اطبع هذه الصفحة


كيف نتخلص من الهيمنة الأمريكية ؟

الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة السلام على إمامنا و قائدنا و رسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
وبعد :
لابد بداية من الاعتراف بواقعنا المرير الذي نحن نغوص فيه ، فالفساد متربع على معظم نواحي حياتنا السياسية ، و الاقتصادية        و الاجتماعية .... إلخ  ، والله المستعان .
 
ومع هذا الواقع الأليم على المسلم أن لا ييأس من رحمة الله بأن يصلح له شأنه كله إذا تاب و أخذ بالأسباب المعتبرة :
 
قال تعالى : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) . ( سورة البقرة: الآية 257) .
 
وقال جل جلاله : ( يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:16) .
الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أننا أسرفنا على أنفسنا فسلط الله علينا بذنوبنا من لا يرحمنا ولا يقيم لنا أي وزن .
   
عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ . قال : بل أنتم يومئذ كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل ، و لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم     و ليقذفن الله في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله ، و ما الوهن . قال : حب الدنيا ، و كراهية الموت ) .[1]
 
ومع هذا فعلى النخبة المؤمنة أن تحاول الخلاص من هذا الوهن  و الضعف و الاستعباد المتربع على صدورنا منذ زمن .
 
و لعل خير بداية للتخلص من الهيمنة الأمريكية تلك النقاط التي سوف أبين بعضا منها بما يناسب المقال و المقال على النحو التالي :

 
أولا - العودة إلى الله :

يجب علينا جميعا أن نعود إلى الله تعالى بأن نعترف ببعدنا عن طريقه و نهج رسوله في كل النواحي و المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، و الله هو الغفور الرحيم .
 
قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (سورة الشورى: الآية 25) .
 
ثانيا – معرفة حقيقة قوة عدونا :

الحقيقة التي يجب أن نعرفها أن الولايات المتحدة قوية جدا ، بيد أن مؤشر قوتها بدأ بالهبوط و النزول إلى الحضيض .
 
فالدولار بدأ يفقد قيمته بسرعة ، و في القريب العاجل – إن شاء الله - سوف يصل الذين يتعاملون بهذه العملة إلى قرار بعدم التعامل مع هذه العملة الآيلة للسقوط ، فلماذا يربطون مصيرهم مع مصير من يتلفظ أنفاسه الأخيرة .
و يعيد كثير من المحليين الاقتصاديين ارتفاع أسعار النفط إلى أزمة الدولار ، وليس إلى أزمة السوق النفطي و حركة العرض و الطلب ، بل المفروض بعد عودة العراق إلى السوق النفطية ، و تزايد الإنتاج أن ينخفض سعر النفط لا أن يتضاعف ، ولكن هذا الارتفاع القسري لأسعار النفط يشكل دعما مصيريا للدولار المنهار عملة سوق النفط ، و بغير ذلك ، فإن الطلب عليه معرض للتراجع بحدة كارثية .
 
يقول ليوناردو ماغري : ( إن النفط موجود في باطن الأرض بكميات هائلة لا تستدعي القلق و الخوف ، فدول الخليج التي يعتقد أنها تخزن 70% من النفط العالمي لا يمثل النفط المستكشف فيها اكثر من 3% من الاستكشافات العالمية للنفط في حين أن أكثر من 70% من الاستكشافات الجديدة للنفط تقع في الولايات المتحدة و كندا ، و يذكر مثالا صارخا ، فعدد الآبار التي حفرت في دول الخليج بين العوام 1955- 2004 م لم يتجاوز المائة بئر في المقابل أكثر من 15700 بئر حفرت في الولايات المتحدة في الفترة نفسها لا يعمل في السعودية سوى 300بئر للنفط مقابل مئات الآلاف من الآبار في الولايات المتحدة الأمريكية )[2] .
 
وتكشف دراسات أن : ( الديون الخارجية للولايات المتحدة تبلغ ما يقارب 3.5 تريليون دولار ، ويعاني الاقتصاد الأمريكي من تزايد مديونية الأفراد ، و تباطؤ سرعة نمو دخل الفرد ، وارتفاع البطالة ، وانخفاض سرعية الإنتاجية عنها في اليابان و أوربا ، ز تردي مستويات الخدمات الصحية و التعليمية و تراجع ملحوظ أمام دول أخرى في مجال التعليم و البحث العلمي ، حيث انحصرت نسبة العلميين و الفنيين بها في 55 لكل ألف من السكان الأمريكيين مقابل 129 في السويد و هولندا و257 في كندا و 317في اليابان .
كما تشير بعض الدراسات إلى تراجع الطلاب الأمريكيين أمام الطلاب الجانب و بخاصة في مجال الرياضيات و الكيمياء وعلوم الحاسب الآلي ، وتراجع ما قدمته الولايات المتحدة من معارف و تكنولوجيا جديدة في العالم 75% عام 1945 إلى 36% عام 1996 م و تزايد الإقصاء و التهميش في أوساط الفئات الفقيرة و التي برزت في الأصوات المنددة بالعولمة ) [3].
 
فهذه الأرقام و غيرها تفيد أن قوة الولايات المتحدة أخذت بالنزول و الانهيار ، فعلينا نحن أهل القبلة أن نعمل بكل جد و إخلاص لبناء دولنا و اقتصادنا و نعمل لآخرتنا و دنيانا على أسس متينة حتى نتخلص من هذا الأحمق المريض .
 
ثالثا – العمل على إنشاء إعلام معاصر ملتزم بديننا الحنيف :

 من محطات فضائية ناطقة بالعربية و غيرها من اللغات الحية كما علينا الاهتمام بالشبكة العنكبوتية إضافة إلى الوسائل الإعلامية التقليدية للوقوف مع الحق و الدفاع عنه و النطق باسمه .
 
رابعا – التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية و الحليفة :

 فالعصر الحاضر عصر التحالفات و التكتلات فبدون تعاون إقتصادي بين الدول الإسلامية لن تقوم لنا قائمة أبدا .
 
خامسا – العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء العاملين :

و لعل أبرز شروط هؤلاء العلماء :
1- المصدر المستقل لعيش العلماء : بأن نؤمن للعلماء مصادر عيش مستقلة عن الحكام و السلاطين ليكن عن طريق الوقف و الجمعيات الأهلية أو ما شابه .
2- العناية بالعلوم دينية و دنيوية .
3- أن يتربى على عدم الترف في المأكل و الملبس .
4- أن يتربى على الخوف من الله تعالى فقط .  
5- أن لا يخاف في الله لومة لائم .
 
سادسا – إحياء سنة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 فهي السنة التي أمتناها وكانت خاصتنا نحن أمة الإسلام .
قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة آل عمران: الآية110) .
و للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر درجات لابد من صعودها حتى نصل إلى المبتغى .
 
الدرجة الأولى : أن يبدأ المسلم بنفسه ليصنع نموذج المؤمن المقاوم الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر .
الدرجة الثانية : أن يعلم أهله و مقربيه آداب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
الدرجة الثالثة : أن يعلم و يدعو جيرانه إلى نهج سنة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
الدرجة الرابعة : أن يعلم و يدعو، ويعلم البلاد عامة .
الدرجة الخامسة : أن يعلم و يدعو الإنسانية قاطبة سنة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
 
سابعا – محاربة المادية الجارفة و السلبية المميتة و التيارات الإلحادية :

فعلى أهل الحل و العقد من منظمات شعبية و أحزاب إسلامية و جمعيات دعوية مقاومة التيارات المادية و السلبيات الدينية و التيارات الإلحادية و أبوبها و طرقها بكل الطرق و السبل الممكنة .
 
تاسعا – الدعوة للعدالة الاجتماعية :

لأن العدالة أساس أي ملك و لن تقوم لنا قائمة ما دمنا نأكل بعضنا بعضا و نظلم بعضنا بعض .
فالعدالة الاجتماعية أس كل إصلاح حقيقي ، فالمال سبب من أسباب دفع حاجات العباد ، لذلك علينا محاربة الاحتكار و الاستغلال و المحسوبيات ، و تأمين فرص العمل و الحاجات الأساسية لعموم المواطنين .
 
إذا رحمنا الله تعالى فيسر لنا ذلك ، أو بعضا منه سوف نتخلص من الهيمنة الأمريكية و اتباعها و ذيولها .
 
( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) ( سورة السجدة: 28-29).
و الحمد لله رب العالمين


المحامي الدكتور مسلم اليوسف
0096395545311
المصدر : الحملة العالمية لمقاومة العدوان
http://qawim.net
 

-------------------------------------------------
[1] - رواه أبو داوود في سننه و قال عنه الشيخ الألباني رحمه الله : حديث صحيح .ج4/111 برقم 4297.
[2]  - ليوناردو ما غاري ، رئيس قسم الاستراتيجيات و التطوير في شركة النفط و الغاز الإيطالية و مؤلف كتاب عصر النفط ومستقبل أكثر مصادر الأرض للجدل .
[3] - نقد العولمة لعبد الوهاب حميد رشيد ، نقلا عن Connell , Brian o,p.xviii,55..,zijdervelol,antonc.civil society,p.157


 

 

مسلم اليوسف
  • بحوث علمية
  • بحوث نسائية
  • مقالات ورسائل
  • فتاوى واستشارات
  • الصفحة الرئيسية