اطبع هذه الصفحة


ندوة القدس داندي سكتلندا

د.مازن بن صلاح مطبقاني
‏@mazinmotabagani


بسم الله الرحمن الرحيم

 
أول ما لفت انتباهي في هذا المؤتمر هو أن مدينة القدس الإسلامية أو بيت المقدس أصبحت موضوعاً لدراسات عليا يمنح فيها درجتا الماجستير والدكتوراه؛ إذ تتمحور الدراسات حول القدس الإسلامية التي ينظر إليها المؤرخون المسلمون ليس على أنها مدينة القدس بحدودها الجغرافية المعروفة حالياً أو التي عُرفت على مر العصور، بل هي منطقة واسعة تضم مناطق تشمل: الخليل، ورام الله، والزرنوقة، وحيفا، ونابلس، والشويكة، وجماعين، وأريحا، والكرك، وسعر، والكسيفة. وهي مدينة الإسلام؛ لأن الأنبياء جميعاً كان دينهم الإسلام؛ فالدين عند الله الإسلام.
ومنذ تأسيس هذا الفرع المعرفي في معهد آل مكتوم للدراسات العربية والإسلامية وهو يستقطب إليه الطلاب، حتى بلغ عدد رسائل الماجستير والدكتوراه فيه أكثر من ثلاثين رسالة. ويسعى المعهد إلى الجمع بين دراسة الإسلام والمسلمين معاً، فلا تنفصل إحداهما عن الأخرى.
وقد أعـدّ المعهد، ممثَّلاً في مديره الدكتور عبدالفتاح العويسي ونائبه مالوري ناي Malory Nye، دراسة عن وضع الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات البريطانية، وتم تقديمها إلى الحكومة البريطانية متضمنةً عدداً من التوصيات المهمة، بل إن جزءاً من النشاط السنوي للمعهد هو عقد ندوة لمناقشة وضع هذه الدراسات وتقويمها.
وقد دأب المعهد على عقد ندوته السنوية عن بيت المقدس منذ تسع سنوات مستقطباً عدداً كبـيراً من العلماء المسلمين والغربيين البارزين في حقل الدراسات الإسلامية، ومن الذين شاركوا في المؤتمرات السابقة كلّ من: الشيخ يوسف القرضاوي، ومحمد سعيد رمضان البوطي، ووهبة الزحيلي، وكذلك عدد مـن الباحثين الغربيين، منـهـم: كارين آرمسترونج Karen Armstrong ، وكينث كراج Kenneth Cragg ، وعدد من المسؤولين البريطانيين من حزب العمال ومن البرلمان البريطاني ومن أساتذة الجامعات البريطانية والأمريكية. كما أن الحضور كانوا من ماليزيا والإمارات العربية المتحدة والأردن والمغرب والسعودية وغيرها.
وقد بحث المؤتمر في حلقاته السابقة عدداً من القضايا، منها: العلاقات الإسلامية النصرانية في بيت المقدس، وبيت المقدس في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، وتحديد مصطلح القدس الإسلامية الذي بني على العهدة العمرية التي جعلت المدينة أو المنطقة نموذجاً للتعايش بين مختلف الأديان والثقافات.
وقد خُصِّص مؤتمر هذا العام لجغرافية بيت المقدس، فكما ذكرنا سابقاً فإن معظم الباحثين يرى أن القدس إنما هي المدينة التي يحدُّها السور، ولكنها من الناحية التاريخية منطقة أوسع من ذلك؛ لذا تناول مؤتمر هذا العام بيت المقدس جغرافياً، كما بحث في مسألة البركة التي ذكرها القرآن الكريم في أكثر من آية، ومناقشة ما تعنيه كلمة (حوله) في قوله تعالى: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1].
وانطلقت أعمال المؤتمر بمحاضرة افتتاحية للدكتور خالد العويسي الذي أعدّ رسالة دكتوراه في المعهد حول جغرافية القدس قدَّم فيها كثيراً من نصوص الجغرافيين والمؤرخين المسلمين حول بيت المقدس، ومن ذلك عبارة المقدسي في (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) التي قال فيها: «وحدُّ القدس ما حول إيليا إلى أربعين ميلاً، يدخل في ذلك: القصبة ومدنها، واثنا عشر ميلاً في البحر، وصُغر، ومآب، وخمسة أميال في البادية، ومن قبل القبلة إلى ما وراء الكسيفة وما يحاذيها، ومن قبل الشمال تخوم نابلس. وهذه الأرض مباركة كما قال الله تعالى، مشجرة الجبال، زريعة السهول من غير سقي ولا أنهار، وكما قال الرجلان لموسى بن عمران: وجدنا بلداً يفيض لبناً وعسلاً». وأوضح الباحث أن حدود القدس أو بيت المقدس لا علاقة لها بالحدود الإدارية التي تعتمد على قوة الدولة التي يتبعها بيت المقدس؛ فأحياناً تتوسع تلك الحدود، وأحياناً أخرى تضيق. وشرح الباحث أن هناك اختلافات حول ما يُقصد ببيت المقدس: هل هو المدينة أم المسجد أم المنطقة؟
وأوضح كذلك أن بيت المقدس ورد في حديث الرسول [ عن أهمية فتحه، كما ورد في رسالة أبي بكر الصديق ] إلى خالد بن الوليد حينما أمره أن يتوجه إلى الشام، ومما جاء في رسالة الصديق: «لقريةٌ من قرى بيت المقدس فتحُـها أعظم من فتح إقليم في العراق».
وقد رجع الباحث إلى مؤلفات الجغرافيين المسلمين من أمثال الإصطخري وياقوت الحموي وابن حوقل وغيرهم. كما رجع إلى عدد من المفسرين، منهم مقاتل الذي ورد عنه قوله: «ولد عيسى عليه السلام في بيت المقدس»، وأورد ما قاله ابن حجر العسقلاني من ضم بيت لحم إلى بيت المقدس. كما ذكر مقاتل أن إبراهيم وإسحاق عليهما السلام طلبا أن يدفنا في بيت المقدس. كما ذكر قول أحد المؤرخين: إنه لم يُعرف من قبور الأنبياء معرفة أكيدة إلاّ قبر نبينا عليه الصلاة والسلام في المدينة وقبر إبراهيم عليه السلام في الخليل.
كما تناول الباحث عبدالله عمر من معهد آل مكتوم مسألة البركة التي خصَّ بها القرآن الكريم المسجد الأقصى وما حوله، وتلك التي خصَّ بها الله عز وجل الكعبة المشرفة والمدينة المنورة، وأوضح أن الله عز وجل وصف في القرآن الكريم البيت الحرام بأنه مبارك، وأن البركة حصلت لمكة المكرمة بدعاء إبراهيم الخليل عليه السلام، وأن البركة التي تحققت للمدينة كانت بدعاء النبي [ حين دعا الله عز وجل أن يجعل للمدينة ضعفي ما لمكة من البركة. وتناول الباحث أيضاً مسألة حدود الحرم في مكة والمدينة المنورة، وأن هذه الحدود أصبحت واضحة المعالم بتحديد الرسول [ لها فيما روي عنه [ من أنه حرَّم المدينة ما بين عَــيْـر وثَــوْر، كما أنه [ حرَّم ما بين لابَـتَــيْـها، وهما: الحرة الشرقية، والحرة الغربية. أما الباحث هيثم الرطوط من جامعة النجاح بنابلس فقد تناول العلاقة المادية الحسية بين المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى بالقدس من حيث الموقع وتصميم البناء، وخرج باستنتاجات طريفة حول التشابه الكبير بين المسجدين.
وقدم روبرت شيك Robert Schik من جامعة بامبرج بألمانيا بحثاً طريفاً حول المصطلحات الجغرافية في كتاب القاضي المسلم مجير الدين الحنبلي (أنس الجليل)، وأوضح أن المؤلف ذكر عدة مصطلحات تعني بيت المقدس، منها: بيت المقدّس، والقدس الشريف، والمسجد الأقصى. كما تناول الباحث الأماكن الأخرى التي كتب عنها مجير الدين ولها علاقة ببيت المقدس؛ مثل: الرملة، وعسقلان، وغزة. وأوضح أن مجير الدين لم يتعرَّض لشرق الأردن وعلاقته ببيت المقدس.
وقدّم مدير المعهد ومدير مركز دراسات بيت المقدس الدكتور عبدالفتاح العويسي بحثاً حول نظرية الدائرة أو نظرية البركة الدائرية التي استقاها من قول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ إلَى الْـمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، وفسَّر معنى كلمة (حوله) بأنه الشيء الذي يحيط به بصورة دائرية، وتناول علاقة المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، وأن دائرة البركة مركزها بيت المقدس ثم تتوسع الدائرة لتشمل دمشق والمدينة وإسطنبول، ورأى أن البركة تصل إلى كل نقطة في العالم، ولكنها تزداد كلما اقتربنا من المركز. كما أشار إلى أن بيت المقدس ذكر في خمس آيات من القرآن الكريم على أنه مركز البركة، وهذه الآيات مكية كلها. وسبق أن قدّم الباحث هذه النظرية في مؤتمرات سابقة، ولعله في هذا المؤتمر زاد الفكرة تطويراً وعمقاً عما قدّمه في البحوث السابقة.
وانتقد العويسي المفسِّرين القدامي؛ لأنهم لم يوضحوا بدقة معنى البركة، وإنما ذكروا مظاهرها، وهو ليس تحديداً للمعنى الحقيقي للبركة، فليست البركة فقط الزيادة والنماء، ولكن لا بد أن يكون لها معانٍ أوسع، وكأنه يقصد أن البركة تعني ما توفَّر فـي بيـت المـقـدس بعد فتـح المسلمين لها مـن تسامــح بين الأديان وتعايش كان أساسهما كتاب الأمـان الذي كتبه عمر بن الخطاب ] لسكان مدينة إيلياء، وأن المدينة بهذا الوضع تصلح أنمـوذجاً للتعايش بين مختلـف الأديان والثقافات. وأكد العويسي أنه من الصعب ترجمة كلمة البركة، واستدلَّ برأي باحث آخر من أنه مما تعارف عليه علماء اللغة أنه إن لم يمكن ترجمة كل معاني الكلمة من لغة إلى أخـرى فيمكن إبقاؤها كما هي فـي لغتها الأصلية.
وقدّم أحد الباحثين تعريفاً موسعاً عن دراسات بيت المقدس التي يُطـلق عليها في الإنجليزية Islami cjerusalem، كما تحدث عن معهد آل مكتوم للدراسات العربية والإسلامية وتأسيسه والدراسة فيه، وكذلك تحدث عن علاقة المعهد بأكاديمية البحوث الإسلامية ISRA التي أصبحت جزءاً منه.
ودار نقاش حول موضوعي البركة والمصطلح، وكان رأي أحد الباحثين أن ربط كلمة (إسلامي) بـ (القدس) في اللغة الإنجليزية؛ إذ تبدأ كلمة (القدس) بحرف صغير، مخالف لقواعد اللغة الإنجليزية؛ إذ مـن المفترض أن تبدأ أسماء الأعلام بأحرف كبيرة. وكان ردّ الدكتور العويسي (صاحب فكرة هذه الدراسات) أن القضية قضية مصطلح، وأن ربط القدس بالإسلام حدث نتيجةً لما جاء به الإسلام إلى القدس مـن روح التسامـح والتعايـش بين الأديان والثقافات، وأشار إلى أن قواعد اللغة أحياناً تجيز نحت مصطلحات وألفاظ جديدة.
وفي ختام الندوة قدِّمت جائزتان؛ إحداهما للدكتور خالد العويسي، وهي الجائزة السنوية التي تقدَّم للباحثين الشباب الذين يقدمون بحوثاً متميزة (منشورة أو مخطوطة) حول القدس الإسلامية. والجائزة الثانية للدكتور عبدالفتاح العويسي على إنجازاته في أكاديمية البحوث الإسلامية التي قام بتأسيسها ورعايتها منذ نشأتها قبل أكثر من عشر سنوات، وجهوده في تأسيس الفرع المعرفي الجديد (دراسات بيت المقدس).

الدراسات حول الإسلام والمسلمين في بريطانيا:
يهدف معهد آل مكتوم إلى عدة أمور:
- تطوير الدراسات المتعلقة بالإسلام والمسلمين وتسنُّـم مكانة قيادية في تحقيق هذا الهدف، وذلك من خلال العمل المشترك مع الجامعات والمؤسسات العلمية الأخرى.
- تعليم جيل المستقبل وتثقيفه على المستوى المحلي والدولي في مجال الدراسات المتعلقة بالإسلام والمسلمين لتمكينهم من مواجهة التحديات والإفادة من فرصة وجودهم في عالم متعدد الثقافات.
- تشجيع الحوار الذكي لفهم الإسلام ودور المسلمين في العالم المعاصر.
- بناء جسور من الثقة والتعاون بين جـميـع المجتمعات والشعوب فـي العالـم كله.
ويرى المعهد أنه يعيش مرحلة ما بعد الاستشراق؛ أي أنه يعمل لخدمة المجتمعات من خلال فهم أعمق للأديان والثقافات المختلفة، وهو جوهر رؤية المعهد والأساس الذي قام عليه.
وتحقيقاً لهذا الهدف كلَّف المعهد كلاً من: الدكتور عبدالفتاح العويسي أستاذ كرسي دراسات بيت المقدس ونائــــب المستـشار ومدير مركـــز دراســـات القدس الإسلامية، ومارلي ناي نائب المستشار ونائب مدير المعهد وأستاذ كرسي العلاقات بين الثقافات؛ بإعداد دراسة حول الإسلام والمسلمين في الجامعات البريطانية من ناحيتي التدريس والبحوث. وقد استغرقت الدراسة أربعة أعوام، قام خلالها الباحثان بالاطلاع على برامج عدد كبير من الجامعات البريطانية، كما قاما بالاستعانة بعدد من الباحثين لجمع المادة العلمية وإجراء المقابلات الشخصية مع المسؤولين عن أقسام دراسات الشرق الأوسط أو الدراسات العربية والإسلامية، وعادةً ما كان هؤلاء رؤساء الأقسام أو مديري المعاهد، وبلغ عدد الجامعات والمعاهد التي شملها الاستطلاع ستة وثلاثين معهداً وجامعة.
ومن أبرز القضايا التي تم بحثها من خلال الاطلاع على نشاطات الجامعات التعليمية المختلفة والمقابلات الشخصية ما يأتي:
- المجالات التي تغطيها المواد الدراسية.
- الطلاب الملتحقون بهذه الدراسات.
- التمويل الخارجي لدراسة الإسلام.
- مشروعات البحوث الكبرى والاستشارات.
- شبكة الاتصالات المحلية والدولية للقسم أو المعهد.
- الطلاب البريطانيون والطلاب من الدول الأخرى (العربية والإسلامية) الدارسون في هذه البرامج. - العلاقة بين دراسة الإسلام والعلوم الأخرى.
ودار نقاش حول هذا التقرير، وكان من بين الأفكار التي قُدِّمت نقص الأساتذة في مجال دراسة الإسلام في المجالات العقدية والشرعية، وأنه من أجل أن تنجح دراسة الإسلام أو يتحقق التعايش الحقيقي بين المسلمين والمجتمع البريطاني لا بدَّ من توجيه عدد من الباحثين المسلمين، سواء البريطانيون أو القادمون من خارج بريطانيا، إلى دراسة المجتمعات الغربية؛ فالحديث يدور دائماً عن فهمهم للإسلام وليس عن فهمنا نحن لهم وللمجتمعات الغربية والتراث والفكر الغربيين.
وقد أشارت الصحف إلى صدور تقرير آخر عن (دراسة الإسلام والمسلمين) من المؤسسة الإسلامية بمدينة ليستر، وهو ما ينبغي الاطلاع عليه لمحاولة فهم الآراء المختلفة في المجتمع البريطاني حول هذا المجال المعرفي، ولا بدَّ في الوقت نفسه من أن يقوم بدراسة هذا المجال المعرفي باحثون من العالم الإسلامي لمزيد من التحليل لهذه الدراسات وتقديم الاقتراحات والأفكار ليتحقق فعلاً فهم الإسلام والمسلمين.
ولا بدَّ أن نشير إلى أن الوضع الحالي للدراسات العربية والإسلامية يميل إلى استمرار التشويه والفهم السـيئ؛ لأن الجامعات الغربية عمـوماً لا تزال تستقطب باحثين وأساتذة من العالم الإسلامي ممن لديهم فهم خاطئ عن الإسلام، أو ممن يميلون إلى النظرة العلمانية، ولا بدَّ من استقطاب علماء معتدلين يتقنون اللغات الأوروبية ويفهمون العقلية الأوروبية لتقديم فهم أصح أو أقرب إلى الإسلام وواقع الأمة الإسلامية.


 

د. مازن  مطبقاني
  • الكتب والبحوث
  • المقالات
  • مقالات حول الاستشراق
  • تقارير المؤتمرات
  • دراسات الغرب - الاستغراب
  • للتواصل مع الدكتور
  • الصفحة الرئيسية