة، واصطفاهم لهذه الأمة، وأمنهم على وحيه. فكان لهم شرف البلاغ، وهداية الناس. أفضل الأنبياء على الإطلاق نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي. قال - عليه الصلاة والسلام - مبيناً ذلك: إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية: فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون: هلا وُضِعَت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين. وقال - صلى الله عليه وسلم -: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون. رفع الله - تعالى -ذكره وأعلى شأنه قال - تعالى -: (ورفعنا لك ذكرك) قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. وكان من فضله وشرفه أن جعل الله - تعالى -محبته واجبة على هذه الأمة. روى عنه ذلك أنس - رضي الله عنه - فقال قال - صلى الله عليه وسلم -: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. وتحدث عبد الله بن هشام فقال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر يا رسول الله: لأنت أحب إلىّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي فقال - صلى الله عليه وسلم -: الآن يا عمر. ورحم الله ابن القيم حين قال: وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. اهـ

هذه بعض فضائل وخصائص ذلك النبي العظيم - صلى الله عليه وسلم -، وفي سيرته جوانب من العظمة يستحيل أن تأتي عليها أسطر كهذه. ندوّن هذه الأسطر اليوم بعد إن صُوّر- عليه الصلاة والسلام - في الصحف الدنمركية والنرويجية بصور تستهزئ بمقامه، وتسخر برسالته، وتعيب مواقفه، وتزري به أمام العالم كله. وهذا الحدث يصنعه الأعداء تشفياً من ذلك القدوة، وطعناً في الرسالة، واحتقاراً للمسلمين على وجه الأرض فيا لله كم هي المصيبة والعار والفضيحة أن يذبح عرض أكرم من مشى على وجه الأرض! وتسفك قيم الدين بسفك قدواته! وتعلن الحرب على ديننا من خلاف الوقوع في عرض رسولنا - صلى الله عليه وسلم -!.

أخي الحبيب: هذه الوقيعة التي دونتها الصحف جريمة عظيمة، وقف القرآن منها موقفاً صارماً، وسجل أهل العلم - رحمهم الله - تعالى -في بيان أخطارها وآثارها بياناً واضحاً جلياً. لقد قرّر الله - تعالى -في كتابه الكريم اللعنة على من آذى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً) وقال - تعالى -: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) ونقل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول بياناً في ذلك فقال: إن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله. هذا مذهب عامة أهل العلم، قال ابن المنذر - رحمه الله تعالى -: أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - القتل...اهـ وقال الخطابي - رحمه الله -: لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله.اهـ، وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المتنقّص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر. اهـ، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: كل من شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - أو تنقّصه مسلماً كان أو كافراً فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب. اهـ، وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:... فعلم أن السب جناية زائدة على الكفر... على وجه يقطع العاقل أن سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جناية لها موقع يزيد على عامة الجنايات بحيث يستحق صاحبها من العقوبة مالا يستحقه غيره وإن كان كافراً حربياً مبالغاً في محاربة المسلمين، وأن وجوب الانتصار ممن كان هذا حاله كان مؤكداً في الدين، والسعي في إهدار دمه من أفضل الأعمال وأوجبها وأحقها بالمسارعة إليه وابتغاء رضوان الله - تعالى -فيه، وأبلغ الجهاد الذي كتبه الله على عباده وفرضه عليهم. اهـ

أخي الحبيب: إن هذه الصور التي عرضها الأعداء لا يريدون منها سوى إذابة هذه الشخصية العظيمة في نفوس المسلمين، والطعن في رسالتهم، والقدح في قدوتهم، وعلينا تجاه هذه الحملة المغرضة، التي تعرّض فيها نبينا - صلى الله عليه وسلم - لأعظم القوادح أن نتخذ موقفاً حازماً نرد به على الأعداء، نرضي به ربنا - تعالى -، وننصر به نبينا - عليه الصلاة والسلام -. ومن أهم هذه المواقف ما يلي:

أولاً: تجديد قضية البراء من الكفار، إن هذا ليس بغريب على الأعداء، وقد أوضح الله - تعالى -موقفهم من الإسلام في كتابه الكريم فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال - تعالى -: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ومثل ذلك لا يستغرب من الأعداء. وعلينا أن نجدد البراء منهم، وأن نغرس ذلك منهجاً واضحاً في حياة أبنائنا. واستغلال الحدث لتعميق هذه المفاهيم في نفوس المسلمين من خلال عرض آيات القرآن الكريم، ومواقف اليهود والنصارى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السيرة. وطرح نواقض الإسلام وشرحها خاصة ما يتعلّق بالكافرين وموقف الدين منهم.

ثانياً: مراجعة استقامتنا على وفق منهج هذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، ورسم معالم الاقتداء بسيرته وسنته - صلى الله عليه وسلم - من جديد. ما أحرانا أيها الحبيب اليوم من أن نبين عن شرفنا بهذه السيرة وذلك من خلال الاقتداء الفعلي بشخصية هذا الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم -. على كل واحد منا أن يراجع تأسيه واقتدائه بهذا الرسول ليرى أين هو من معالم هذه السيرة؟ وأين أثر القدوة في حياته. وحين يرانا الأعداء في أين مكان يشرقون بهدينا، ويضيقون بتأسينا، ويأسفون على أن جددوا بيننا وبين نبينا - صلى الله عليه وسلم - الولاء.

ثالثاً: فتّش حفظك الله - تعالى -عن آثار هذا الاعتداء الآثم في قلبك؟ قلّب صفحات حياتك حين ولج أذنيك مثل هذا الخبر هل صدمت؟ أو تأثرت؟ هل قلق قلبك أن أوذي رسولك - صلى الله عليه وسلم -؟ هل فاضت عيناك بالدموع حين علمت أنه نيل من عرضه وهو في قبره؟ هل وجدت مس الألم يعصر بفؤادك؟ إنني متأكد من كل ذلك وهو أقل حب تجده في قلبك ومشاعرك لنبيك - صلى الله عليه وسلم -. وإنني أدعوك ألا تقف عند هذا. أدعوك لأن تكون رقماً مؤثراً في الحدث بالكتابة.

عن موقفك، والتعبير عن رأيك بكل الوسائل الممكنة. استنكر الحدث بكل قوة، وشارك في نصرة نبيك - صلى الله عليه وسلم - بما تستطيع. ويمكنك ذلك كله من خلال المشاركة بإرسال خطابات الشجب والاستنكار، وإعلان موقفك بكل شجاعة. وتجد بين طيات الشبكة العنكبوتية مواقع تساعدك في ذلك كله، كموقع الردادي، وصيد الفوائد، وغيرها من المواقع التي تجد فيها العناوين التي تسهم في إرسال صوتك واضحاً معبراً.

رابعاً: علينا أن نبدأ اليوم بتقليب كتب السيرة، وإعادة ترتيبها من جديد، ووضع آلية لقراءتها قراءة المتأسي بمواقفها، الباحث عن القدوة من خلالها. ويمكن لنا أن نرتّب درساً يومياً أو أسبوعياً مع أبنائنا وأسرنا داخل البيوت للتعرّف على هذه السيرة، وتعميق أثر القدوة في حياتهم جميعاً. ويمكن أن يوسّع الدور ليشمل المسجد، والمدرسة، والمنتديات، والقنوات، والإذاعات، والصحف كل حسب طاقته وقدر جهده. ولعل من أهم الكتب التي يمكن أن تبين عن هذه الجوانب: كتاب الشمائل المحمدية للترمذي أو مختصره للألباني، وكتاب الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض أو تهذيبه لصلاح الشامي، وكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لا بن القيم، وكتاب السيرة النبوية لمهدي رزق الله أو فقه السيرة للغزالي. وغير ذلك من كتب السيرة المعروفة.

خامساً: إن مما ينبغي أن نتخذ موقفاً حازماً للرد على الأعداء وذلك بالمقاطعة الاقتصادية للبضائع الدنمركية والنرويجية، واتخاذ موقفاً واضحاً تجاه صادرات هذه الدولة. وتقديم البرهان الواضح على تأثير رقم المسلمين في العالم كله. وليس هذا فحسب بل تربية أبنائنا على تعميق هذه الحرب، والمشاركة في المقاطعة.

وأخيراً: لا تنس أيها الحبيب من الدعاء لقادة هذه البلاد المباركة الذين أبانوا عن موقفهم بكل شجاعة، ورسموا منهجاً لدول العالم الإسلامي في السير على منهجهم، فإنهم والله رأساً في الخير، وأعلاماً فيه سدد الله خطوهم وبارك فيهم، وأصلح لهم دينهم وديناهم. وعليك حفظك الله - تعالى -أن تمد الشكر إلى علماء هذه البلاد والذين شاركوا في الحدث بفاعلية، وإلى قناة المجد الفضائية التي دعت لنصرة هذا النبي الكريم من أوسع الأبواب. وفتحت باباً للحدث شارك فيه العلماء، وطلاب العلم، وعامة المسلمين. سائلاً الله - تعالى -أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويرد كيد الأعداء، ويجمع شمل المسلمين. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
 

مشعل الفلاحي
  • الكتب والبحوث
  • رسائل موسمية
  • رسائل
  • تنمية الذات
  • للتواصل مع الشيخ
  • الصفحة الرئيسية