اطبع هذه الصفحة


سلسلة طالب العلم (12)
طالبُ العلم .. والتعليم

مشاري بن سعد الشثري
@m_alshathri

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
 
كثيرًا ما يأتي ذِكرُ التعليم وفضلُه حين الحديث عن زكاةِ العلم، وفضيلةِ الإرشاد، وضرورةِ بثِّ العلم في الناس ليرتفعوا به عن حضيض الجهل .. وهذا بابٌ من الفضل جليل، لكنَّ التعليمَ مع ذلك يُعَدُّ أحد (طرق العلم للمعلم قبل المتعلم، إذا عرف كيف يصرّف مواهبه، وكيف يستزيد، وكيف يستفيد، وكيف ينفذ من قضيَّةٍ من العلمِ إلى قضيَّةٍ، وكيف يخرج من بابٍ منه إلى باب)[1].

فكما أنَّ التعليمَ أداةٌ ناقلةٌ للمعارف يُرسِل بها المعلِّم ما تلقَّاه وحصَّله إلى غيره، فهو أداةٌ لاستقبال العلم وتحصيله، وذلك أنَّ التعليم ضربٌ من التفاعل العلمي، ومن شأن التفاعل العلمي استكمالُ الصورة العلمية لمختلف الأطراف، فالمرءُ حالَ تحصيله العلمي الذاتي لا يتكشَّفُ له ما غاب عن ذهنه من العلوم حتى يشفعَ إلى ذهنِه أذهانَ غيره، فإنَّ لكلِّ ذهنٍ تركيبتَه الخاصَّةَ التي تتحكَّم في نوعِ ومستوى المعارف التي يحصِّلُها ويعالجُها، ومن هنا كان في إدارة المعرفة بين عدَّة أطرافٍ استكمالٌ للصورة العلمية المنطبعة في ذهنيَّة المحصِّل، وتوفيقٌ بين مختلف أنواع المعرفة ومستوياتها.

*****

 
والتعليمُ وإن كان معدودًا من مذاكرة العلم إلَّا أنه يمثِّل نمطًا خاصًّا من المذاكرة، وذلك أنَّ المذاكرة غالبًا ما تكون بين طرفينِ مشترِكَيِ الرُّتبةِ، ولذا كان من شرط قرين المذاكرة - كما تقدَّم في ورقة سابقة - المشاكلةُ في العلم والفهم والاهتمام، أمَّا التعليم فالأمر فيه بخلاف ذلك، فإن المعلم غالبًا ما يكون في المادَّة التي يلقيها أعلى رتبةً من المتلقِّي، وهذا يعطيه ولايةَ تقديم المعلومة وإدارةَ عرضها، فهو وإن اشترك مع تلاميذه في مداولة المعرفة ومذاكرة العلم إلا أنَّ نصيبَه في تقديمها أوفر، وهذا يضطرُّه إلى استيفاء أركان المادَّة العلمية لعرضها وتقديمها في صورة مكتملة، غيرَ أنَّ هناك مسافةً فاصلةً بين المادَّة المعدَّة والمادَّة الملقاة تمثِّلُ امتحانًا لمدى صدق اكتمال الصورة العلمية، وهي التي تجعل من التعليم مذاكرةً للعلم وذريعةً إلى لتحصيله.

ففي مَعمَلِ التحضير لمجلس التعليم يجتهد المعلِّم في استيفاء المادَّة جمعًا وتحليلًا، فإذا ما مَثَل لطلابه وتلقَّفتْه سؤالاتهم إذا بثغرات المادَّة الملقاة تتكشَّف، وهذا التكشُّف هو ما يعين على تجويد المادَّة العلمية، فهذه السؤالات الكاشفة إمدادٌ لذهن المعلم بمدادِ مجموعةِ أذهانٍ تختلف عنه في التكوين المعرفي، وطريقة التفكير، ونوع المشكلات الواردة .. والعلمُ بشِعَابِه، واختلافِ مناهجه، وتنوُّعِ أدواته، وتفاوتِ مستوى موادِّه عُسْرًا ويُسْرًا = يجعل لكل محصِّلٍ - معلمًا كان أو تلميذًا - طبيعةً علميَّةً خاصَّةً تُفارِقُ بينه وبين أقرانه ومعلِّميه، هذه المنطقة من المفارَقة هي التي تُنجِب تلك السؤالات.

وقد يُظَنُّ بادئَ الأمر أنَّ تلك الثغرات تنحصر في قصورِ جمعِ المادَّة العلميَّة، وهذا غير دقيق، فكما أن الثغرات تتناول القصور في جمع المادَّة فهي تتناول كذلك نقصَ الوعي بالمادَّة نفسها، فما يجنيه المعلِّم إذًا من تعليمه يقع في جانبين: جانبٌ يتعلَّق بقصور جمع المادَّة، وآخرُ يتعلَّق بالقصور في الوعي بالمادَّة، وأفراد ذلك لا تنحصر، فمنها: القصور في تصوُّر المادَّة، والقصور في جمعها ومنعها - ما يدخل فيها وما يخرج منها -، والقصور في إدراك أصولها ولوازمها، وغيرها كثير، فالتعليم يقدِّم للمعلم تصوُّرًا أنضجَ حول مادَّته العلمية بتجويد مكوِّناتها وملء فراغاتها.

*****

 
وها هنا أمرٌ لا بُدَّ من تثبيته، وهو أنَّ ما يجنيه المعلم من هذين الجانبين مرهونٌ بمستوى المتلقِّين، فبقدر حذقِ الطلبة، وسلامةِ تكوينهم، وتمكُّنِهم من إثارة السؤالات وتجويدها = ينتفع المعلِّم بتعليمهم ومذاكرتهم.
قال السخاوي (902هـ): (قال ثعلب: إنما يتَّسِعُ علمُ العالم بحسب حِذْقِ مَن يسأله، فيطالبه بحقائق الكلام وبمواضع النكت، لأنه إذا طالبه بحقائق الكلام احتاج إلى البحث والتنقير والنظر والفكر، فيتجدَّدُ حفظُه، وتتَّسِعُ معرفتُه، وتقوى قريحتُه)[2].
أمَّا لو كانت أذهانُ التلاميذ كالَّةً عن العمل، وسؤالاتُهم نافرةً عن معاقد المشكلات، فقلَّما ينتفع المعلِّم بتعليمهم ومذاكرتهم، ومَن غَفَلَ عن ذلك من المعلمين، أو جَزِعَ من تلقِّي سؤالات طلابه، واقتصر في تعليمهم على تلقينهم دون تثوير أذهانهم واستنطاقها = كان هو الخاسرَ الأوَّلَ.
قال الخليل (170هـ): (إذا لم تعلِّمِ الناسَ ثوابًا، فعلِّمْهم لتدرُسَ بتعليمهم علمَك، ولا تجزعْ بتفريع السؤال، فإنه ينبِّهُك على علم ما لم تعلم)[3]. وهو القائل: (اجعل تعليمَك دراسةً لك)[4].
فلم يدركْ فضلَ التعليم وعوائدَه التحصيليَّةَ مَن لم يستنطقْ بتعليمه عقولَ طلابه، ولا مَن تنكَّبَ سؤالاتِهم ولم يرفعْ بها رأسًا، بل إنَّ مِن حصافةِ المعلِّمِ استعدادَه لسؤالات طلَّابه، واستشرافَه لمشكلاتهم، لا مجرَّدَ تلقِّيها، بل ينبغي أن يكون هو السَّابقَ لهم بحسن تحضيره وإحكام إعداده، كما كان يصنع ابنُ عرفة (803هـ)، فقد حُكِيَ أنه عُوتِبَ على كثرة اجتهاده وتعبه في النظر، فقال: (كيف أنام وأنا بين أسدين: الأُبِّي بفهمه وعقله، والبُرْزُلي بحفظه ونقله؟!)[5].
فهذه القدرة المعرفيَّة لتلميذَي ابنِ عرفة هي التي قضَّت مضاجع راحته وساقته لكثرة الاجتهاد، وقد كان بوسعه أن يُلزِمَ طلابه بنمط من التعلُّم يستقلُّ فيه المعلِّمُ بإلقاء ما أعدَّه دون الْتياثِه بمشكلات طلابه، لكنه مدركٌ لعظيم أثر تلك المقدرة المعرفية التي تحلَّى بها طلابه في تجويد علمه ونظره.

ومن سادة المعلِّمين الذي كان مجلسُ تعليمهم مجلسَ مذاكرةٍ بامتياز: الإمام أبو حنيفة (150هـ)، فلم يكن درسُه تلقينيًّا، بل كان يثير المسائل، ويدير النظر فيها مع طلابه، فيسمع ما جال في عقولهم، ويُسمِعهم ما عنده، ثم يناظرهم حتى يستقروا على رأيٍ، وبهذه المذاكرة والمناظرة تخلَّق مذهبه وتكامل، وهنا لم يقتصر الأمر على مجرد فتح النوافذ لسؤالات الطلبة فإنْ أتت وإلا فلا، بل كان أبو حنيفة هو السابقَ لإنبات بذور السؤالات في عقول طلابه.
يقول الموفَّق المكي (568هـ) شارحًا ذلك بعد أن ذكر كبار أصحاب أبي حنيفة: (وضع أبو حنيفة رحمه الله مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغةً في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي مسألةً مسألةً، يُقلِّبُهُم، ويسمعُ ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا أو أكثر من ذلك حتى يستقرَّ أحدُ الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها)[6].
قال د. إحسان عباس (1424هـ): (إلى طريقة أبي حنيفة في تدريس الفقه يعود الفضل في قدح زناد الفكر لدى تلامذته وفي مقدمتهم أبو يوسف، فقد كان يشركهم في الرأي، ويستمع إليهم، ويأخذ بآرائهم إذا وجدها صائبة، ويرخي لهم العنان في المناقشة بين يديه، ويطلعهم على طريقته في القياس والاستحسان، ويعطي لهم الحرية في الاجتهاد، حتى ليمكن القول إن ما يسمى المذهب الحنفي إنما هو وليد الاحتكاك بين أفكارِ عددٍ من التلامذة النجباء يوجِّههم أستاذٌ عبقريٌّ)[7].

*****

 
ومن جليل عوائد التعليم حلُّ مشكلات المعلِّم نفسه، وقد تقدَّمت الإشارة إلى أن المعلِّم ينتفع بما يثيره الطلبة من إشكالات، فيكون ذلك حافزًا له على تجويد التحضير استعدادًا لِمَا قد يَرِدُ عليه، وكذا يحفزه لمزيدٍ من البحث والنظر إذا ورده إشكال لم يكن جوابُه حاضرًا في مجلس الدرس، فنشوء الإشكال هنا واقعٌ في ذهن الطالب.
وفي مقابل ذلك فإنِّ للتعليم أثرًا في حلِّ مشكلات المعلِّم نفسِه، بحيث يكون حَلُّ المشكلة المعرفيَّة كامنًا في مجرَّد التحدُّثِ بها وتعليمِها!
يقرِّرُ ذلك ابن القيم (751هـ) في كلامٍ مشرقٍ مبيِّنًا عوائدَ التعليم وفوائدَه للمعلِّم، فيقول: (العالمُ كلَّما بذل علمَه للناس وأنفق منه تفجَّرت ينابيعه، وازداد كثرةً وقوَّةً وظهورًا، فيكتسب بتعليمه حفظَ ما علمَه، ويحصل له به علمُ ما لم يكن عنده، وربَّما تكون المسألة في نفسه غيرَ مكشوفةٍ ولا خارجةٍ عن حيِّزِ الإشكال، فإذا تكلَّم بها وعلَّمها اتَّضحت له وأضاءت وانفتح له منها علومٌ أُخَر)[8].
 
ومن شواهد ذلك ما كتبه الفيلسوف والاقتصادي البريطاني جون ستيوارت مل (1290هـ) في سيرته الذاتية حين ذكر قصة تعلمه اللاتينية، حيث كان يتعلَّمها، ثم يشرح لشقيقته ما تعلَّمه، ثم تذهب هي إلى والدها لتكرر الدروس عليه، ثم التحق بالدرس بعض أشقائه وشقيقاته، ومع تصريحه بأن هذا الدور لم يكن يعجبه إلا أنه سجَّل شهادةً مهمَّةً في هذا السياق، حيث قال: (صرت بسبب التعليم مسؤولًا عن دروس تلامذتي بقدر ما كنت مسؤولًا عن دروسي نفسها تقريبًا، لكنني استفدت من هذا النظام فائدةً عظيمةً، لأنني صرت أدرِّس على نحوٍ أكثر اشتمالًا وأحتفظ زمنًا أطول بما كان ينبغي عليَّ تعليمُه، ولعلَّ اشتمال تلك المهمة على شرح النقاط الصعبة للآخرين كان مفيدًا لي في ذلك الوقت أيضًا)[9].

ومما يتصل بهذا الشاهد شاهدٌ آخرُ على أثر التعليم في تقحُّم مشكلات المعرفة، وهو ما كتبه جلال أمين في سيرته الذاتية حول وظيفة التدريس وأثرها في تحرير المادَّة العلمية وتجويدها، وكذا في الابتكار والإنتاج العلمي، فقد قال بعد أن عدَّد جملة من مزاياها: (أتاحت لي وظيفة التدريس مزايًا أخرى كانت ذات أهمية كبيرة لي، فقد وجدت أن أفضل طريقة لفهم المشكلة المعقَّدة أن يضطر المرء لتدريسها، إذ إن الطلبة رقباء ممتازون على درجة فهم الأستاذ لما يقول، وهذا يجبر الأستاذ – ما لم يكن نصَّابًا – على فعل المستحيل حتى يصبح قادرًا على مواجهة أي سؤال لتوضيح ما يقوم بشرحه ... تتصل بذلك ميزة أخرى، هي الابتكار والاهتداء إلى أفكار جديدة، فالمحاولة المستمرة للتعمق في الفهم استعدادًا لمواجهة التلاميذ كثيرًا ما تقود الأستاذ إلى أفكار جديدة قد يكون بعضها ذات قيمة، والحقيقة أنني مدينٌ للتدريس بكثير من مقالاتي وكتبي، فإذا كان لبعضها بعضُ النفع فهو بلا شك نابعٌ في الأصل من خوفي من أن أقول كلامًا غير مفهوم)[10].

*****

 
كان أبو الحسن الجِلاوي (782هـ) من المعلِّمينَ المبرَّزِينَ الجامعينَ لعدة علوم، وكان حريصًا على طلابه، عظيمَ العناية بهم، ومما جاء في ترجمته أنه كان (مجتهدًا في تكميل الطالب)[11] .. وهذه جملةٌ عزيزةُ الوجود، حُلْوَةُ الطعم، عَذْبةُ المذاق!
والجِلاويُّ لما كان هذا شأنه، كان عظيمَ المحبَّة للتعليم، (ويرى أنَّ التعليمَ أفضلُ من التصنيف)، وليس هذا منه تزهيدًا في آثار التصنيف وثمراته، إذ لا شكَّ أنَّ التصنيف أبقى أثرًا، والتاريخُ العلميُّ شاهدٌ على ذلك، لكني أحسِب أنه كان يريد بذلك الإشارةَ إلى أن التعليم أفضل من جهة كونه تفاعلًا علميًّا بين الطلاب والشيوخ، وهذا منتفٍ في التصنيف، والتفاعل بين الطلبة وأشياخهم يجلب لكلٍّ منهم فوائدَ ما كانت تخطر لهم على بال، ويفضي بهم إلى مسالكَ من التحقيقِ والتحريرِ ما كان لهم نوالهُا لولا أنْ دفعتْهُم إليها مجالسُ التعليم، ولهذا كان الجِلاويُّ (782هـ) مهمومًا بتكميل طلابه، فلهذه الفائدة التي اختصَّت بها مجالس التعليم كان التعليم أفضلَ من هذه الحيثيَّة.

ومَن جرَّب التعليمَ وذاقَ عوائدَه كان ضنينًا بمجالسه أن تشبَّ عن طَوْقه، عظيمَ التمُّسك بطلابه وتعليمهم، وانظر إلى أبي إسحاق إبراهيم بن فتوح (866هـ) - مفتي غرناطة، وشيخ علماء الأندلس في زمانه - كيف كان مدركًا لعظيم أثر التعليم وجليل عوائده، حتَّى قال: (لو استغنيتُ عن المعونة بالوظائف لتركتُها إلَّا وظيفة التدريس لِمَا لي فيها من الانتفاع بمذاكرة الطلبة)[12].
فكَمْ لكثيرٍ من التلاميذ من مِنَنٍ على أشياخهم بفضل توقُّدِ أذهانهم وحُسنِ سؤالاتهم.

*****

 
إذا تقرَّر ما مضى عُلِمَ أنَّ التحصيلَ بالتعليم ليس قاصرًا على الأشياخ المنتهين، بل إن لطالب العلم المتوسط نصيبَه من ذلك ما دام التعليم ذريعةً إلى التعلُّم والتحصيل، ولا حجرَ عليه في التصدُّر لذلك ما دام غرضُه تحقيقَ قدرٍ من الإفادة والاستفادة مع تأهله لما تصدَّر له، فليس الأمر إذًا حكرًا على العلماء البالغين من العلم ذروتَه.

وقد يُجابَه طالب العلم حين يبغي الـمُثُولَ للتعليم ببعضِ عباراتٍ عن السلف فيها الذمُّ للتصدر، وما فيه من سَلْب التوفيق، وأن الحَدَثَ إذا تصدَّر فاته خير كثير، وانقل ما شئتَ وراءَ ذلك ... لكن على طالب العلم ألَّا ينكسرَ أمام ذلك، فإنَّ ذمَّ التصدُّر المبكِّر وإن كان معنًى معتبرًا، وكلام السلف والعلماء حيال ذلك صحيحٌ لا غبار عليه، إذ لا شكَّ أنَّ التصدُّرَ مزلَّةُ قدم، لكن ليقرِنِ الطالبُ إلى علمه بذلك علمَه بأن الشارع لم يحظر التصدُّر المبكر، بل إنما حظر التصدُّرَ الفاقدَ لشرط الأهلية، وعلى ذلك جرت البيئات العلمية في مختلف القرون، وما يُذكر في دواوين الطلب وآداب العلم من آثارٍ دالَّةٍ على ذم التصدُّر فمعناها استعمالُ التريُّث لا حسمُ المسارعة إلى الخيرات ما توفَّر شرطُها، ونظير ذلك قول النبي ﷺ: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، فليس المرادُ به تأخيرَ المتأهلين من الصغار، كما ليس معناه تقديمَ كل ذي حلم ونهية من الكبار، بل القصد رعايةُ المقصود من أمر الشارع، وهو أن يكون للإمام من ينبهه إذا غفل ويخلفه إذا احتاج.

وعلى الطالب أن يفقه أن للتصدر مراتبَ، تمامًا كالاجتهاد، فشرعنة أصل التصدُّر لا يعني أن تبلغ هذه المشروعية بطالب العلم غاية المراتب، وكما أن الاجتهاد يتجزَّأ فكذلك القول في التصدُّر، فالتأهل للتعليم لا يعني التأهل للفتيا، والتأهل لتعليم صغار الطلاب لا يعني التأهل لتعليم كبارهم، والتأهل للكتابة لا يعني التأهل للمحاضرة، وهلم جرًّا.

ووزن طالب العلم لمرتبته يفتقر إلى جملة معطيات، من أخصِّها: مصالحةُ النفس ومكاشفتها في الخلوات، فربما رأى مَن يحيطُ بالطالب من الأشياخ أهليتَه وهو يرى خلاف ذلك، فليتريَّث .. وربما رأى مَن حوله عدم أهليَّته فليمتحن رؤاهم ولينظر في بواعثها، فإذا رآها منطقية لانَ لها وسلَّم قياده لإرشادها، ومصالحةُ النفس من أعونِ ما يديرُ به طالب العلم حالَه، فليتَّقِ الله في خطواته، ولا يجامِلْ نفسه على حساب دين الله تعالى.

ومن معطيات وزن طالب العلم مرتبتَه: شهادةُ أهل الفضل المتجرِّدين من حظوظ النفس، وكلما كان لطالب العلم مَن يسدِّد سيره ويكافحه بعيوبه كان محكَمَ المشية، واثِقَها .. قال ابن المقفع (142هـ): (على العاقل أن يُؤنِسَ ذوي الألباب بنفسه ويُجرِّئَهم عليها حتى يصيروا حَرَسًا على سمعه وبصره ورأيه، فيستنيمَ إلى ذلك، ويُريحَ له قلبَه، ويعلمَ أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غَفَلَ عن نفسه)[13].

وحاصلُ الأمر أن التعليم من أشرف مقامات التحصيل والمذاكرة العلمية، وعلى الطالب أن يأخذ بحظه منه بما يليق بمثله حسب وزنه العلمي ومرتبته المعرفية، (ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا).
 
مشاري بن سعد الشثري
2 - 4 - 1437هـ

----------------------------------
[1] آثار محمد البشير الإبراهيمي (3: 268)
[2] الجواهر والدرر (2: 697). والمتيقَّن من كلام ثعلب: (إنما يتَّسِعُ علمُ العالم بحسب حِذْقِ مَن يسأله)، والأشبه فيما بعده أنه من تعليق السخاوي، والله أعلم.
[3] جامع بيان العلم وفضله (1: 321).
[4] جامع بيان العلم وفضله (1: 426).
[5] كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج للتنبكتي (2: 125).
[6] مناقب أبي حنيفة (2: 133-143).
[7] بحوث ودراسات في الأدب والتاريخ (1: 80).
[8] مفتاح دار السعادة (1: 363).
[9] سيرة ذاتية (12).
[10] ماذا علمتني الحياة (288).
[11] كفاية المحتاج للتنبكتي (1: 350).
[12] روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام (2: 915).
[13] الأدب الصغير (21).




سلسلة طالب العلم (1) طالبُ العلم .. والقَفَزات
سلسلة طالب العلم (2) طالبُ العلم .. والتأمُّل
سلسلة طالب العلم (3) طالبُ العلم .. والحُبّ
سلسلة طالب العلم (4) طالبُ العلم .. والتصدُّر
سلسلة طالب العلم (5) طالبُ العلم .. والدَّمع
سلسلة طالب العلم (6) طالبُ العلم .. والمذاكرة
سلسلة طالب العلم (7) طالبُ العلم .. وسؤال الوسائل
سلسلة طالب العلم (8) طالبُ العلم .. والتخصص
سلسلة طالب العلم (9) طالبُ العلم .. والهموم
سلسلة طالب العلم (10) طالبُ العلم .. والصناعة البحثيَّة
سلسلة طالب العلم (11) طالبُ العلم .. بين الضبط والتحقيق
سلسلة طالب العلم (12) طالبُ العلم .. والتعليم
 

مشاري الشثري
  • سلسلة طالب العلم
  • مقالات في التربية
  • مقالات متفرقة
  • مقالات منهجية
  • مقالات نقدية
  • الصفحة الرئيسية