اطبع هذه الصفحة


إفشاء السلام

د. مهران ماهر عثمان

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فهذه جملة من الأحكام والآداب والتنبيهات التي تتعلق بالسلام، وقد جعلتها في المحاور التالية:

لماذا اختير هذا اللفظ للتحية؟

اختير هذا اللّفظ دون غيره لسببين:
الأول: لأنّ معناه الدعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس.
والثاني: لأنّ في تحيّة المسلمين بعضهم لبعض بهذا اللّفظ عهداً بينهم على صيانة دمائهم وأعراضهم وأموالهم.

الأمر بإفشاء السلام:

قال الله تعالى :{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61].
والذي نص عليه المفسرون في تأويل هذه الآية ثلاثة أمور:
- أن يسلم الإنسان على أخيه إذا دخل بيته.
- أن يسلم على أهل بيته إذا دخل عليهم.
- أن يسلم على عباد الله الصالحين إن كان البيت خالياً كما سيأتي بإذن الله.
وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم :«حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ». قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :«إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فشمته، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» [رواه البخاري ومسلم].
وقال :«السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم» [رواه البزار].
وعد النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام من حق الطريق، قال صلى الله عليه وسلم :«إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ». فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا؟ قَالَ :«فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا». قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ :«غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ» [البخاري ومسلم].

الترغيب في إفشاء السلام:

ورغبت النصوص في إفشاء السلام، فهذه التحية اصطفاها الله لنا في الدنيا وفي الآخرة.
أما في الدنيا فلحديث أبي أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :«خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» [متفق عليه].
وأما في الآخرة فلأن السلام تحية الملائكة للمؤمنين في الجنة، قال الله تعالى :{وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد/23، 24]،وقال :{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
وهو تحية أهل الجنة في الجنة:
قال الله عز وجل عن أهل الجنة: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} [الأحزاب:44]، وقال سبحانه وتعالى: {لاَيَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلام} [الواقعة:26]، وقال: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} [إبراهيم:23].

ولإفشاء السلام ثمرات:

منها:
أنه سبب للسلامة من الحقد وسبب لسلامة الصدر:
فعن البراء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«أفشوا السلام؛ تسلموا» [ابن حبان].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [رواه مسلم].
وفي إفشائه أجر كبير :
ثبت عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قال: السلام عليكم كتبت له عشر حسنات، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون، حسنة ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة» [رواه الطبراني].
وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«عشر». ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد فجلس، فقال :«عشرون». ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد فجلس، فقال :«ثلاثون» [ رواه أبو داود والترمذي] .
وبإفشاء السلام يغتاظ اليهود:
فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :«مَا حَسَدَتْكُمْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ» [ابن ماجة ]. وإغاظة المشركين مطلب شرعي، قال تعالى : {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] .
ويعلوا المسلمون:

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أفشوا السلام؛ كي تعلوا» [رواه الطبراني].
قال المناوي رحمه الله (2/30):" أي يرتفع شأنكم ؛ فإنكم إذا أفشيتموه تحاببتم فاجتمعت كلمتكم ، فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه . وأراد الرفعة عند الله".
وإفشاء السلام خير الأعمال:
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [رواه البخاري ومسلم].
والمعنى: أي خصال الإسلام خير؟
ورحمة الله تنال بإفشاء السلام:
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» [رواه أبو داود والترمذي]. والمعنى أطوعهم لله كما في رواية أخرى، وقال في عون المعبود:"قال الطيبي: أي أقرب الناس من المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام" [14/70].
وإفشاؤه سبب للبركة الله:
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ ؛ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ » [الترمذي].
وسبب لمغفرة الذنوب:
لقول نبينا صلى الله عليه وسلم :«إن من موجبات المغفرة بذلَ السلام ، وحسن الكلام» [الطبراني] .
وهو من موجبات الجنة أيضاً:
ففي حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يا أيها الناس، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام ؛ تدخلوا الجنة بسلام» [رواه الترمذي].
وسأل أبو شريح رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني بشيء يوجب لي الجنة. قال :«طيب الكلام ، وبذل السلام ، وإطعام الطعام» [رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه] .

التحذير من عدم البخل بالسلام:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أعجز الناس من عجز في الدعاء ، وأبخل الناس من بخل بالسلام» [رواه الطبراني في الأوسط].

حرص الصحابة على هذه السنة :

مما يبين ذلك هذه الآثار:
عن الأغر أغر مزينة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لي بجريب من تمر عند رجل من الأنصار ، فمطلني به ، فكلمت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :«اغد يا أبا بكر فخذ له تمره». فوعدني أبو بكر المسجد إذا صلينا الصبح ، فوجدته حيث وعدني ، فانطلقنا ، فكلما رأى أبا بكر رجلٌ من بعيد سلم عليه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل ؟ لا يسبقك إلى السلام أحد . فكنا إذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بالسلام قبل أن يسلم علينا [رواه الطبراني في الكبير].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفرق بيننا شجرة ، فإذا التقينا يسلم بعضنا على بعض [رواه الطبراني].
وفي موطأ مالك أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ ، قَالَ : فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سقَّاط وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ : فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنْ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ ؟ قَالَ : وَأَقُولُ اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ ، قَالَ : فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : يَا أَبَا بَطْنٍ -وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ ، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا.

السلام : آداب وأحكام

وقد أخذت كثيراً منها من الموسوعة الفقهية الكويتية، فمن هذه الأحكام والآداب:
1- أن يكون التسليم بصوت مسموع يسمعه اليقظان ولا ينزعج منه النائم، فعند مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: "كنا نرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان".
2- أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والقليل على الكثير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ». وفي لفظ: «والصغير على الكبير».
ونقل الحافظ ابن حجر عن الْمَازِرِيّ قوله : " لَوْ اِبْتَدَأَ الْمَاشِي فَسَلَّمَ عَلَى الرَّاكِب لَمْ يَمْتَنِع ؛ لأَنَّهُ مُمْتَثِل لِلأَمْرِ بِإِظْهَارِ السَّلام وَإِفْشَائِهِ ، غَيْر أَنَّ مُرَاعَاة مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث أَوْلَى ، وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى الأَمْر عَلَى سَبِيل الاسْتِحْبَاب ، وَلا يَلْزَم مِنْ تَرْك الْمُسْتَحَبّ الْكَرَاهَة ، بَلْ يَكُون خِلاف الأَوْلَى ، فَلَوْ تَرَكَ الْمَأْمُور بِالابْتِدَاءِ فَبَدَأَهُ الآخَر كَانَ الْمَأْمُور تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ وَالآخَر فَاعِلا لِلسُّنَّةِ ، إِلا إِنْ بَادَرَ فَيَكُون تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ أَيْضًا " انتهى من فتح الباري (11/17) .
3- أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه» [أبو داود].
4- أن يسلم على أهل بيته عند الدخول عليهم كما سبق.
5- عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس، فإنه مخالف للسنة، إلا إذا كان المسلَّم عليه بعيدًا فإنه يسلم بلسانه ويشير بيده ولا يكتفي بالإشارة.
جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف» [رواه الترمذي].
وإن أشار بالسلام لبعيد أو أصم فإنه يتلفظ به مع إشارته، وإن لم يسمع قوله؛ مخالفةً لمن أمرنا بمخالفتهم.
6- السلام في بداية المجلس وعند مفارقته لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة» [أبو داود والترمذي والنسائي].
وعن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال يا بني إذا كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل السلام عليكم فإنك شريكهم فيما يصيبون في ذلك المجلس [رواه الطبراني موقوفا].
وفي المسند عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«حق على من قام على جماعة أن يسلم عليهم ، وحق على من قام من مجلس أن يسلم». فقام رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم فلم يسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما أسرع ما نسي».
7- أن يسلم على الصبيان إذا لقيهم، فعند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم.
وفيه دليل على التواضع والرحمة، كما أن فيه تربية الناشئة على تعاليم الإسلام وغير ذلك من الفوائد.
8- البشاشة وطلاقة الوجه والمصافحة.
فعن البراء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» [رواه أبو داود].
وعن أنس أبن مالك رضي الله عنه قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا [رواه الطبراني] .
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر» [رواه الطبراني].
وعن قتادة رضي الله عنه قال : قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه : أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :«نعم» [رواه البخاري].
وعن أنس بن مالك قال: "كان النبي إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل الذي ينزع" [رواه الترمذيٍ].
9- الحرص على السلام بالألفاظ الواردة في السنة، وعدم الزيادة عليها أو النقصان، أو استبدالها بألفاظ أخرى (صباح الخير، أو يعطيكم العافية) والمحذور أن تكون هذه الألفاظ بديلة للسلام، أما إن سلَّم السلام الوارد في السنة ودعا بعد ذلك بما شاء فلا بأس.
10- ألا يبدأ كافراً بالسلام فإن سلم عليه أحد من أهل الكتاب قال:وعليكم.
والكلام هنا في جهتين:
الأولى: أننا لا نسلم على أهل الكتاب، ولكن يجوز لحاجة البدء بغير السلام من التحايا، كطاب صباحكم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام» [رواه مسلم].
الثانية: إذا سلّم علينا أهل الكتاب، وهنا لا يخلو حالهم معنا من أحد أمور ثلاثة ذكرها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع:
الأول : أن يقول بلفظ صريح : السام عليكم فيجاب : وعليكم .
الثاني : أن نشك هل قال : السام أو قال : السلام، فيجاب : وعليكم.
الثالث : أن يقول بلفظ صريح : السلام عليكم. فيجاب: عليكم السلام؛ لقوله تعالى : {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوه}.
فهذه الآية مع قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين :«إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»، يدلان على هذا التفصيل، وإعمال النصوص كلِّها أولى من إهمال بعضها.
قال ابن القيم رحمه الله :" فلو تحقق السامع أن الذمي قال له: " سلام عليكم " لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: " وعليك " ؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان. وقد قال تعالى: {وإذَا حيَيتُمْ بِتَحية فَحيوا بأحْسنَ مِنهْا أوْ ردوه}، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل.
ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالاقتصار على قول الراد " وعليكم " بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة رضي اللّه عنها فقال: «ألا ترينني قلتُ: وعليكم، لما قالوا: السامّ عليكم» ؟ ثم قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نطير المذكور، لا فيما يخالفه. قال تعالى: {وإذَا جاؤوكَ حيوْكَ بما لَمْ يُحيك به الله، وَيَقولُونَ في أنْفُسهِمْ لوْلاَ يُعَذبُنا الله بما نَقُولُ}، فإذا زال هذا اَلسبب وقال الكتابي: سلام عليكم ورحمة اللّه، فالعدل في التحية يقتضي أن يردّ عليه نظير سلامه، وباللّه التوفيق" [أحكام أهل الذمة 1/425].
11- سلام الرجل على المرأة والعكس:
ذكر أهل العلم أن الرجل يسلم على المرأة الأجنبية ويرد عليها السلام، وكذا المرأة تسلم على الرجل وترد عليه السلام بشرط أمن الفتنة ، وعدم المصافحة ، وترك الخضوع بالقول، فإذا لم تؤمن الفتنة ترك إلقاء السلام ورده أيضا.
سُئِلَ الإمام مَالِك هَلْ : يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ ؟ فَقَالَ : أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ (وهي العجوز) فَلا أَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلا أُحِبُّ ذَلِكَ . وعلَّل الزرقاني في شرحه على الموطأ (4/358) عدم محبة مالك لذلك : بخوف الفتنة بسماع ردها للسلام . وفي الآداب الشرعية (1/ 375) ذكر ابن مفلح أن ابن منصور قال للإمام أحمد : التسليم على النساء ؟ قال: إذا كانت عجوزاً فلا بأس به . وقال صالح -ابن الإمام أحمد- : سألت أبي يُسَلَّمُ على المرأة ؟ قال : أما الكبيرة فلا بأس ، وأما الشابة فلا تستنطق -يعني لا يطلب منها أن تتكلم برد السلام- .
وإذا كانت النساء جمعاً فيسلم عليهن الرجل . أو كان الرجال جمعاً كثيراً فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يُخَفْ عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة . روى أبو داود عن أَسْمَاء ابْنَة يَزِيدَ قالت : مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا .
12- قال صلى الله عليه وسلم «من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» [الطبراني في الأوسط].
13- ولا ينبغي أن يحب أحد القيام له عند اللقاء ، فعن معاوية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» [رواه أبو داود].
14- قال النووي رحمه الله :"إذا سلم على واحد قال سلام عليكم ، أو السلام عليكم بصيغة الجمع ، قالوا: ليتناوله وملكيه" [شرح مسلم 9/225].
15- وقال رحمه الله :" والأكمل أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، فيأتي بالواو ، فلو حذفها جاز وكان تاركا للأفضل ، ولو اقتصر على وعليكم السلام أو على عليكم السلام أجزأه ، ولو اقتصر على عليكم لم يجزه بلا خلاف ، ولو قال وعليكم بالواو ففي إجزائه وجهان لأصحابنا ، قالوا : وإذا قال المبتدى سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب مثله سلام عليكم أو السلام عليكم كان جوابا وأجزأه ، قال الله تعالى :{قالوا سلاما قال سلام}، ولكن بالألف واللام أفضل" [شرح النووي على صحيح مسلم 14/141].
16- ومن كان في صلاة فسُلم عليه رد بالإشارة .
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه، فجاءه الأنصار ، فسلموا عليه وهو يصلي ، قال: فقلت لـبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول: هكذا - وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه راوي الحديث وجعل بطنه أسفل وظهره فوق[رواه أبو داود والترمذي].
17- إذا دخل بيتا خاليا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : إذا دخل البيت غير المسكون فليقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال الحافظ : سنده حسن .
وقال مجاهد : "إذا دخلت المسجد فقل : السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". [تفسير ابن كثير 3/306].
18- ثبت عند مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم زار المقابر فسلم بقوله :«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ».
19- ولا يقال عند ابتداء السلام : عليك السلام.
ففي سنن أبى داود عنْ أَبِي جري الْهُجَيْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ :«لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» .
ويوضح المراد من هذا الحديث ابن القيم رحمه الله في [زاد المعاد 2/383] بقوله :" وقد أشكل هذا الحديث على طائفة ، وظنوه معارضا لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في السلام على الأموات بلفظ «السلام عليكم»، بتقديم السلام ، فظنوا أن قوله : «فإن عليك السلام تحية الموتى» إخبار عن المشروع ، وغلطوا في ذلك غلطا أوجب لهم ظن التعارض ، وإنما معنى قوله : «فإن عليك السلام تحية الموتى» إخبار عن الواقع ، لا المشروع ، أي : إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم :
عليكَ سلامُ الله قيسَ بن عاصمٍ ورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيسٌ هُلْـكُه هُلكَ واحدٍ ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما".
20- ومن أرسل رسالة سلم على المرسل إليه فيها ردّ القارئ بعد قراءة السلام : وعليكم السلام.
21 – ولا يقول : السلام على من اتبع الهدى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتبها إلى أهل الكتاب.
22- وإذا غلب على ظني أن المسلم عليه لن يرد فلا أترك السلام.
23- ووضع اليد على العاتق عند المقابلة والسلام مما لا حرج فيه.
24- وإذا سلم على جماعة ورد واحد أجزأ، وإن اشتركوا في ذلك أُجروا.
25- وإذا قال لك أحد : إن فلاناً يقرأ عليك السلام ، فالسنة أن تقول : عليك وعليه السلام.
26- ويسلم على الأنبياء إذا ذكرهم كما علمنا ربنا في كتابه، قال تعالى : {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} ، وقال: {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، وقال : {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}، وقال : {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}، وقال :{ وسلام على عباده الذين اصطفى}.
وإذا ذُكر نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم قال : صلى الله عليه وسلم، للآية :{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمً} [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

د. مهران ماهر
  • الخطب المنبرية
  • المقالات
  • البحوث
  • الردود
  • برامج إذاعية
  • المواعظ والدروس
  • الصفحة الرئيسية