اطبع هذه الصفحة


صفة الرحمن

د. مهران ماهر عثمان

 
بسم الله الرحمن الرحيم

صلاة التسابيح


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فإنَّ لصلاة التسابيح فضلاً عظيماً، وأجراً كبيراً، كما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه مقالة عنها أحببت أن أذكِّر بها نفسي وإخواني، سائلاً الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
 
تعريفها

صلاة التسابيح: صلاة نافلة مخصوصة اشتملت على ثلاثمائة تسبيحة.
 
دليلها

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب: «يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك؟ ألا أمنحُك؟ ألا أَحْبُوك؟ ألا أفعل بك؟ عشرَ خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك؛ أولَه وآخرَه، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سرَّه وعلانيته، عشر خصال، أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
 
من فوائد الحديث

v    بيان فضل صلاة التسابيح، وعدد ركعاتها، وتفصيل صفتها، والندب إلى تكرارها.
v    وفيه: توقيرُ العمِّ والتأدب معه.
v    وفيه: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته.
v    وفيه: أثر العبادة والذكر في محو الذنوب.
v    وفيه معنى ما قاله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
 
حكمها

للعلماء في ذلك قولان:
الأول: سنة؛ للحديث السابق.
الثاني: بدعة، وهذا قول من يضعِّف الحديث.
وليس من ريب أنَّ الحديث إذا ثبت فلا يمكن أن يقال بأنها بدعة؛ فإذا جاء الأثر بطل النظر. والسؤال: هل الحديث صحيح؟
 
تصحيح حديثها

حديث صلاة التسبيح صحَّحَه الألبانيُّ في صحيح الترغيب برقم (678)، وقال: صحيح لغيره. وقال رحمه الله –وهو يتحدث عن تقوية الأحاديث بطرقها وشواهدها ممثلاً بحديث صلاة التسابيح- : "حديث صلاة التسابيح قد تبين بعد تتبع طرقه أنه ليس له إسناد ثابت، ولكنه صحيح بمجموع طرقه، وقد صححه -أو على الأقل حسنه- جمع من الحفاظ: كالآجري، وابن منده، والخطيب، وأبي بكر السمعاني، والمنذري، وابن الصلاح، والنووي، والسبكي، وغيرهم" (الرد المفحم:1/100).
 
شرح الغريب:

أحبوك: أعطيك، والحِباءُ: العطية.
عشر خصال: أنواع الذنوب العشرة التي ذكرها في قوله: «غفر الله لك ذنبك؛ أولَه وآخرَه...». فالمعنى: ألا أعطيك ما يكفر عشرة أنواع من الذنوب؟ ولهذا جاء «عشر» منصوباً.
صغيره وكبيره: الكبيرة: ما تُوعِّد صاحبها، والصغيرة بخلافها.
 
فضلها

بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «غفر الله لك ذنبك؛ أولَه وآخرَه، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سرَّه وعلانيته». وفي رواية لأبي داود: «فإنَّك لو كنتَ أعظمَ أهلِ الأرض ذنباً غفر لك بذلك». ولابن ماجة: «فلو كانت ذنوبُك مثلَ رمل عالج غفرها الله لك». والعالج: ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض، وهو أيضاً اسم لموضع كثير الرمال.
 
وهذا التكفير للذنوب مرده إلى أمرين:
الأول:
للصلاة، فإن لها أثراً كبيراً في محو الذنوب. ففي الصحيحين عن ابن مسعود t أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله عز وجل: }وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ{ [هود/114]، فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلِّهم».
الثاني:
للتسبيح الوارد فيها، فإنَّ هذا الذكر من مكفرات الذنوب. فعن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم مر بشجرة يابسة الورق، فضربها بعصا فتناثر ورقها، فقال: «إِنَّ الحمدُ لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لتُساقطُ من ذنوبِ العبد كما تَساقَطَ وَرَقُ هذه الشجرة» رواه الترمذي.
فكيف إذا اجتمع الأمران؟
وكل حديث يدل على فضل هذا الذكر (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) لهو دليل على فضلها، ومن ذلك:
حديث سمرة بن جندب t، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا جنتكم». قالوا: يا رسول الله عدو حضر؟ قال: «لا، ولكن جنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مجنبات ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات» رواه النسائي. ومعنى مجنبات: يكون ثوابهن إلى جنب صاحبها، ومعقبات: يعود ثوابهن إليه، والباقيات الصالحات: كل ما بقي ثوابه لصاحبه فهو من الباقيات الصالحات.
وعن أبي هريرة t، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ به وهو يغرس غرساً فقال: «يا أبا هريرة ما الذي تغرس»؟ قلت: غراسا. قال: «ألا أَدُلُّك على غراس خير من هذا؟ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة» رواه ابن ماجة. ومن غرس له في الجنة غرس لابد أن يمتع به.
 
سبب تسميتها

سميت بصلاة التسبيح، أو التسابيح؛ لكثرة ما فيها من تسبيح الله تعالى.
فإذا قيل: الذكر الذي يُقال فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فلم أُطْلِق عليه التسبيح وفيه التحميد والتكبير والتهليل؟
فالجواب: أنَّ التحميد والتهليل والتكبير والذكر تسبيح.
أما التحميد فلأن الله يقول: }سبحان الذي سخَّر لنا هذا{ [الزخرف/13]. فالتسبيح فيها التحميد. والمعنى: الحمد لله الذي سخر لنا هذا.
وأما التهليل فلأنه تنزيهٌ عن الشريك، والتسبيح التنزيه.
والذكر كله تسبيح، قال الله: }فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون{ [الروم/17]، أي: اذكروا الله.
والتكبير: التعظيم، ومن سبح ربَّه فقد عظمه. ولهذا سميت بصلاة التسابيح.
 
كيفية صلاة التسابيح:

- صلاة التسابيح أربع ركعات.
- ليس في صلاة التسابيح تشهد أوسط، وإنما تُصَلَّى الركعات كلُّها مُتَّصِلة بدون تشهد في الوسط.
- يقال هذا الذكر: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) بعد قراءة الفاتحة وسورة بعدها خمس عشرة مرة، وفي الركوع عشراً، وعند الرفع منه عشراً، وفي السجدة الأولى عشراً، وفي الجلوس بين السجدتين عشراً، وفي السجدة الثانية عشراً، وبعدها قبل القيام للركعة الثانية عشراً، فهذه خمس وسبعون مرة.
- يكرر هذا الذكر بذات الطريقة في كل ركعة.
- يقال هذا الذكر في الصلاة كلِّها (300) مرة. ففي رواية الترمذي وابن ماجة: «وهي ثلاثمائة في أربع ركعات».
- يقال هذا الذكر مركباً، فليس مراداً أن يقال: سبحان الله عشراً والحمد لله عشراً... وإنما يكون التكرار من جملته (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) خمس عشرة مرة بعد القراءة، وعشراً في غير ذلك من المواطن.
- في كل ركعة نقرأ فاتحة الكتاب وسورة بعدها.
- في الركوع يقال ذكر التسابيح بعد ذكر الركوع (سبحان ربي العظيم على سبيل المثال).
- في السجود يقال ذكر التسابيح بعد ذكر السجود (سبحان ربي الأعلى على سبيل المثال).
- في الجلوس بين السجدتين يقال ذكر التسابيح بعد الذكر المخصوص لهذا الموضع، نحو: (رب اغفر لي، رب اغفر لي).
- إذا أكمل الركعة الرابعة فإنه يتشهد ثم يسلم.
- لو سها في عدد التسبيحات بنى على ما غلب عليه ظنه، وإلاَّ بنى على الأقل.
- إذا نسي التسبيحات وقد فات محلُّها جبر ذلك بسجدتي السهو قبل السلام. وقال بعض أهل العلم: يسجد للسهو ويأتي في سجود السهو بالتسبيحات التي نسيها([1])، والأول أقرب، والعلم عند الله.
 
عناية الصالحين بها

قال البيهقي رحمه الله: "وكان عبد الله بن المبارك يفعلها-صلاة التسابيح- وتداولها الصالحون بعضهم من بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع" (شعب الإيمان:1/247).
 
ما أُلِّف فيها

مما صنف فيها:
- القول الجامع النجيح في أحكام صلاة التسابيح، للشيخ/ علي السقاف رحمه الله.
- ثلاث صلوات مهجورات للشيخ/ عدنان عرعور حفظه الله.
 
شبهة وجوابها

بعض أهل العلم يرى أن من دلائل عدم ثبوتها مخالفتَها لهيئة الصلاة المعروفة؟
والجواب بالمنع والتسليم..
أما المنع فلأن هيئتها لا تخالف هيئة الصلوات؛ ففيها القيام والقراءة، والركوع، والسجود. وأما الجلسة التي تكون قبل القيام للركعة التالية فهي شبيهة بجلسة الاستراحة التي كان يفعلها نبينا صلى الله عليه وسلم.
وأما التسليم فلو سلَّمنا بذلك فإنَّ العبرة بثبوت الحديث، فما دام الحديث ثابتاً فلا يرد مثل هذا الكلام، أرأيت صلاة الجنازة هل يوجد من يقول بعدم مشروعيتها؟ فأين موافقتها لهيئة الصلوات الباقيات؟!
 
وقتها:

ليس لها وقت معين، وإنما تؤدى في أي ساعة من ليل أو نهار، سوى أوقات النهي التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رب صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
 

--------------------
[1] / ثلاث صلوات مهجورات، ط دار الراية، ص (81).

 

د. مهران ماهر
  • الخطب المنبرية
  • المقالات
  • البحوث
  • الردود
  • برامج إذاعية
  • المواعظ والدروس
  • الصفحة الرئيسية