اطبع هذه الصفحة


نموذجان للمؤتمرات العلمية في العالم العربي 1996

د.مازن بن صلاح مطبقاني
‏@mazinmotabagani


بسم الله الرحمن الرحيم


نظّم الحرس الوطني بالمملكة خلال مهرجان الجنادرية الحادي عشر ندوة كبرى بعنوان (الإسلام والغرب)، ودعي للمشاركة فيها عدد كبير من الباحثين العرب والمسلمين والأوروبيين والأمريكيين، واستمرت فعاليات الندوة أسبوعاً كاملاً تخللها عدد من النشاطات الأخرى.
وقد سعدت بحضور ندوتين سابقتين من ندوات الجنادرية إحداهما كانت حول منهج الدعوة إلى الله بالإضافة إلى الندوات الخاصة بالمسرح العربي. وقد حضرت هذه الندوة بتكليف من عمادة البحث العـلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود وإعداد تقرير علمي عن مجريات الندوات مما مكنني من التعرف عـن قرب على ندوات الحرس الوطني. وأما الندوة الأخرى فأذكر منها بعض المحاضرات مثل الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأمريكية التي قدمها الدكتور عبد العزيز السويل. وتابعت ندوات الجنادرية الأخرى من خلال الإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى. ولذلك سأعدها أحد النموذجين الذين سأتحدث عنهما في هذه المقالات.
تميزت ندوات الجنادرية بجدية الموضوعات وحسن اختيارها وجدارتها بالبحث والنقاش، كما تميز المشاركون بتنوع خلفياتهم ومشاربهم. وهذه البلاد تجعل العقيدة الإسلامية منطلقها في جميع الأمور ومنها الندوات والمؤتمرات وذلك لأن الله عز وجل قد اختار الجزيرة العربية لتكون حرماً لهذا الدين كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان)، فلا غرو أن يكون الجانب الإسلامي هو الأكثر عرضاً.
ومع ذلك فعملاً بالمنهج القرآني في سعة الأفق والحلم والحكمة في دعوة المخالفين فقد تعددت المشارب في ندوات الجنادرية عموماً. ويهمني أن أركز على الندوة الأخيرة لأنها عقدت منذ عدة أشهر ولقربها من اختصاصي العلمي وكانت بعنوان (الإسلام والغرب) فقد تحدث فيها من الأمريكيين صاموئيل هاتنقتون، ورالف برايبانتي وخالد بلانكشب، ومن الأوروبيين مراد هوفمان، ومن العرب المسلمين فهمي جدعان، وعبد الجليل التميمي، و ملحم كرم ومن المملكة أبو بكر باقادر، وعبد العزيز السويل. ومع ذلك فقد كتب أحدهم في إحدى الصحف العربية التي تصدر من بريطانيا في الأيام الأولى لانعقاد الندوة ينتقد غلبة الاتجاه الإسلامي ويرجع ذلك إلى نفوذ بعض أعضاء اللجنة الاستشارية الذين ينتسبون لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولكن الحرس الوطني كان أبعد نظراً من هؤلاء الذين لو أتيحت لهم الفرصة لاختيار من شاؤوا لما تركوا لغيرهم مكاناً أبداً والأمثلة أكثر من أن تحصى.
وكان النقاش مفتوحاً بطريقة رائعة رغم العدد الكبير الذي يحضر الندوات ورغبة الكثيرين في التعليق أو طرح الأسئلة، ولم يضق مديرو الندوات بالمداخلات أو بالأسئلة. ففي إحدى الفقرات وكـانت حول الجذور التاريخية للعلاقات بين الإسلام والغرب تحدث الدكتور عبد الجليل التميمي ويبدو أنه أخذته الحماسة في امتداح جهود الباحثين الغربيين (المستشرقين) في إبراز بعض النماذج المضيئة من التراث الإسلامي مثل ابن خلدون، ولما طلبت التعليق أشرت إلى أن الباحثين الغربيين أشادوا أكثر بالنماذج السيئة في التراث الإسلامي، وإنني راجعت دائرة المعارف الإسلامية التي يصدرها المستشرقون فوجدت التركيز على كثير من النماذج السيئة من أمثال ابن عربي والراوندي وثورة الزنج والإسماعيلية وإضفاء هالة من الأهمية على هؤلاء وإعطائهم مساحة أكبر مما يستحقون.
وتميزت ندوات الجنادرية بالاهتمام بالضيوف فبالرغم من الطابع العلمي الصارم للندوات إلاّ إن الكرم العربي الإسلامي واضح جداً في معاملة الضيوف وتحمل كافة المصروفات بل نقل الضيوف من الخارج على حساب الحرس الوطني.
وكانت التغطية الإعلامية جيدة لندوات الجنادرية لكن كان من الصعب على الجمهور في المدن الأخرى متابعة الندوات كما أشار إلى ذلك الدكتور سالم سحاب في مقالة له بأنه كان يود لو أعد برنامج يوضح الأوقات التي ستنقل فيها الندوات والمحاضرات ليتمكن المشاهدون من مشاهدتها أو تسجيلها إن لم يتمكنوا من المشاهدة في وقت عرضها. أما الندوات السابقة فحبذا لو أعطى الحرس الوطني حق توزيع تلك المحاضرات بعد طبعها في كتب، فهي ما تزال توزع عن طريق إدارة المهرجان فقد لا تصل إلى كل المهتمين بهذه الندوات.
وقد كانت ندوة الجنادرية لهذا العام فرصة لحصولي على دعوة لحضور المؤتمر العالمي الثاني حول المنهجية الغربية في دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي وتركيا في تونس. وهو النموذج الثاني الذي سأتناوله في المقالتين القادمتين. وسبب حصولي على الدعوة هو النقاش الذي دار بعد محاضرة الدكتور عبد الجليل التميمي رئيس مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات المنظمة لهذا المؤتمر. فقد أزعجه تدخلي ومناقشتي إياه في مسألة إعجابه بالمستشرقين، فأوضحت له تخصصي في دراسة كتابات المستشرقين وقيامي في العام الماضي بزيارة العديد من الجامعات الأمريكية ومراكز البحوث والمعاهد المتخصصة في الدراسات العربية والإسلامية. وكان من أسباب دعوة التميمي لي لحضور المؤتمر في تونس هو أنه يريد منّي أن أطلع على نموذج من المؤتمرات العلمية العالمية التي يعقدونها هناك لأرى مستوى المدعوين والطرح العلمي. ووعدته بالاستجابة لدعوته.
ومن العجيب أنه لولا أن منّ الله عليّ بحضور ندوات الجنادرية لما لقيت الأستاذ التميمي ولما عرفت عن المؤتمر الذي تعقده مؤسسته، وهذا من التقصير الحاصل في العلاقات الثقافية بين البلاد العربية، وكذلك يشير إلى جانب من الجوانب التي سأتحدث عنها في النموذج الثاني من المؤتمرات العلمية في العالم العربي في الأسطر القادمة.
تناولت في الأسطر السابقة ندوات الجنادرية بصفتها أحد النموذجين الذين اخترت الحديث عنهما من المؤتمرات العربية، وأوضحت مدى ما تتمتع به ندوات الجنادرية من الجمع بين الالتزام بالإسلام والحرص على قيمه ومثله وأخلاقه والتفتح على وجهات النظر الأخرى والحرص على العرض المتوازن للاتجاهات كافة بما فيها تلك التي اعترى فهمها للإسلام بعض الشوائب أو النقص أو حتى التي تعادي الإسلام بطريقة خفية بسبب الجهل أو العمد.
وأتناول فيما يأتي نموذجاً آخر لمؤتمر عقد في تونس نظمته مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالتعاون مع مؤسسة كونراد إديناور للبحث العلمي الألمانية. وكان المؤتمر بعنوان:" المؤتمر العالمي الثاني حول المنهجية الغربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي وتركيا." في الفترة من 2إلى 6 مايو 1996م الموافق 15-19 ذي الحجة 1416هـ.

شارك في المؤتمر باحثون من الدول العربية الآتية: سوريا، ولبنان، والأردن، ومصر، وتونس، والمغرب، والجزائر، والسعودية، وشارك باحثون من فرنسا وإيطاليا وروسيا وبلغاريا .وبلغ عدد البحوث التي قـدمت اثنان وثلاثون بحثاً. وأود أن أقدم أولاً بعض الملاحظات العامة حول هذا المؤتمر وأخلص في نهـاية المقالتين إلى خصائص هذا النموذج .ومن هذه الملاحظات :
1-تحدث معظم الباحثين المغاربة من تونس والجزائر والمغرب باللغة الفرنسية، وكذلك كان حوارهم وجدالهم ونقاشهم باللغة الفرنسية، وأخص من هؤلاء متخصصاً في اللغة العربية، وثانياً أستاذاً للتاريخ الإسلامي بجامعة الزيتونة، بينما تحدث الأوروبيون بلغاتهم مع أن بعضهم يجيد اللغة العربية تماماً.
2- تضمن المؤتمر حفلة غناء وطرب وقد أشار أبو القاسم سعد الله في كتابه " أفكار جامحة" (ص254)إلى أن هذه بعض المؤتمرات السابقة كانت تتضمن رقصاً شرقياً
3- تطلب مؤسسة التميمي نسخ البحوث من الباحثين ولكن ما يوزع على المشاركين هو فقط ملخصات البحوث بينما المتعارف عليه إعطاء المشاركين نسخاً كاملة من البحوث في بداية المؤتمر حتى يتسنى لهم قراءتها والتعليق عليها في أثناء الجلسات أو بعدها. بل إن الحصول على نسخة كاملة من أي بحث تعد من الأمور الصعبة جداً وكأنه سر خطير.
4- أشار أحد الباحثين إلى أن حضور المؤتمرات إنما هو لتجديد التعارف ولقاء الأصدقاء وليس لتقديم بحوث علمية جادة، وقد وصف أبو القاسم سعد الله بعض من يحضر مؤتمرات التميمي بأنهم لا يقدمون علماً بل هم من الصنف(الباير) كما أشار إلى حضور بعض الأجانب الذين لا علاقة لهم بالموضوع فقط ليطلعوا على ما يدور في مؤتمراتنا.
5-المشاركون في ندوات مؤسسة التميمي والمؤسسة التي سبقتها بإشراف الدكتور عبد الجليل التميمي هم مجموعة لا تتغير كثيراً، ومن خلال استعراض الأسماء المشاركة في المؤتمرات السابقة ومنذ أكثر من عشرين سنة نجد أنهم هم هم تقريباً.
6- يتم تسجيل جميع ما يدور في المؤتمر من بحوث ونقاشات وهو أمر يحد إلى حد كبير من حرية الباحثين في النقاش.
7-لاحظت أن رئاسة المؤتمر وهي رئاسة المؤسسة تقوم بإجراء تعديلات على البحوث عند إعدادها للنشر بطريقة تسلطية لا تتفق مع الأمانة االعلمية، وبخاصة إذا كانت لا تتفق وميول المؤسسة.

ونظراً لكثرة البحوث التي قدمت فإنني سأختار أبرز النقاط التي أثيرت في بعض هذه البحوث وما دار حولها من نقاش. فمن هذه البحوث ما قدمه رئيس المؤسسة الدكتور عبد الجليل التميمي بعنوان "همـوم الباحث العربي والتونسي بصفة خاصة والمشاريع العلمية المعطلة." تناول فيه مسألة البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية وضعف الاهتمام بهذا الجانب على مستوى العالم العربي وأكد ضرورة إعطاء أهمية ووزناً أكبر لدور البحث العلمي في منظومة التنمية الشاملة، وبالرغم من مرور أكـثر من أربعين سنة على استقلال الدول العربية فإن "المؤسسات العربية ومختلف منظماتها لم تنجح في إصدار دائرة معارف عربية واحدة للعلوم الإنسانية والاجتماعية مثلا أو دائرة معارف لتاريخ الأمة العربية على الرغم من تشكيل مئات اللجان بهذا الخصوص والتي باءت جميعها بالفشل."
ومن الملفت للانتباه أن ضعف الاهتمام بالبحث العلمي من أبرز أسباب ظاهرة خطيرة وهي هـجرة الأدمغة العربية إلى الغرب حيث إن العالِم لا يستطيع أن يواصل مشوراه العلمي دون أن تتوفر له أدوات البحث والمؤتمرات والندوات والدوريات فإن لم يجدها فإنه يبحث عنها في أي مكان من العالم.
ونبّه التميمي إلى مسألة خطيرة وهي أن فرنسا "هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي تقدم دعمها بصورة متواصلة ومكثفة سعيا منها لدعم حضورها المعرفي والبحثي." وتجدر الإشارة هنا إلى القناة الفرنسة الثانية التي تبث عدداً من الساعات لنشر الثقافة الفرنسية وما فيها من جوانب مادية وإباحية. واستغرب التميمي من عزوف المؤسسات التجارية والبنوك عن تقديم أي دعم مادي للبحث العلمي في حين أن بعض هذه المؤسسات تدعم قطاع الرياضة بالتبرعات السخية. ويعلل ذلك بقوله :"ويرجع ذلك إلى ضعف المكونات الحضارية لهذه الشخصيات(المتبرعين)."
ولفت انتباهي في محاضرة التميمي انتقاده للمؤسسات العربية التي تقدم الدعم لبناء المساجد وتعزيز الحضور الديني للجاليات الإسلامية، ويرى التميمي أن هذا الدعم يجب أن يتوجه لدعم البحث العلمي سواء في أوروبا أو في العالم العربي للدفاع عن الثوابت والقيم الحضارية العربية. ولكن ربما لا يعرف التميمي أن ثوابت الأمة العربية وقيمها هي الثوابت والقيم الحضارية الإسلامية ومنها بناء المساجد والوجود الديني، ولم يقل أحد بأن الإسلام ينحصر في المسجد بل الإسلام هو الحياة كلها: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}
قدمت فيما مضى موجزاً لمحاضرة الدكتور التميمي حول هموم البحث العلمي في العالم العربي في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وهو موضوع يستحق أن تعقد له ندوات ومؤتمرات ليس للخروج بتوصيات براقة ولكن حبذا لو اشترك في ذلك بعض المسؤولين الحكوميين لتكون التوصيات بمنزلة القرارات .
وقدم الدكتور على فهمي من مركز الدراسات العربية بالقاهرة محاضرة حول الأدوات البحثية الغربية في العلوم الاجتماعية ومدى ملاءمتها للعالم العربي، وأكد في محاضرته أن التجربة قد أثبتت عدم ملاءمة كثير من هذه الأدوات للعالم العربي. ولكن ما لم يتناوله الدكتور فهمي استخدام مناهج البحث الاجتماعي الغربي وهي التي كان يجب البحث فيها، كما إن أدوات البحث الاجتماعي لم تكن مجهولة تمـاماً لدى المسلمين فعملية المسح الاجتماعي عرفت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرفت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان يقوم بالعس ليلاً ليتفقد أحول الرعية. كما إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أرسل إلى القبائل من يقوم بإحصاء النفوس وما يملكون من ماشية وعدد ضيوفهم ليقدر لهم الأعطيات، وكانت الثقة كبيرة بين الدولة والأفراد فما كان من المتوقع أن يمتنع أحد عـن تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة. أما في عصرنا الحاضر وكما أشار الدكتور فهمي فإن من أكبر الصعوبات الحصول على المعلومات من الجمهور.
وتناول الدكتور مسعود ضاهر من الجامعة اللبنانية مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتـاون بواشنطن العاصمة فتحدث عن المركز منذ إنشائه عام 1975حتى الآن. وأشار إلى نشاطات المركـز من عقد الندوات والمحاضرات ونشر الكتب والبرامج الجامعية التي تخرج فيها ثلاثمئة دارس يحملون درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة ويعملون في القطاع الحكومي وفي الشركات. وأشاد الدكتور ضاهر بالمركز في قوله:" ويشعر الأستاذ الزائر أن نشاط هذا المركز عن الوطن العربي يعادل نشاط عدد كبير من الجامعات العربية مجتمعة." كما أشاد بحسن التنظيم في المركز. وأود أن أضيـف بأننا ينبغي أن نفيد من تجربة الغربيين في دراسة العالم الإسلامي، وليس المقصود هنا التقليد ولكن الاقتباس في التنظيم حيث إن لنا أهدافنا الخاصة التي تختلف عن أهدافهم.
وكانت محاضرة الدكتور نور الدين الصغير من قسم التاريخ بجامعة الزيتونة بعنوان "الإسلاميات التطبيقية والانثربولوجيا الدينية" دعا فيها إلى ضرورة " إثراء معارفنا بمختلف وسائل التجديد الفكري والاعتمـاد على البحوث الانثروبولوجية الدينية والمعرفية والعامة." وتناول مسألة " المقدس والمحرم" وأشار إلى بعض الشخصيات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وتجرأت على مناقشة " المقدس" (النص القرآني) و(الحديث النبوي) ومن هؤلاء ابن الراوندي وأحد خلفاء بني أمية وانتقد بعض المصطلحات الإسلامية مثل “دار الإسلام " و" دار الكفر" وأن هذا المصطلح " عشعش في أذهان المسلمين زمناً طويلاً". ورددت عليه في هذا بأن المصطلح ليس فيه ما يعيب فما ذا كان الغربيون يسمون ديار المسلمين؟ بل ما ذا يطلقون علينا حتى اليوم؟ لماذا نخجل من مصطلحاتنا؟
وقد كان ملفتاً للانتباه أن الدكتور عبد العظيم رمضان الذين يدعي أنه " يساري وتقدمي" غضب من اتهام أحد خلفاء بني أمية (الوليد بن يزيد) بأنه مزّق المصحف فقال لا يمكن أن يكون هذا صحيحـاً فالوليد يعد من العلماء. وقد أكد لي هذا أن الفطرة حتى لدى التقدمي واليساري تستيقظ أحيـاناً للدفاع عن مقدسات الأمة كما لا لاحظت قوله في أثناء غضبه من المحاضر قوله (سيدنا رسول الله)
وكان لي حديث مع الدكتور الصغير خارج قاعة المحاضرات فقلت له إنكم تريدون نزع القداسة عن القرآن الكريم والحديث الشريف فما بالكم تضفون القداسة على كلام البشر؟ماذا يفيدكم نزع القداسة عن القرآن الكريم أو الحديث الشريف؟
وقدّمت بحثاً بعنوان "منهجية التعاون العلمي بين العالم العربي والغرب :الواقع والمثال " بدأت الحديث بالبسملة وكدت أكمل بالحمد والثناء على الله عز وجل لولا أنني خفت أن يمنعوني من تقديم موضوعي. أما المحاضرة فقد أوضحت فيها الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية للتعاون العلمي الحالي. فمن الجوانب الإيجابية الاهتمام الكبير بالدراسات العربية الإسلامية في الغرب، وتوفر بعض الباحثين الغربيين الذين خرجوا على النظرات التقليدية في محاربة الإسلام والمسلمين. وكذلك من الجوانب الإيجابية وجود عدد من الأساتذة المسلمين إما من أصل أمريكي أو من العالم الإسلامي يقدمون صورة صحيحة عن الإسلام عقدية وشريعة وتاريخاً واقتصاداً00الخ. وكذلك من الإيجابيات قيام كراس للدراسات الإسلامية في الجامعـات الكبرى مثل كرسي الملك فهد في جامعة لندن (مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية) وكرسي الأمير نايف في جامعة موسكو، وكذلك السماح بإنشاء المعاهد الإسلامية ومراكز البحوث مثل معهد العـلوم العربية والإسلامية في واشنطن التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكذلك المعهد العالمي للفكر الإسلامي بهرندن بفرجينيا وكذلك المراكز الإسلامية المتعددة في الغرب والتي أسهمت المملكة إسهاماً مباركاً في الكثير منها.
أما الجوانب السلبية فتتمثل في أن كثير من الجامعات الغربية والأمريكية ما تزال تحتفي بالمتغربين من أبناء العالم الإسلامي وتوفر لهم فرص التدريس والبحث وحضور الندوات والمؤتمرات في الغرب، وتكاد الفرص تقتصر على هؤلاء، بل إن الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية احتضنت الماركسيين واليساريين العرب بعد زوال الشيوعية ــ بعضهم تلقى الماركسية في أمريكا نفسها مثل صادق جلال العظم.
وهكذا فإن من أبرز ملامح هذا النموذج -المؤتمر العالمي في تونس- عدم التوازن في عرض وجهات النظر وإن مثل هذه المجموعة تضيق بالنقد إذا وجه إليهم ، ويعدون أنهم المتنورون وأن غيرهم في ظلام وتخلف. وتلك نرجسية عجيبة فإن ما يزعمونه من التنوير وبعد الأفق أن تقبل آراءهم وتسير في ركابهم وإلاّ فإنهم مستعدون لإخراج كل ما في جعبتهم من التهم الجاهزة والشتائم ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
 

د. مازن  مطبقاني
  • الكتب والبحوث
  • المقالات
  • مقالات حول الاستشراق
  • تقارير المؤتمرات
  • دراسات الغرب - الاستغراب
  • للتواصل مع الدكتور
  • الصفحة الرئيسية