اطبع هذه الصفحة


التربية في الحج
(1) تحقيق التوحيد

مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي

 
يظل المقصود الأعظم  من العبادات تربية الإنسان على العبودية الحقة ، والنهوض بالإنسان إلى الغاية المثلى منه كخليفة على وجه الأرض حتى يتحقق منه الإعمار الأمثل للأرض . وهذه الغاية تاهت في حياة الناس اليوم فلم تسترعي طلاب العلم والكبار في أحيان كثيرة فكيف بالعامة والدهماء من الناس ؟ ! والأمة اليوم في حاجة إلى إبراز هذه الجوانب في أوامر الشرع ونواهيه حتى يتعبّد الإنسان ربه على بصيرة ، وهذا ما جعل علم مقاصد الشريعة ضرورياً في بناء الإنسان  ومهماً في تصحيح مقصده .  
إن الحج من هذه العبادات التي شرعها الله تعالى لمقاصد عظيمة وغايات كبيرة ، والجهل بهذه الغايات حوّل مع كل أسف هذه العبادة إلى اقتتال وربما إزهاق أرواح ، وذهبت مقاصد الحج وآثاره من حياة كثير من المتعبدين . والله المستعان .

ورغبة في إبراز هذا الجانب ، وإعادة وهجه في قلوب المتعبدين لله تعالى بهذه الفريضة ، وعبادة الله تعالى على بصيرة تأتي هذه الأسطر ، وهي مشاركة في رسم معالم هذا المنهج أو إبرازه ووضوحه في معالم هذه الفريضة :

أولاً : تحقيق التوحيد
إن أعظم مقصود للعبادات جملة تحقيق التوحيد ، فلا يمكن أن تستقيم عبادة من العبادات وهي خالية خاوية من هذا المعنى .
إن التوحيد هو الغاية العظمى وهو رأس الأمر وعموده وذروة سنامه ، وإذا وجد ما يعارض هذه الغاية في أي عبادة فهي هباء في يوم عاصف من الريح ، ولهذا كان ما يخالط العبادة من الرياء مؤذن بفسادها وزوال آثارها لضياع التوحيد في أصلها ذلك لأن هناك عواراً في الأصل وخطأ في البداية .
إن مشاهد التوحيد في الحج كثيرة يأتي على رأسها التلبية " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك " والممعن في هذه الكلمات يجد آثارها في تحقيق هذا الأمر والتذكير به .
إن معنى " لبيك اللهم لبيك " أي إجيبك إجابة بعد إجابة ، وأنا مقيم على طاعتك ، ففيها التصريح بنبذ ما يخالف حقيقة التوحيد " لبيك لا شريك لك لبيك " ولعظمة هذه الكلمة وأثرها ومعانيها العظام قال صلى الله عليه وسلم " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال " [1] وقال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه " كنّا نصرخ بها صراخاً "[2]، وفي حديث سهل بن سعد قال صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا"[3].
إن الحاج وهو يصدح بهذا المعنى في الفجاج والطرقات ، ويظل يصدح بهذا الكلمات من إحرامه إلى رميه الجمار كافٍ في تحقيق تلك الكلمة لآثارها في قلبه وسلوكه .
ويتكرر مشهد التوحيد والعناية به في هذه الفريضة والتأكيد عليه في مشاهد أخرى من هذه الفريضة العظيمة ، يبدو ذلك في الركعتين التي يركعهما الحاج خلف المقام بعد نهاية الطواف حيث ورد في السنة أن المصلي يقرأ في هذا الموضع سورتي الإخلاص ، قل هو الله أحد ، والكافرون ، وهي ذاتها التي يقرأ بها في سنة الفجر ، وسنة المغرب . وإذا أردت أن تعرف مشاهد السورة وما تتركه في قلب المؤمن الحي فتأمل في آياتها لا ترى فيها إلا معلم التوحيد فحسب .. إنه مشهد آخر من مشاهد التأكيد على هذه الغاية الكبيرة في الحج .
ويتكرر مشهد التوحيد ثالثة في الدعاء على الصفا والمروة حين يردد الحاج ما أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم " لا إله إلا الله وحد لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده " وأنت ترى التأكيد على هذه المسألة ، وغرس كلماتها ومعانيها وآثارها في نفس كل مسلم على أرض مكة في فريضة الحج . ومثل ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم في دعاء عرفة " خير ما قلت أنا والنبيون من بعدي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " .
بل ذات المعنى تجده في كل أعمال الحج صغيرها وكبيرها لا فرق ، وحين تتأمّل هذه القضية لا تكاد تغيب في مشهد الحج من خروج الإنسان من بيته إلى طواف الوداع مما يعطيك دلالة كبيرة على عظمة التوحيد في الحج .
إن هذه الدلالة مجتمعة تدلك بإمعان على أهمية التوحيد والعقيدة في نفوس المتعبدين لله تعالى بهذه الفريضة ، وليست غاية الحج كلمات يرددها في رحاب مكة على متن المشاعر المقدسة ثم حين يترك تلك المشاعر عائداً  إلى أهله ينسلخ منها أو ينسى آثارها ، كلا .
إن التوحيد هو الكلمة التي استحوذت على عشر سنوات من عمر الرسالة المحمدية ، ولا غرابة فهي الكلمة التي يدخل بها الإنسان بوابة الإسلام العريضة ، وتحفظ ماله وعرضه ودمه من الاعتداء ، لذا كانت هي أول كلمة تعانق آذان المعرضين يومئذ " يا أيها الناس قولوا لا إله الله تفلحوا " ولو كانت كلمة مجردة من معانيها لما استجاشت قريش وألّبتهم على نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولما عرّضوا أنفسهم لإراقة الدماء .. لكن قريشاً كانت تدرك أثر الكلمة ومتانتها في حياة من يعتنقها ، إنها تعني نبذ الأصنام ، وطرح العادات ، ونبذ الأعراف الدخيلة ، إنها تعني الحقيقية القائلة : لا معبود سوى الله . وتعني في الوقت ذات قول الله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين "  
إن الأمة اليوم بحاجة إلى إعادة مضامين هذه الكلمة على بعضها وإعادة دراستها في حياتهم من جديد .
إن الدخن الذي أصاب فكر الأمة في هذه القضية قولهم أن العناية بهذه الكلمة كان في مبدأ الرسالة لأن متلقين هذه الكلمة متدنسين بالكفر ، أما اليوم فالأمر مختلف ودليل ذلك عندهم هذه المساجد ، وتلك الأمة التي تتعبّد بهذه الكلمة قولاً فترددها صباح مساء . وهذا الفهم هو جزء من الأثقال التي تنوء بها الأمة اليوم ، ولا سبيل لإخراج الأمة من تيهها الكبير إلا بتصحيح فكرها ، وإعادة نضارتها في قضية التوحيد من جديد .
إن الشيء الذي إئتلفت عليه الرسل من نوح عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم هو التوحيد فحسب وما عدا ذلك كان مختلفاً قال تعالى " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً " وهو ذات الشيء الذي وقفت الأمة الكافرة تجاهه من بداية الرسالة ورفضت الإذعان به لإدراكها أن هذه الكلمة ليست كلمة تردد في أفواه القوم ، بل كلمة لها تبعاتها وتكاليفها الكبيرة في نفوسهم . وليس أدل على ذلك من رفض أبو طالب الكلمة مع رجاء النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده وحرصه على قولها " ياعم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله "
فهل الجماهير الغفيرة اليوم التي تردد " لا إله إلا الله " عرفت معناها وتمثلت آثارها ؟ كلا ! تردد هذه الكلمة حتى في أعظم الأماكن قدسية مكة ، وفي مشاعرها بالذات ، وفي ركن من أركان الإسلام لكنها لا تدرك معناها على وجه الحقيقية .
لقد جاءت أول ما جاءت هذه الكلمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لما تمثلها أولئك المستجيبون لدعوة رسولهم صلى الله عليه وسلم نفروا بها في عالم الأرض يكتبون التاريخ ، ويسجلون بها أعظم الإنتصارات .
لقد كانت تلك الأمة بالأمس تركع للوثن والحجر وتؤله التمر ، وتقوم وجلاً رغبة ورهبة للعادات والتقاليد ، كانت أمة ظالمة جاهلة عابثه بالقيم والثوابت ، بل لا اعرفها فضلاً أن تعتنقها على وجه الحقيقية ، فلما ذاقوا هذه الكلمة وعاشوها في قلوبهم وترجمها الإسلام واقعاً تحولت تلك النفوس إلى إشعاع روحي بعد إن كانت علامة على الظلمة وطريقاً للجهل ، فسقطت الأعراف والعادات، وكسّرت الأصنام ، وذهب رجس الأوثان المتكاثرة فعادت تلك الأمة بهذه الكلمة ليس لها سوى إله واحد لا يملك النفع والضر سواه ، له الحكم وهو أسرع الحاسبين ، وعاد الواحد منهم مثالاً على المسلم الذي لا يعرف سوى الله تعالى . فهل يعي الحاج اليوم آثار هذه الكلمة التي يؤكّد الشرع على تكرارها في مشاهد الحج ..
ما فائدة لا إله إلا الله والحاج ذاته الذي يرددها يتحاكم إلى الأعراف والقوانين الوضعية وربه يقول له " إن الحكم إلا لله " ما فائدة لا إله إلا الله والحاج الذي يهتف بها اليوم ربما رأيته في يوم آخر عاكف على القبور مترنّح وسطها يسكب لها من ماء التأله ، ويصرف عليها من عرق الرهبة والخشية ؟ ما فائدة لا إله إلا الله وقائلها يكذب ويغش ويخدع ويسرق وينافق ؟  ما فائدة لا إله إلا الله وأصحابها المعلنون لها اليوم هم أنفسهم المترددون على أبواب السحرة والكهنة والعرافين ؟ ما فائدة لا إله إلا الله التي يتلفّظ بها الإنسان ثم هو ذاته حرب عليها ويسعى في تشويه صورتها بواسطة قلمه ومنصبه وجاهه ؟
إن لا إله إلا الله كلمة ذات معنى وآثار ، وترديدها اليوم في شعيرة الحج محاولة لإعادة نضارتها ليس على الألسن فحسب وإنما إعادة توهجها في القلب ، وإشعال فتيل الروح فيها من جديد في الواقع العملي .
إن على كل حاج لزاماً أن يمعن في صوته وهو يصدح بهذه الكلمة شاهدة له يوم القيامة ، ويمعن في ذات الوقت في واقعه قبل أن يقولها ، وبعد أن ينتهي من الله بها . والدرس الأوعب من الحج أن يعود الحاج إلى مقتضيات هذه الكلمة وشروطها وآثارها فيتمثلها في حقيقة نفسه فيصبح معلماً كذلك الجيل الذي شرب منها بالأمس حتى الثمالة ولم تتركه حتى عانقت به الفردوس الأعلى .
وإذا جاءت اللحظة التي يصبح فيها قول الله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " واقعاً عملياً في حياة إنسان فتلك اللحظة فقط هي لحظة لا إله إلا الله معنى وحقيقة .
والله المستعان
 

--------------------------------
[1] ـ رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني
[2] ـ رواه مسلم
[3] ـ رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني
 

مشعل الفلاحي
  • الكتب والبحوث
  • رسائل موسمية
  • رسائل
  • تنمية الذات
  • للتواصل مع الشيخ
  • الصفحة الرئيسية